علي الطريق أسمـا السـيد ×1
لما صرخت وبكيت علشان بنتي ضاعت أمي ردت بكل برود وقالت : بطلي ولوله سيبناها جنب الطريق لما رجعت في العربيه..
الفصل الأول: المكالمة التي قلبت حياتي
“بنتك تعبت في العربية ورجعت، فسبناها على الطريق وكملنا سفرنا. مش معقول طفلة واحدة تبوظ رحلة العيلة كلها!”
كانت هذه الكلمات التي قالتها لي أمي “أمينة” في تمام الحادية عشرة وسبعٍ وثلاثين دقيقة صباحًا، بينما كنت أجلس في اجتماع عمل مهم، محاطة بالملفات والتقارير وأجهزة الحاسوب.
في لحظة كنت أشرح خطة العمل للربع القادم، وفي اللحظة التالية شعرت أن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
في البداية ظننت أنني لم أسمع جيدًا.
لا يمكن لعقل طبيعي أن يستوعب مثل هذه الجملة بسهولة.
قلت ببطء وأنا أضغط على الهاتف بقوة:
“يعني إيه سبتوا مريم لوحدها؟”
تنهدت أمي بضيق وكأنني أنا المشكلة.
وقالت:
“يا سارة، متكبريش الموضوع. مريم دوخت في العربية ورجّعت، وأولاد خالك اتضايقوا، وكنا متأخرين على المصيف. نزلناها جنب استراحة على الطريق وبعتنالك الموقع. بصراحة مش فاهمة ليه عاملة كل الدوشة دي!”
في الخلفية سمعت صوت أبي “حسن”:
“قولي لها تبطل مبالغة. البنت كويسة ومفيش حاجة حصلت.”
شعرت بالدم يتجمد في عروقي.
اختفى كل شيء حولي.
أصوات الحاضرين.
شاشات الكمبيوتر.
الاجتماع بأكمله.
لم يبقَ سوى حقيقة واحدة مرعبة.
لقد تركوا ابنتي ذات الثماني سنوات وحدها على الطريق.
صرخت دون أن أشعر:
“إنتوا سبتوا طفلة صغيرة لوحدها؟!”
ردت أمي ببرود:
“ما كانتش لوحدها… كان فيه ناس رايحة جاية.”
كنت أعرف أنها تكذب.
عرفت ذلك فور وصول الموقع إلى هاتفي.
ثم أغلقت الخط.
بكل بساطة.
وكأن ترك طفل على جانب الطريق أمر عادي يحدث كل يوم.
قفزت من مكاني، أمسكت حقيبتي، وخرجت مسرعة من الاجتماع غير عابئة بنظرات زملائي المندهشة.
كانت يداي ترتجفان وأنا أفتح تطبيق الخرائط.
الموقع يبعد ثمانيةً وعشرين دقيقة.
ثمانية وعشرون دقيقة كاملة.
ثمانية وعشرون دقيقة قضتها ابنتي وحدها.
انطلقت بسيارتي بأقصى سرعة.
وخلال الطريق ظل صوت أبي يتردد في رأسي:
“بلاش تعملي مشكلة.”
الجملة التي سمعتها طوال طفولتي.
كلما أخطأوا قالوا إن الأمر عادي.
كلما ظلموا أحدًا قالوا إنهم يفعلون ذلك لمصلحة العائلة.
وكلما اعترضت اتهموني بالمبالغة.
سنوات طويلة وأنا أحاول إقناع نفسي أن هذه هي طباعهم فقط.
لكن هذه المرة لم أكن أنا الضحية.
هذه المرة كانت مريم.
ابنتي الوحيدة.
الإنسانة التي يفترض أن أحميها مهما حدث.
كلما اقتربت من الموقع ازداد خوفي.
كانت الطريق الصحراوية تمتد بلا نهاية.
لا مراكز تجارية.
لا مطاعم.
لا محطات وقود.
لا شيء.
فقط طريق طويل تحيط به أراضٍ خالية.
وعندما وصلت…
رأيتها.
كانت تقف بجوار لافتة قديمة صدئة.
تحتضن حقيبتها البنفسجية الصغيرة بقوة.
وجهها محمر من البكاء.
وعيناها متورمتان.
وخصلات شعرها ملتصقة بوجهها من شدة الحر.
لم تكن هناك أي استراحة.
ولا أي مكان آمن.
ولا أي شخص ينتظر معها.
فقط طفلة صغيرة تقف وحدها على جانب طريق سريع.
ما إن رأت سيارتي حتى بدأت تركض نحوي.
وهي تصرخ:
“ماما!”
كان في صوتها خوف وارتياح مزقا قلبي إلى نصفين.
أوقفت السيارة بسرعة ونزلت إليها.
ارتمت بين ذراعي بقوة وكأنها تخشى أن أختفي أنا أيضًا.
ضممتها إلى صدري وهمست:
“أنا هنا يا حبيبتي… خلاص.”
عندها فقط انفجرت بالبكاء.
ليس بكاء الأطفال المعتاد.
بل بكاء شخص ظل خائفًا لفترة طويلة جدًا.
ارتجف جسدها الصغير بين ذراعي وهي تقول بصوت مكسور:
“تيتا قالت إني بوظت الرحلة كلها…”
أمسكتُ وجه مريم بين يديّ، ومسحت دموعها بصعوبة بينما كانت شهقاتها تتلاحق.
“مين قالك كده يا حبيبتي؟”
خفضت رأسها وهمست:
“تيتا… قالت إني أنانية. وقالت إن الكل مستنيني بسبب الترجيع.”
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
لم تكن المشكلة أنهم تركوها وحدها فقط.
بل أنهم جعلوا طفلة في الثامنة تعتقد أن حياتها أقل أهمية من رحلة صيفية.
حملتها إلى السيارة، وجلست بجوارها دقائق طويلة قبل أن أتحرك.
أعطيتها زجاجة ماء باردة.
شربت منها ببطء وهي ما تزال ترتجف.
ثم سألتني بصوت خافت:
“إنتِ زعلانة مني؟”
التفت إليها فورًا.
“إيه الكلام ده؟”
“عشان أنا رجعت في العربية.”
أغلقت عيني للحظة.
حتى الآن كانت تصدق أنهم على حق.
أنها السبب.
أن مرضها جري/مة.
قلت بحزم:
“اسمعيني كويس يا مريم. لو الدنيا كلها وقفت بسببك وأنا جاية أخدك، يبقى الدنيا هي اللي تستنى. إنتِ أهم من أي رحلة ومن أي مصيف ومن أي حد.”
نظرت إليّ بعينين دامعتين.
ثم اقتربت مني وأحاطت ذراعيها حولي.
ولأول مرة منذ وجدتها بدأت تهدأ قليلًا.
عدنا إلى المنزل مباشرة.
طوال الطريق لم أتصل بأحد.
لم أرد سماع صوت أمي.
ولا أبي.
ولا أي تبرير.
عندما وصلنا كانت مريم مرهقة تمامًا.
أخذت حمامًا سريعًا.
ثم نامت على الأريكة وهي تحتضن دميتها القديمة.
جلست أراقبها.
كل دقيقة كانت تمر تجعل غضبي يكبر أكثر.
كلما تخيلت ما حدث ازداد الأمر رعبًا.
ماذا لو مرت سيارة وتوقفت؟
ماذا لو ضاعت؟
ماذا لو حاول أحد استدراجها؟
ماذا لو أصابها ضربة شمس؟
عشرات السيناريوهات المرعبة كانت تدور في رأسي.
وفي الثالثة عصرًا تقريبًا رن هاتفي.
أمي.
تركت الهاتف يرن.
ثم رن مجددًا.
ثم مجددًا.
وفي النهاية أجبت.
ما إن فتحت الخط حتى قالت بضيق:
“أخيرًا رديتي.”
سألتها ببرود:
“خير؟”
قالت:
“إحنا مستغربين رد فعلك. البنت كويسة أهو. وصلتلها وخلاص.”
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي فرح.
“وصلتلها؟”
“أيوه.”
“يعني لو كنتوا سيبتوا شنطة على الطريق ورجعتوا جبتوها بعدها تبقى المشكلة اتحلت؟”
تنهدت أمي بعصبية.
“يا سارة بطلي دراما.”
هنا انفجرت.
“دراما؟! إنتِ سبتِ طفلة لوحدها على طريق سريع!”
“ما كانش سريع.”
“كان طريق صحراوي.”
“كان فيه ناس.”
“ما كانش فيه حد.”
صمتت لثوانٍ.
ثم قالت الجملة التي جعلتني أفهم كل شيء:
“إحنا تعبنا من دلع مريم أصلًا.”
تجمدت يدي.
“إيه؟”
“البنت متعودة إن كل حاجة تبقى حواليها. كل شوية تعبانة. كل شوية عايزة حاجة. لازم تتعلم تعتمد على نفسها.”
نظرت إلى ابنتي النائمة.
ثم سألت:
“وإنتِ شايفة إن ترك طفلة ثماني سنين على الطريق اسمه تعليم اعتماد على النفس؟”
قالت:
“أهو اتعلمت.”
أغلقت الخط.
هذه المرة دون كلمة واحدة.
بعد دقائق اتصل أبي.
لم أرد.
أرسل رسالة.
“لما تهدي ابقي كلمينا.”
ثم رسالة أخرى.
“أمك زعلانة.”
نظرت إلى الشاشة طويلًا.
ثم كتبت:
“مريم كان ممكن تموت.”
أرسل بعدها مباشرة:
“متكبريش الموضوع.”
عندها فقط اتخذت قراري.
أغلقت الهاتف.
وفتحت ألبوم الصور.
بدأت أتصفح صور طفولتي.
صورة في المدرسة.
صورة في رحلة.
صورة في عيد ميلاد.
كنت أبحث عن شيء.
أي دليل يخبرني أن ما حدث اليوم استثناء.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
لم يكن استثناءً أبدًا.
كان نمطًا قديمًا.
تذكرت يوم ضعت في السوق وأنا في التاسعة.
عندما وجدني أبي بعد ساعة كاملة لم يسأل إن كنت بخير.
أول ما قاله:
“شوفي عملتي فينا إيه.”
تذكرت يوم كسرت ذراعي في المدرسة.
وبدلًا من أخذي إلى المستشفى فورًا، ظلت أمي تصر على أنني أبالغ.
وتذكرت عشرات المرات التي كان الخطأ فيها خطأهم لكن اللوم يقع عليّ.
سنوات طويلة كنت أبرر.
سنوات طويلة كنت أقول إنهم من جيل مختلف.
إنهم لا يقصدون.
إنهم يحبونني بطريقتهم.
لكن لا.
الحب لا يترك طفلًا على الطريق.
الحب لا يرى الخطر ثم يتجاهله.
الحب لا يجعل الضحية تشعر بالذنب.
في المساء استيقظت مريم.
كانت أكثر هدوءًا.
أعددت لها حساء خفيفًا وجلست معها.
فجأة سألتني:
“تيتا هتزعل مني؟”
وضعت الملعقة جانبًا.
“ليه؟”
“عشان خلتك تيجي.”
شعرت بغصة.
حتى الآن كانت تفكر في مشاعر الآخرين.
أما مشاعرها هي فلم يسأل عنها أحد.
قلت:
“لو حد زعلان لأنك احتجتي مساعدة، تبقى دي مشكلته هو.”
ظلت صامتة لحظة.
ثم قالت:
“أنا كنت فاكرة إنك مش هتيجي.”
توقفت أنفاسي.
“ليه؟”
“عشان تيتا قالت إنك مشغولة.”
نظرت إليها بذهول.
“قالت كده؟”
هزت رأسها.
“وقالت إن محدش فاضي يرجع عشاني.”
أغمضت عيني.
كانوا يعلمون تمامًا ماذا يفعلون.
لم يكتفوا بتركها.
بل جعلوها تشعر أنها غير مهمة.
اقتربت منها وقلت:
“اسمعيني كويس. مهما حصل. مهما كنت مشغولة. مهما كنت في شغل أو اجتماع أو أي مكان. لو احتجتيني هاجي.”
“بجد؟”
“في أي وقت.”
“حتى لو كنتِ زعلانة مني؟”
ابتسمت رغم ألمي.
“حتى لو كنت زعلانة منك.”
ابتسمت هي الأخرى أخيرًا.
ابتسامة صغيرة ومترددة.
لكنها كانت بداية.
في اليوم التالي استيقظت على طرقات قوية على الباب.
فتحت لأجد أبي وأمي يقفان أمام المنزل.
بمجرد أن رأيتهما شعرت بتوتر شديد.
دخل أبي دون استئذان تقريبًا.
وجلست أمي على الأريكة وكأن شيئًا لم يحدث.
قالت:
“فين مريم؟”
أجبت:
“في أوضتها.”
قال أبي:
“كويس. عشان إحنا جايين ننهي الموضوع.”
نظرت إليه.
“ننهيه؟”
قال بثقة:
“آه. الاعتذار مش هيغير حاجة. واللي حصل حصل.”
تدخلت أمي:
“وإنتِ مكبرة الموضوع زيادة.”
شعرت أنني أنظر إلى شخصين غريبين.
لا خوف.
لا ندم.
لا إحساس بالمسؤولية.
فقط انزعاج لأنني لم أتجاوز الأمر بسرعة.
قلت بهدوء:
“أنا مش عايزة مريم تروح معاكم تاني.”
ساد الصمت.
ثم ضحكت أمي.
“إيه؟”
كررت:
“مش هتخرج معاكم لوحدها تاني.”
اختفت الابتسامة من وجهها.
وقال أبي بحدة:
“إنتِ بتهددينا؟”
“لا.”
“أمال ده إيه؟”
“حماية لبنتي.”
وقفت أمي فجأة.
“يعني إحنا بقينا خطر عليها؟”
نظرت إليها مباشرة.
“بعد اللي حصل؟ أيوه.”
اتسعت عيناها من الصدمة.
كأنها لأول مرة تسمع الحقيقة بصوت مرتفع.
بدأت تتحدث بسرعة:
“إحنا ربيناكي وكبرناكي وصرفنا عليكي.”
قلت:
“وده مش تصريح يؤذي حفيدتكم.”
ارتفع صوت أبي:
“كفاية عقوق.”
ضحكت بمرارة.
“عقوق؟”
“أيوه.”
“عشان رفضت أسيب بنتي مع ناس سابوها على الطريق؟”
لم يجد جوابًا.
فاكتفى بالنظر بعيدًا.
في تلك اللحظة خرجت مريم من غرفتها.
توقفت فور رؤيتها لهما.
وانكمشت خلفي تلقائيًا.
كانت حركة بسيطة.
لكنها قالت كل شيء.
طفلة كانت تحبهما بالأمس.
والآن تخاف منهما.
لاحظ أبي ذلك.
ولأول مرة بدا عليه الارتباك.
أما أمي فقالت:
“تعالي يا حبيبتي.”
لكن مريم لم تتحرك.
بل أمسكت بيدي بقوة أكبر.
عندها فهمت أمي أخيرًا أن هناك شيئًا تغير.
شيئًا ربما لن يعود كما كان أبدًا.
بعد دقائق غادرا المنزل.
وقبل أن تغلق أمي الباب التفتت نحوي وقالت:
“هتندمي.”
أجبت بهدوء:
“الندم الحقيقي كان هيكون لو وصلت متأخرة.”
ثم أغلقت الباب.
وأقفلت القفل.
وبقيت واقفة للحظات طويلة.
أنظر إلى الباب.
وأشعر للمرة الأولى منذ سنوات أنني فعلت الشيء الصحيح.
التفت إلى مريم.
فوجدتها تنظر إليّ.
سألتني:
“هما مش هيزعلوا؟”
ابتسمت وربتُّ على شعرها.
ثم قلت:
“يمكن.”
“وإحنا؟”
ضممتها إلى صدري.
“إحنا هنبقى بخير يا حبيبتي.”
ولأول مرة منذ تلك المكالمة المشؤومة…
صدقت ذلك فعلًا.
يتيع

