ادم المنصوري حكايات اسما 1

خرجت المربية الثامنة عشرة من القصر والدم نازل من جنب جبينها، وكم الزي بتاعها مقطوع، وهي بتصرخ بصوت خلى حتى الحراس الواقفين عند البوابة الحديد يلتفتوا ناحيتها بخوف.
“أنا خلاص! مش هكمل دقيقة هنا! الولد ده مش طبيعي!”
البوابات السودا الكبيرة اتفتحت ببطء علشان تخرج وهي شبه بتجري.
وراها كان قصر ضخم في التجمع الخامس، مبني بالحجر الأبيض، وشبابيكه المعتمة تعكس السما كأن البيت نفسه رافض يوري اللي جواه. رخام لامع، كاميرات في كل ركن، رجال أمن لابسين بدلات سودا واقفين بثبات حوالين الأعمدة، وصمت تقيل لدرجة إنك تحس إن البيت نفسه بيكتم أنفاسه.
ومن فوق، عند السلم الداخلي الطويل، كان “سليم المنصوري” واقف يتفرج عليها وهي بتهرب… من غير ما يرمش حتى.
اسم سليم لوحده كان كفاية يفتح أبواب مقفولة، ويخلي رجال أعمال يغيروا كلامهم، وضباط يخفضوا صوتهم أول ما يدخل مكان. كان يملك شركات مقاولات وشحن ومولات وفنادق، وثروة محدش يعرف حجمها الحقيقي.
لكن جوا بيته…
كان فيه شخص واحد بس ماكانش يقدر يتحكم فيه.
ابنه.”آدم المنصوري”.
طفل عنده أربع سنين، بعينين سودا واسعين بشكل مخيف على وشه الشاحب، وبقاليه سنتين ما نطقش جملة كاملة.
من يوم الحادثة اللي ماتت فيها أمه على طريق السويس، والطفل اتغير …الشرطة قالت وقتها إنها حادثة عربية.
لكن من يومها…آدم بقى ساكت ومرعب في نفس الوقت.
ماكانش يقول “بابا”…ولا “ماما”.ولا حتى “عايز”.
كان يصرخ.يكسر.يعض.
يرمي أي حاجة تطولها إيده الصغيرة… ألعاب، فازات، كتب، موبايلات، أي شيء.
ولو حد حاول يلمسه…
يستخبى تحت السرير أو جوا الدولاب بالساعات.
سليم جاب أطباء نفسيين من القاهرة ودبي ولندن.
ومعالجين أطفال بياخدوا في الجلسة أكتر من مرتب موظف في شهر.ومربيات اشتغلوا قبل كده عند سياسيين ومشاهير.ولا واحدة كملت.
في اللي خرجت وهي بتعيط.وفي اللي خرجت بكدمات.
وآخر واحدة خرجت والدم نازل من راسها.
وفي عصر اليوم ده…
دخلت “ريم عادل” من باب الخدمة الخلفي وهي شايلة شنطة قماش صغيرة فيها كل هدومها تقريبًا… وخوف مستخبي جوا صدرها.
كان عندها 22 سنة، من شقة قديمة في شبرا، وماجتش القصر علشان تنقذ طفل غني مدلل.
هي جات علشان أخوها الصغير “مالك” محتاج عملية قلب، وفواتير المستشفى بقت أكبر من قدرة أمها حتى إنها تفتح الأظرف اللي بتوصلهم.
ريم كانت بتشتغل في مطعم الصبح، وتنضف مكاتب بالليل، لكن الديون كانت بتكبر أسرع من أي تعب.
والمرتب هنا…في أسبوع واحد…
يساوي شهر كامل في أي شغل تاني.وده كان كفاية.
استقبلتها “مدام نوال”، مديرة القصر.
ست طويلة، حادة الملامح، شعرها الرمادي مرفوع بإحكام، وطريقتها تخليك تحس إن حتى ابتسامتها ممكن تجرح.
قالتلها ببرود:”تشتغلي بهدوء. ما تسأليش أسئلة. ما تبصيش لسليم بيه إلا لو كلمك. وما تدخليش الجناح الشمالي أبدًا.”هزت ريم راسها بسرعة.”حاضر.”
عين مدام نوال اتحركت على هدومها الرخيصة، وحذائها القديم، وآثار الحروق الصغيرة على إيدها من شغل المطبخ.وقالت باستخفاف:
“مش هتكملي أسبوع.”
ريم بلعت ردها.
هي محتاجة الفلوس أكتر ما محتاجة كرامتها دلوقتي.
بدأوها بتنضيف الصالة الرئيسية.
الرخام كان بيلمع تحت النجف الكريستال الضخم كأنه مراية.
ريحة المكان خليط بين الخشب الغالي والعطر البارد والفلوس.
كانت لسه بتمسح الترابيزة الكبيرة لما سمعت صرخة جاية من آخر الطرقة.مش صرخة طفل عادي.
كانت صرخة مليانة خوف وغضب في نفس الوقت.
وفجأة…
ظهر آدم وهو بيجري ناحيتها، شايل تمثال حصان برونزي صغير بإيديه الاتنين.
الحراس اتحركوا متأخر.
التمثال خبط ريم في ضلوعها بعنف.
الوجع ضرب جسمها كله مرة واحدة.
وقعت على ركبها، والدلو اتقلب، والمية اتنشرت على الرخام.”آدم!”
صوت سليم دوّى من فوق السلم.
“كفاية!”
لكن الطفل ماوقفش.
جري ناحية ريم وبدأ يرفسها بعنف هستيري.
وشه كان أحمر.وإيديه الصغيرة مقفولة بقوة.
ماكانش شكله طفل مدلل…
كان شكله طفل بيحاول يهرب من نار محدش غيره شايفها.
الكل وقف مستني ريم تصرخ…
لكنها ما صرختش.
بصتله بس.
بهدوء غريب.
وركعت قدامه ببطء شديد…
لحد ما بقت في مستوى عينيه.
الحراس اتوتروا فورًا.
حتى سليم نزل درجة من السلم وهو مستعد يشد الطفل بعيد.لكن ريم همست بهدوء:
“أنا مش هأذيك.”آدم اتجمد.أول مرة…أول مرة من سنتين…
الطفل وقف من غير ما يصرخ.
وبعدين حصل الشيء اللي خلى الدم يتجمد في عروق كل اللي واقفين.آدم قرّب من ريم ببطء.
وبص حواليه بخوف.
ثم همس بكلمة واحدة بصوت مبحوح ضعيف جدًا:
“لا…”
الصمت نزل على القصر كله.
سليم وقف مكانه كأنه اتضرب.مدام نوال شهقت.
لأن الطفل…ما اتكلمش من سنتين.
لكن ريم ماكانتش باصة لفرحة الناس.كانت باصة لشيء تاني.شيء خلى لون وشها يختفي فجأة.
لأن آدم…ماكانش بيبص لسليم.
ولا للحراس.
كان بيبص ناحية الجناح الشمالي المقفول…
وهو بيرتعش.ويكرر نفس الكلمة بخوف:
“لا…”
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الأول — الباب اللي ممنوع يتفتح
فضل الصمت تقيل في الصالة بعد ما آدم همس بالكلمة.
“لا…”
صوته كان ضعيف، متكسر، كأن الحروف نفسها نسيت تطلع إزاي.
لكن الرعب اللي في عينيه… كان حقيقي لدرجة خلت ريم تنسى الوجع اللي في ضلوعها.
الطفل كان بيرتعش. مش خوف طفل من عقاب. ولا خوف طفل من غريب.
كان خوف حد شاف حاجة أكبر من سنه بكتير.
عينه كانت متعلقة بالجناح الشمالي.
الباب الأسود الطويل المقفول في آخر الطرقة.
الباب اللي حتى الخدم بيتجنبوا يبصوا ناحيته.
ريم لاحظت إن الحراس نفسهم اتحركوا بتوتر أول ما الطفل بص هناك.
أما سليم… فوشه اتقفل فجأة بطريقة باردة جدًا.
نزل باقي السلم ببطء.
كل خطوة من جزمة الجلد السودا فوق الرخام كانت عاملة صوت يخلي الأعصاب تشد.
وقف قدام آدم مباشرة.
الطفل اتكمش فورًا أول ما أبوه قرب.
حركة صغيرة جدًا… لكن ريم شافتها.
وشافت حاجة تانية أخطر.
آدم ماجريش ناحية سليم.
ماطلبش حضنه.
بالعكس… رجع لورا بخوف.
سليم بصله ثواني طويلة قبل ما يقول بصوت منخفض: “خدوه فوق.”
الحارس قرب فورًا.
لكن آدم فجأة مسك كم ريم بقوة.
صوابعه الصغيرة كانت ساقعة.
وعينه لسه على الجناح الشمالي.
“لا…”
قالها تاني. أوضح المرة دي.
ريم قلبها دق بعنف.
مدام نوال قربت بسرعة وشدت الطفل من إيده بعصبية وهي بتحاول تضحك: “كيدز… مجرد نوبة غضب.”
لكن ملامحها كانت متوترة زيادة عن اللزوم.
سليم رفع عينه ناحية ريم لأول مرة بتركيز حقيقي.
كان طويل بشكل مخيف. بدلته الرمادي الغامق مفصلة بدقة. ملامحه حادة كأنها منحوتة. وعينه… باردة بطريقة تخلي أي حد ينسى كلامه.
قال ببرود: “اسمك؟”
“ر… ريم.”
“انتي الجديدة؟”
هزت راسها بسرعة.
سليم بص للدم اللي نازل بسيط من جنب ضلوعها مكان ما خبطها التمثال.
“الدكتور يشوفك.”
“أنا كويسة.”
قالتها بسرعة تلقائية.
الفلوس.
كل اللي في دماغها كان إنها لو ظهرت ضعيفة ممكن يطردوها.
مدام نوال ضحكت بسخرية خفيفة: “كلهم بيقولوا كده أول يوم.”
لكن سليم فضل باصص لريم ثواني طويلة غريبة.
كأنه بيحاول يفهم إزاي هي الوحيدة اللي آدم ماكسرهاش.
ثم قال: “من النهاردة… انتي المسؤولة عنه.”
الصالة كلها سكتت.
حتى الحراس بصوا لبعض.
مدام نوال اتحركت بسرعة: “سليم بيه… ده قرار متسرع—”
“خلص الكلام.”
صوته نزل حاد لدرجة خلتها تسكت فورًا.
أما ريم… فكانت حاسة إن معدتها وقعت.
هي أصلًا بالكاد قادرة تتحمل طفل عنيف.
لكن دلوقتي؟ هتبقى معاه لوحدها؟
وفوق ده كله… في بيت حاسه إنه مخبي حاجة سودا جوه حيطنه.
أوضة آدم كانت في آخر الدور التاني.
أكبر من الشقة كلها اللي ريم عايشة فيها.
لكن رغم الألعاب الغالية والرسومات والأجهزة… الأوضة كانت مخنوقة.
ستاير مقفولة. نور خافت. ولعب متكسرة في كل حتة.
كأن طفل صغير أعلن حرب على العالم جوا المكان ده.
آدم كان قاعد تحت المكتب الخشبي. ضامم رجليه لصدره.
أول ما ريم دخلت… رفع عينه ناحيتها بتوتر.
هي وقفت بعيد. ماقربتش.
وافتكرت كلام الدكاترة اللي كانت تسمعه زمان وهي قاعدة مع مالك في المستشفى: “الأطفال الخايفين بيحتاجوا مساحة آمنة.”
فقالت بهدوء: “أنا هقعد هنا بس.”
وقعدت على الأرض بعيد عنه.
من غير أسئلة. من غير محاولة لمس.
عدت دقيقة. اتنين. عشرة.
الصمت كان خانق.
لحد ما آدم همس فجأة: “بتنزف.”
ريم بصت على جنبها. ضحكت بخفة: “أنت اللي خبطتني.”
عينيه وسعت فورًا.
الذنب ظهر على وشه بسرعة صادمة.
وفجأة… بدأ يتنفس بسرعة.
كأنه داخل في نوبة هلع.
ريم فهمت فورًا.
رفعت إيدها بسرعة: “لا لا… أنا بهزر.”
لكن الطفل كان خلاص بيرتعش.
“هتمشي…”
همسها بصوت مخنوق.
“زي الباقيين.”
القلب جوا صدر ريم وجعها فجأة.
طفل عنده أربع سنين… ومتأكد إن أي حد يقرب منه لازم يسيبه.
فنزلت ببطء تقعد على الأرض أكتر.
وقالت بهدوء: “مش همشي.”
آدم فضل باصص لها.
كأنه بيحاول يصدق.
ثم همس: “كلهم بيخافوا.”
“وأنت؟”
سكت.
ثواني طويلة.
ثم بص ناحية الباب… ناحية الطرقة المؤدية للجناح الشمالي.
ولونه اتغير تاني.
“هو هناك.”
الهواء برد فجأة.
ريم حست بقشعريرة مشت في ضهرها.
“مين؟”
لكن الطفل فجأة استخبى تحت المكتب تاني بعنف.
وكأنه قال أكتر مما المفروض.
وفي نفس اللحظة…
نور الأوضة طفّى.
ريم شهقت تلقائيًا.
الضلمة بلعت المكان كله.
وسمعت صوت نفس آدم السريع تحت المكتب.
ثم…
صوت خطوات.
مش من جوه الأوضة.
من برا.
خطوات بطيئة جدًا… ماشية في الطرقة.
تك.
تك.
تك.
ريم جسمها اتجمد.
البيت كله كان ساكت.
يعني اللي بيمشي برا… أكيد سامعه.
الخطوات قربت من الباب.
آدم دفن وشه في رجليه وهو بيترعش.
وهمس بخوف هستيري: “مايفتحش… مايفتحش…”
ريم قامت واقفة ببطء.
القلب بيدق بعنف.
الخطوات وقفت فعلًا قدام الباب.
ثانية.
اتنين.
ثم…
دقّتين خفاف على الخشب.
ريم بلعت ريقها.
“مين؟”
الصمت رد عليها.
بعدها… الخطوات بدأت تبعد ببطء من جديد.
تك…
تك…
تك…
لحد ما اختفت.
النور رجع فجأة.
ريم لفت بسرعة ناحية الباب.
فتحته فورًا.
الطرقة فاضية.
مفيش حد.
لكن في آخر الممر… باب الجناح الشمالي كان مفتوح سنة صغيرة.
مع إنه كان مقفول من شوية.
وقبل ما تستوعب…
سمعت صوت مدام نوال وراها فجأة: “قلتلك ما تدخليش هناك.”
ريم شهقت والتفتت بسرعة.
مدام نوال كانت واقفة وراها مباشرة.
هادية بشكل مرعب.
لكن عينيها… كانت مليانة خوف حقيقي.
أكتر خوف ريم شافته من ساعة دخلت القصر.
قالت ريم بتوتر: “في حد كان هنا.”
“لا.”
“سمعت خطوات.”
مدام نوال قربت خطوة.
“اسمعيني كويس يا بنتي…”
أول مرة صوتها يفقد بروده.
“أي حاجة تسمعيها في القصر بالليل… تجاهليها.”
ريم قلبها بدأ يدق أسرع.
“يعني إيه؟”
لكن مدام نوال بصت ناحية الباب المفتوح سنة في آخر الطرقة… ولونها ابيضّ فجأة.
ثم همست: “لأن في حاجات هنا… الأفضل تفضل مستخبية.”
وفجأة…
باب الجناح الشمالي اتقفل بعنف لوحده.
الصوت دوّى في القصر كله.
وآدم صرخ من جوه الأوضة صرخة رعب حقيقية.
أما ريم… فوقفت مكانها… وعرفت إن اللي مستخبي جوه البيت ده أخطر بكتير من طفل عنده أربع سنين.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *