وجع لا حد له حكايات اسما السيد 3

الفصل الرابع — الليلة اللي كان المفروض أختفي فيها
أول ما عادل قال:
— المحامي قال إن مدام نوران مش هتبقى موجودة بكرة…
حسيت إن كل الوجع اللي في بطني من العملية رجع مرة واحدة.
سيلا همست:
— عمي مستحيل يعمل كده.
بصيتلها.
— من ساعة وإنتِ جاية وأنا بسمع كلمة “مستحيل” عن ناس عملوا كل حاجة.
جوزي قرب من الباب.
— عادل، إنت بتتهم راجل بحاجة خطيرة. عندك دليل؟
عادل رد:
— عندي.
الصالة سكتت.
فتحت الباب وخليته يدخل.
كان وشه أصفر من الخوف.
طلع موبايله.
— بعد الحادثة بيوم، المحامي كلمني.
فتح تسجيل.
صوت عم سيلا ظهر واضح:
— العربية تتصلح وتتخلص من أي حاجة تخص الفرامل.
عادل في التسجيل سأله:
— ليه؟
رد:
— إنت نفذ وبس.
وبعدين قال:
— ولو حد سألك، تقول إنك فقدت السيطرة بسبب المطر.
التسجيل خلص.
سيلا قعدت على الكرسي.
— ليه يعمل كده؟
قلت:
— علشان الميراث.
جوزي قال:
— مش بالضرورة.
بصيتله.
— إنت آخر واحد يدافع عن حد.
سكت.
مسكت موبايلي.
— أنا هبلغ الشرطة.
جوزي قال بسرعة:
— استني.
ضحكت.
— طبعًا.
— نوران، التسجيل لوحده مش كفاية يثبت إنه لعب في الفرامل.
— لكن كفاية أبدأ بيه.
اتصلت.
بلغت عن التسجيل، وعن التهديد، وعن الشك في الحادثة.
وبعت نسخة من كل حاجة لأختي، ونسخة للمحامي اللي بدأت إجراءات الطلاق معاه.
وبعدين بصيت لعادل.
— وإنت هتقول الكلام ده رسمي؟
هز راسه.
— هقول.
سيلا قالت:
— وأنا عندي حاجة.
فتحنا الملف الأزرق تاني.
طلعت ورقة.
— دي نسخة من مراسلات بين عمي وجوزك.
بصيت لجوزي.
— مراسلات إيه؟
قال:
— شغل.
سيلا ردت:
— مش كلها.
قريت رسالة بتاريخ قبل الحادثة بشهر.
عمها كاتب:
“لازم توقيع نوران يتم قبل نهاية الشهر. بعدها الوضع القانوني هيتغير.”
وجوزي رد:
“أنا هتصرف.”
رفعت عيني له.
— هتتصرف إزاي؟
— كنت هقنعك تمضي.
— ولو رفضت؟
سكت.
سيلا قالت:
— فيه رسالة تانية.
قريتها.
عمها:
“لو رفضت، عندنا الخطة البديلة.”
جوزي كان رد بكلمة واحدة:
“لأ.”
بصيتله.
قال:
— شوفتِ؟ أنا رفضت.
قلت:
— إيه الخطة البديلة؟
— ماكنتش أعرف.
— وكلمة “لأ” كانت كفاية بالنسبالك؟ ما سألتش؟
نزل عينه.
— كنت عارف إنه راجل وسخ… بس ما توقعتش ده.
ضحكت بمرارة.
— وإنت كنت إيه؟
رفع عينه.
ما ردش.
لأن السؤال ماكانش محتاج إجابة.
بعد حوالي نص ساعة، الشرطة وصلت.
اتاخدت أقوالنا.
التسجيلات والرسائل اتسلمت.
وعادل وافق يروح معاهم.
وقبل ما يخرج، بصلي وقال:
— أنا آسف.
قلت:
— على إيه؟
— وافقت أخوفك وآخد الشنطة.
— ليه؟
— فلوس.
قالها بمنتهى الخجل.
— كنت محتاج فلوس.
قلت:
— كل واحد في الحكاية دي كان عنده سبب.
سكت.
— بس الأسباب ما بتمسحش الاختيارات.
نزل راسه ومشي.
فضلنا أنا وسيلا وجوزي.
قلت لجوزي:
— امشي.
— نوران…
— امشي.
— لازم نتكلم.
— إحنا اتكلمنا.
— لأ، لسه فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.
بصيتله.
— إيه تاني؟
سكت شوية.
وبعدين قال:
— جدك ما سابش الميراث ليكي لوحدك.
— عارفة.
— لأ. مش قصدي البند اللي قريتيه.
قرب من الترابيزة.
— فيه وريث تاني.
سيلا بصتله.
— مين؟
قال:
— أخو نوران.
ضحكت.
— أنا معنديش أخ.
رد:
— عندك.
وشي تجمد.
— إنت بتقول إيه؟
— جدك كان عنده ابن تاني.
— ده يبقى خالي مش أخويا.
هز راسه.
— مش ابن جدك.
سكت.
— ابن أبوكي.
ماقدرتش أفهم.
— أبويا مات وأنا صغيرة.
— وكان متجوز قبل أمك.
سيلا قالت:
— وإنت عرفت منين؟
— من الملفات.
بصلي.
— عندك أخ أكبر منك بحوالي سبع سنين.
قعدت.
— وماما كانت تعرف؟
— غالبًا.
— وهو فين؟
جوزي سكت.
قلت:
— فين؟
— ده اللي المحامي كان بيدور عليه.
سيلا قالت:
— عمي؟
— أيوه.
— ليه؟
جوزي رد:
— لأن ظهور أخو نوران يغير تقسيم جزء كبير من التركة.
قلت:
— وإنت كنت عايز تمنع ظهوره؟
قال بسرعة:
— لأ.
بصيتله بسخرية.
قال:
— كنت عايز أوصل له قبله.
— علشان إيه؟
سكت.
— علشان تشتري نصيبه؟
قال:
— أيوه.
ضحكت.
كل حاجة عنده كانت صفقة.
حتى عيلتي اللي ما أعرفهاش.
في اللحظة دي موبايل سيلا رن.
رقم عمها.
كلنا بصينا للشاشة.
قال جوزي:
— ما ترديش.
قلت:
— لأ.
شغلت التسجيل.
— ردي.
سيلا فتحت السماعة الخارجية.
— ألو؟
صوت عمها جه هادي جدًا.
— إنتِ فين؟
— عند نوران.
سكت.
— قولتلك تبعدي عنها.
— ليه؟
— لأنها بتستغلك.
سيلا بصتلي.
— الملف معاها.
صوته اتغير.
— أنهي ملف؟
— الأزرق.
ثواني صمت.
وبعدين:
— اسمعيني كويس. خديه منها واخرجي.
— ليه؟
— لأن فيه أوراق مش بتاعتها.
أنا قربت من الموبايل وقلت:
— بالعكس. تقريبًا كلها بتاعتي.
سكت.
ثم قال:
— نوران.
— أيوه.
ضحك بهدوء.
— واضح إنك بقيتي أحسن.
— للأسف ليك.
— أنا مش عدوك.
— عادل قال غير كده.
الصمت اللي حصل بعدها أكدلي إنه عرف إن اللعبة بدأت تقع.
قال:
— عادل كداب.
— والتسجيل؟
— متفبرك.
— والرسائل؟
— خارج سياقها.
ضحكت.
— كل حاجة عندكم خارج سياقها لما تتكشف.
قال:
— قابليني وأنا أشرحلك.
جوزي هز راسه بعنف: لأ.
قلت:
— فين؟
قال عنوان.
سيلا همست:
— ده مكتب عمي القديم.
قال:
— لو عايزة تعرفي أخوكي فين، تعالي لوحدك.
قلت:
— ليه لوحدي؟
— لأن أخوكي مش عايز يشوف أي حد غيرك.
المكالمة اتقفلت.
جوزي قال فورًا:
— مش هتروحي.
بصيتله.
— إنت ما بقتش تقوللي أروح فين وما أروحش فين.
— دي مش سيطرة. دي مصيبة واضحة.
سيلا قالت:
— المرة دي هو عنده حق.
بصيت للاتنين.
— وأنا ما قلتش إني هروح لوحدي.
بلغنا الشرطة بالمكالمة.
والخطة كانت بسيطة:
أدخل.
وهما قريبين.
لكن قبل ما نتحرك، سيلا قالت:
— أنا جاية.
قلت:
— لأ.
— ده عمي.
— وده سبب أكبر إنك ما تجيش.
قالت:
— نوران، أنا ساعدته من غير ما أعرف.
سكتت.
— لازم أصلح حاجة.
بصيتلها.
— لو عايزة تصلحي، قولي كل اللي تعرفيه للشرطة.
— عملت.
— يبقى كفاية.
لأول مرة، ما جادلتش.
وصلت للمكتب القديم.
دخلت.
المكان شبه فاضي.
عم سيلا كان قاعد ورا مكتب كبير.
قال:
— اتأخرتي.
قلت:
— كنت بموت من كام أسبوع. بقيت بمشي براحة.
ابتسامته اختفت.
قعدت قدامه.
— أخويا فين؟
— قبل أخوكي، لازم نفهم بعض.
— مفيش حاجة بينا تتفهم.
طلع ورقة.
— الميراث اللي فرحانة بيه عليه مشاكل أكبر مما تتخيلي.
— ما أنا عندي محامين.
— جوزك؟
ضحكت.
— قريبًا هيبقى طليقي.
قال:
— قرار متسرع.
— أنا خدت قرارات أسوأ لما وثقت فيه.
سكت.
قلت:
— أخويا.
فتح درج المكتب.
طلع صورة.
حطها قدامي.
راجل في أوائل الأربعينات.
ملامحه…
خلت قلبي يدق.
كان شبه أبويا.
نفس الحواجب.
نفس شكل الفك.
قلبت الصورة.
اسم ورقم.
قلت:
— هو عايش؟
— جدًا.
— وعارف عني؟
— من شهرين.
— ليه ما كلمنيش؟
ابتسم.
— لأنه فاكر إنك بتحاولي تسرقي حقه.
قلت:
— مين فهمه كده؟
ما ردش.
قلت:
— إنت.
ابتسم.
— أنا شرحتله الوضع.
— بطريقتك.
قمت.
— خلصنا.
قال:
— اقعدي.
— لأ.
— لو خرجتي دلوقتي، أخوكي مش هتشوفيه.
لفيتله.
— هلاقيه.
ضحك.
— بالرقم اللي على الصورة؟
بصيت للصورة.
الرقم اختفى.
كان مكتوب بحبر قابل للمسح، وبدأ يبهت.
رفعت عيني له.
قال:
— أنا الوحيد اللي يقدر يوصلك له.
قلت:
— وإنت عايز إيه؟
ابتسم.
أخيرًا وصلنا.
طلع ورقة.
— توقيع واحد.
ضحكت.
— سبحان الله. كل الرجالة في حياتي عندهم هوس بتوقيعي.
— الورقة بتديني حق إدارة الجزء المتنازع عليه لحد ما الق\ضية تتحسم.
— يعني الميراث يبقى تحت إيدك.
— مؤقتًا.
— لأ.
ابتسامته اختفت.
— فكري.
— فكرت.
قمت.
وفجأة باب المكتب اتقفل من برا.
بصيتله.
— إيه ده؟
قال بهدوء:
— مش أنا.
لكن وشه قال غير كده.
وقبل ما أتكلم، سمعنا صوت ارتطام برا.
ثم صوت راجل بيصرخ:
— افتح!
عم سيلا اتجمد.
أنا عرفت الصوت رغم إني عمري ما سمعته قبل كده.
لأن الراجل دخل بعد ثواني لما الباب اتفتح…
وكان نفس الشخص اللي في الصورة.
أخويا.
وقف قدامي.
بصلي فترة طويلة.
ثم قال:
— نوران؟
همست:
— إنت…
قال:
— أنا أخوكي.
عم سيلا قام.
— إنت بتعمل إيه هنا؟
أخويا بصله بغضب.
— جيت أعرف ليه بقالك شهرين بتكدب عليا.
ثم رمى ملف على المكتب.
— وليه قلتلي إن أختي هي اللي حاولت تقتلني.
أنا شهقت.
— إيه؟!
بصلي.
— قاللي إنك عرفتي بالميراث.
وأشار للمحامي.
— وإنك دفعتي لحد يلعب في فرامل عربيتي.
الدنيا وقفت.
قلت:
— عربيتك؟
هز راسه.
— أنا كمان عملت حادثة من شهرين.
بصيت لعم سيلا.
كل حاجة اتجمعت مرة واحدة.
حادثتي.
حادثة أخويا.
الميراث.
الفرامل.
الوصاية.
قلت:
— إنت كنت بتحاول تخلص مننا إحنا الاتنين.
المحامي رجع خطوة.
أخويا قال:
— لو إحنا الاتنين متنا قبل إنهاء إجراءات التركة…
بصله.
— مين كان هيسيطر عليها؟
أنا عرفت الإجابة.
هو.
وفجأة دوى خبط قوي على الباب.
وصوت الشرطة:
— افتح الباب!
المحامي حاول يجري ناحية باب جانبي.
لكن أخويا مسكه.
بعد ثواني، المكان اتملى برجال الشرطة.
وأنا وقفت في النص، ببص لأخو عمري ما عرفت إنه موجود…
وبفكر في شيء واحد:
أنا دخلت المستشفى وأنا فاكرة إن أكبر خيانة في حياتي إن جوزي اختار ضرتي وأنا بنزف.
لكن اتضح إن الجملة اللي قالها وقتها:
“نوران تقدر تستحمل.”
كانت بداية كشف سلسلة كاملة من الناس…
كل واحد فيهم كان مقتنع إني هستحمل سرقته، كذبه، وخيانته.
بس المرة دي…
أنا ماكنتش ناوية أستحمل.
كنت ناوية أحاسب.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *