طلق زوجته حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
تجمدت ياسمين في مكانها.
الكلمات التي سمعتها قبل لحظات كانت كافية لتجعل الدم ينسحب من وجهها بالكامل.
أنت.
كانت الكلمة تتردد داخل رأسها كصدى لا يتوقف.
نظرت إلى التوأم.
ثم إلى كريم.
ثم إلى سارة.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت بالخوف الحقيقي.
ليس خوف خسارة رجل.
ولا خوف خسارة زواج.
بل خوف خسارة كل شيء.
الشهرة.
المال.
النفوذ.
الحياة التي بنتها فوق اسم الشاذلي.
أما كريم فكان ما يزال واقفًا كتمثال من حجر.
عيناه لا تفارقان الطفلين.
حتى اقترب آدم منه بخطوات صغيرة.
ورفع رأسه.
ثم سأله ببراءة:
“إنت تعرف ماما؟”
ارتجف قلب كريم بعنف.
حتى طريقة الكلام كانت مألوفة.
كأن الزمن عاد به ثلاثين سنة عندما كان طفلًا يقف أمام والده.
حاول الرد.
لكن الكلمات خانته.
أما سارة فوضعت يدها على كتف آدم برفق.
وقالت:
“حبيبي… روح العب مع أخوك شوية.”
نظر الطفل إليها.
ثم ركض نحو ياسين.
وبقي الكبار وحدهم وسط العاصفة.
قال كريم بصوت خافت:
“ليه؟”
لم ترد.
فأعاد السؤال.
هذه المرة بنبرة مكسورة:
“ليه مخبيتيش… ليه ما قولتيليش؟”
رفعت سارة عينيها إليه.
وكانت نظرتها هادئة بصورة أوجعته أكثر من أي صراخ.
وقالت:
“كنت هتصدقني؟”
فتح فمه.
ثم أغلقه.
لأنه عرف الإجابة.
في يوم الطلاق نفسه لم يكن مستعدًا لسماع أي شيء منها.
كان مفتونًا بياسمين.
ومقتنعًا أن سارة مجرد فصل انتهى.
أكملت سارة:
“إنت خرجت من المحكمة مع واحدة تانية.”
“وأنا خرجت منها حامل.”
“كل واحد فينا اختار طريقه.”
تنفس كريم بصعوبة.
وقال:
“كان لازم أعرف.”
ابتسمت سارة ابتسامة حزينة.
وقالت:
“كان لازم تسأل.”
وسقطت الكلمات عليه كضربة قوية.
لأنه لم يسأل يومًا.
ولا مرة واحدة خلال خمس سنوات.
لم يحاول معرفة أخبارها.
لم يتصل.
لم يبحث.
لم يهتم.
كان مقتنعًا أنها أصبحت جزءًا من الماضي.
وفجأة اكتشف أن الماضي كان يكبر أمامه على هيئة طفلين يحملان اسمه.
في تلك اللحظة اقتربت ياسمين.
لكن خطواتها كانت متوترة.
مرتبكة.
وقالت محاولة السيطرة على أعصابها:
“كريم… لازم نمشي.”
لم يلتفت إليها.
أعادت المحاولة:
“عندنا مقابلة مع الصحافة.”
لم يرد.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
لم تكن هي مركز اهتمامه.
شعرت بالإهانة.
والغضب.
والخوف.
فقالت بنبرة حادة:
“إحنا مش هنصدق أي كلام يتقال فجأة كده.”
استدارت سارة نحوها ببطء.
وقالت بهدوء:
“أنا ما طلبتش منك تصدقي حاجة.”
ثم نظرت إلى كريم.
وأضافت:
“تحليل DNA يحل أي شك.”
ساد الصمت.
أما ياسمين فشعرت بأن قلبها سقط داخلها.
لأنها رأت الحقيقة في وجه كريم.
هو نفسه لم يعد يشك.
كان الشبه أكبر من أن يُنكر.
بعد ثلاثة أيام.
جلس كريم داخل أحد أكبر المراكز الطبية الخاصة.
أمامه ملف التحاليل.
وبجواره محاميه.
أما في الجهة الأخرى من الغرفة فجلست سارة بهدوء.
لم تكن متوترة.
لأنها تعرف النتيجة مسبقًا.
فتح الطبيب الملف.
ثم قال:
“النتيجة مؤكدة.”
“نسبة التطابق الجيني تتجاوز 99.99%.”
“السيد كريم الشاذلي هو الأب البيولوجي للطفلين.”
شعر كريم أن الهواء اختفى من الغرفة.
ورغم أنه كان يتوقع النتيجة…
إلا أن سماعها شيء آخر.
شيء مختلف تمامًا.
شيء يهز الإنسان من الداخل.
أصبح أبًا.
منذ خمس سنوات.
وكان آخر من يعلم.
أغمض عينيه.
وشعر بألم حقيقي لأول مرة.
ألم السنوات التي ضاعت.
أول كلمة نطقها آدم.
أول خطوة مشاها ياسين.
أول يوم مدرسة.
أول عيد ميلاد.
كل اللحظات التي لا تعود أبدًا.
فتح عينيه ببطء.
ونظر إلى سارة.
وقال بصوت مبحوح:
“أنا ضيعت خمس سنين.”
أجابت بهدوء:
“وأنا عشتهم.”
لكن بينما كان كريم يواجه صدمته…
كانت كارثة أخرى تتشكل داخل إمبراطورية الشاذلي.
ففي صباح اليوم التالي.
وصل ظرف مجهول إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة.
احتوى على عشرات المستندات.
وصور تحويلات مالية.
وعقود مزورة.
وحسابات سرية.
وجميعها تحمل اسم شخص واحد.
ياسمين السيوفي.
وخلال ساعات قليلة.
بدأ فريق المراجعة القانونية التحقيق.
ثم اكتشفوا الحقيقة.
على مدار أربع سنوات كاملة.
كانت ياسمين تستخدم شهرتها وعلاقتها بكريم للتدخل في صفقات الشركة.
وتحصل على عمولات خفية.
وتوجه بعض العقود إلى شركات مملوكة لأشخاص مقربين منها.
الأرقام كانت صادمة.
عشرات الملايين من الجنيهات.
اختفت دون أن يلاحظ أحد.
وعندما وصلت التقارير إلى كريم…
جلس يقرأها بوجه شاحب.
كل صفحة كانت تمزق جزءًا جديدًا من الصورة التي عاش داخلها.
المرأة التي طلق زوجته من أجلها.
والتي خسر أسرته بسببها.
كانت تستغله طوال الوقت.
في المساء.
عاد إلى القصر.
فوجد ياسمين تنتظره.
كانت تعرف أن الحقيقة ظهرت.
عرفت من الاتصالات.
ومن الرسائل.
ومن حالة الذعر التي انتشرت بين محاميها.
دخل كريم ببطء.
وألقى الملف فوق الطاولة.
تناثرت الأوراق أمامها.
نظرت إليها.
ثم رفعت عينيها.
وسألته:
“مين بعت الحاجات دي؟”
أجاب ببرود:
“مش مهم.”
“المهم إنها حقيقية.”
تجمدت.
لثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
“كنت بعمل كده عشان أحافظ على مستقبلي.”
ضحك كريم.
لكنها لم تكن ضحكة سعادة.
بل ضحكة رجل اكتشف حجم غبائه.
وقال:
“وأنا كنت فاكر إني خسرت زوجة وربحت حب عمري.”
ثم نظر إليها مباشرة.
وأضاف:
“طلع العكس.”
شعرت ياسمين بأن الأرض تهتز تحتها.
لأنها رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل.
النهاية.
النهاية الحقيقية لكل شيء بينهما.
أما كريم…
فكان يفكر في مكان آخر تمامًا.
في شقة بسيطة.
وفي طفلين ينامان الآن بسلام.
طفلين كان يجب أن يكون إلى جوارهما منذ سنوات.
ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة ستجلب له مفاجأة أخطر من كل ما حدث.
مفاجأة تتعلق بإمبراطورية الشاذلي نفسها.
وبوصية سرية تركها والده الراحل.
وصية تحتوي على شرط واحد فقط:
الوريث الحقيقي للمجموعة يجب أن يكون من نسل كريم المباشر.
وهو الشرط الذي سيجعل وجود آدم وياسين يغير مستقبل مليارات الجنيهات إلى الأبد.
يتبع…
الفصل الخامس
انتشرت أخبار التحقيقات داخل مجموعة الشاذلي بسرعة أكبر مما توقع الجميع.
وخلال أيام قليلة فقط أصبحت ياسمين السيوفي محور الأحاديث داخل مجال الأعمال.
الصحفيون يبحثون.
والمستثمرون يتساءلون.
وأعضاء مجلس الإدارة يطالبون بإجابات.
أما كريم فكان يعيش صراعًا مختلفًا تمامًا.
فبينما كانت إمبراطوريته تواجه واحدة من أصعب أزماتها…
كان عقله مع طفلين صغيرين لم يعرف بوجودهما إلا منذ أيام.
كل صباح كان يستيقظ وهو يفكر:
كيف كان شكل أول عيد ميلاد لهما؟
من أمسك أيديهما عندما تعلما المشي؟
من حضر أول يوم مدرسة؟
من كان يطمئنهما عندما يخافان؟
وكان الجواب نفسه دائمًا.
سارة.
سارة وحدها.
بعد أسبوع.
وقف كريم أمام باب شقة سارة.
كان يحمل حقيبة صغيرة.
وفي داخلها هدايا للأطفال.
ظل مترددًا لعدة ثوانٍ.
قبل أن يضغط جرس الباب.
فتحت سارة.
وتجمدت عندما رأته.
لم تتوقع وجوده.
خصوصًا في هذا الوقت المبكر.
قال بهدوء:
“ممكن أشوفهم؟”
نظرت إليه طويلًا.
ثم تنحت جانبًا دون كلمة.
دخل كريم.
ولأول مرة رأى العالم الذي عاش فيه ولداه.
شقة بسيطة.
أثاث متواضع.
رسومات أطفال معلقة على الجدران.
وصور مدرسية.
وألعاب صغيرة متناثرة هنا وهناك.
لا وجود للفخامة.
ولا للخدم.
ولا للحراس.
ومع ذلك شعر بدفء لم يشعر به داخل قصره منذ سنوات.
جاء صوت صغير من الداخل:
“ماما مين جه؟”
ثم ظهر آدم.
وبعده ياسين.
توقف الطفلان فجأة.
ونظرا إليه.
ثم تبادلا النظرات.
قال آدم:
“ده الراجل اللي شفناه في الحفلة.”
ابتسم كريم رغم توتره.
وركع على ركبتيه حتى يصبح في مستواهما.
وقال:
“إزيكم؟”
لم يردا فورًا.
بل بقيا يراقبانه بحذر.
ثم قال ياسين:
“ماما قالت إنك بابا.”
شعر كريم أن قلبه توقف.
أما سارة فخفضت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعر كريم بالعجز الكامل.
رجل يدير مليارات الجنيهات.
ويفاوض وزراء ومستثمرين.
لكنه لم يعرف كيف يرد على طفل عمره خمس سنوات.
ابتلع ريقه.
ثم قال بصوت مبحوح:
“أيوه.”
“أنا بابا.”
ساد الصمت للحظة.
ثم اقترب آدم.
ووضع يده الصغيرة داخل يد كريم.
وقال ببساطة:
“إحنا كنا مستنيينك.”
وكانت تلك الجملة أقسى من أي عقاب تلقاه كريم في حياته.
في تلك الليلة.
لم يستطع النوم.
جلس داخل مكتبه بالقصر.
أمام صورة قديمة لوالده الراحل.
الحاج محمود الشاذلي.
الرجل الذي أسس الإمبراطورية كلها.
وتذكر كلمات والده قبل وفاته بأشهر.
حين قال له:
“أصعب حاجة مش إنك تبني شركة.”
“أصعب حاجة إنك تلاقي حد يستحق يكملها بعدك.”
حينها لم يفهم المعنى.
أما الآن…
فبدأ يفهم.
وفي صباح اليوم التالي.
اجتمع مجلس إدارة مجموعة الشاذلي.
وكان الجو متوترًا بصورة غير مسبوقة.
جلس المحامي الرئيسي للعائلة أمام الجميع.
ووضع ملفًا بنيًا قديمًا على الطاولة.
وقال:
“في حاجة لازم تعرفوها.”
فتح الملف.
وأخرج وثيقة مختومة.
ثم تابع:
“دي نسخة من الوصية الأخيرة للحاج محمود الشاذلي.”
ساد الصمت.
وأكمل:
“في بند لم يُفعل قبل كده لأنه ماكانش له داعي.”
رفع أحد الأعضاء حاجبيه.
وسأل:
“أي بند؟”
أجاب المحامي:
“في حالة وفاة كريم الشاذلي أو فقدانه الأهلية القانونية للإدارة…”
“تنتقل حقوق السيطرة على المجموعة إلى وريثه المباشر.”
تبادل الحاضرون النظرات.
ثم أكمل المحامي:
“وفي حالة عدم وجود وريث مباشر…”
“تنتقل الملكية إلى مجلس أمناء مستقل.”
ساد الوجوم.
لأن الجميع فهم المقصود.
وجود وريث شرعي يغير كل شيء.
كل شيء حرفيًا.
هيكل الملكية.
الأسهم.
السلطة.
مستقبل المجموعة بالكامل.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا…
كانت ياسمين تجلس داخل فيلتها الفاخرة.
تقرأ الأخبار المتسربة عن الوصية.
فشحب وجهها.
ثم أمسكت الهاتف بعصبية.
واتصلت بمحاميها.
قالت فور أن أجاب:
“الكلام ده حقيقي؟”
أجاب الرجل بتوتر:
“للأسف أيوه.”
“لو الطفلين دول أبناء كريم رسميًا…”
“هيبقوا الورثة القانونيين للمجموعة.”
تجمدت ياسمين.
ثم همست:
“مستحيل.”
لكنها كانت تعرف أن الأمر حقيقي.
ولأول مرة أدركت حجم الكارثة.
لأن حلمها الأكبر كان دائمًا أن تصبح السيدة الأولى لإمبراطورية الشاذلي.
أما الآن…
فقد ظهر طفلان من الماضي.
ووقفا بينهما وبين كل شيء.
مرت الأسابيع التالية بسرعة.
وأصبح كريم يقضي وقتًا أطول مع آدم وياسين.
يأخذهما إلى الحديقة.
وإلى السينما.
وإلى مباريات كرة القدم.
وكان يكتشف شيئًا جديدًا كل يوم.
اكتشف أن آدم يحب الرسم.
وأن ياسين يعشق العلوم والتجارب.
واكتشف أيضًا أن كليهما يحمل جزءًا من شخصيته.
وجزءًا من قلب سارة.
ومع كل يوم يمر…
كان شعوره بالندم يكبر.
أما سارة…
فكانت تراقب كل شيء بحذر.
لم تكن تكره كريم.
لكنها لم تعد تثق به.
الرجل الذي تخلى عنها مرة.
يمكن أن يفعلها ثانية.
وكان هذا الخوف يمنعها من الاقتراب أكثر.
حتى جاء مساء غير كل شيء.
مساء وصلت فيه رسالة مجهولة إلى هاتفها.
رقم غير معروف.
لا اسم.
ولا صورة.
ولا أي شيء.
فتحت الرسالة.
فوجدت جملة واحدة فقط:
“لو بتحبي ولادك فعلًا… ابعديهم عن كريم الشاذلي فورًا.”
توقفت أنفاسها.
ثم ظهر إشعار جديد.
صورة مرفقة.
فتحتها.
فتجمد الدم في عروقها.
لأن الصورة كانت لآدم وياسين.
أمام مدرستهما.
وقد التُقطت لهما قبل ساعات فقط.
شعرت بالذعر يجتاح جسدها بالكامل.
ورفعت الهاتف بيد مرتجفة.
وفي تلك اللحظة رن هاتفها.
وكان المتصل…
كريم الشاذلي.
لكنها لم تكن تعرف بعد أن الخطر الحقيقي الذي يهدد الطفلين لم يأتِ من ياسمين.
بل من شخص أقرب بكثير إلى عائلة الشاذلي.
شخص مستعد لفعل أي شيء…
حتى لا يصبح آدم وياسين وريثي الإمبراطورية.
يتبع…الفصل السادس
ارتجفت يد سارة وهي تحدق في الصورة.
آدم وياسين أمام بوابة المدرسة.
واضح أنها التُقطت في اليوم نفسه.
ومن زاوية قريبة جدًا.
قريبة أكثر مما يجب.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهرها.
وفي اللحظة نفسها كان هاتفها ما يزال يرن.
اسم كريم يضيء على الشاشة.
أجابت فورًا.
قالت بصوت متوتر:
“كريم.”
انتبه فورًا إلى نبرتها.
وسأل:
“في إيه؟”
أرسلت له الصورة مباشرة دون كلام.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاءها صوته أكثر جدية من أي وقت مضى:
“اقفلي الباب.”
“ومتفتحيش لحد.”
“أنا جاي حالًا.”
بعد أقل من ثلاثين دقيقة.
توقفت سيارة سوداء أمام العمارة.
ونزل منها كريم بسرعة.
خلفه اثنان من رجال الأمن.
فتحت سارة الباب.
ودخل فورًا.
كان وجهه شاحبًا.
وعيناه تحملان غضبًا لم تره منذ سنوات.
سألها:
“الولاد فين؟”
أشارت إلى غرفتهما.
كانا نائمين.
دخل كريم بهدوء.
ووقف ينظر إليهما.
يتنفسان بسلام.
غير مدركين للعاصفة التي تدور حولهما.
شعر بشيء يعتصر قلبه.
لأن فكرة أن يمسهما أذى أصبحت لا تُحتمل.
خرج من الغرفة.
وأغلق الباب برفق.
ثم التفت إلى سارة.
وقال:
“من النهارده هيبقى عليهم حماية.”
اعترضت فورًا.
لكن كريم قاطعها:
“دي مش مناقشة.”
“في حد بيراقبهم.”
“وده معناه إن في حد بيخطط لحاجة.”
ولأول مرة منذ سنوات لم تعارضه.
لأن الخوف على طفليها كان أكبر من أي خلاف بينهما.
في صباح اليوم التالي.
بدأ فريق أمني خاص التحقيق.
تمت مراجعة كاميرات المدرسة.
والشوارع المحيطة.
ومواقف السيارات.
وبعد ساعات طويلة من البحث.
ظهر خيط صغير.
سيارة رمادية.
كانت تتوقف بالقرب من المدرسة منذ عدة أيام.
وتغادر قبل انتهاء الدوام بدقائق.
لكن لوحاتها مزورة.
والسائق يتعمد إخفاء وجهه.
وصل التقرير إلى كريم.
فجلس يقرأه داخل مكتبه.
وعيناه تضيقان أكثر مع كل سطر.
ثم قال لرئيس الأمن:
“عايز اسم.”
“مش أعذار.”
أومأ الرجل وغادر.
في تلك الليلة.
عاد كريم إلى القصر.
لكن القصر لم يعد كما كان.
ياسمين رحلت منذ أسابيع.
والهدوء يملأ المكان.
جلس وحده داخل المكتب.
وأمام صورة والده القديمة.
وفجأة تذكر شيئًا.
شيئًا كان قد نسيه لسنوات.
اسمًا.
وجهًا.
ورجلًا كان يظن أنه مخلص للعائلة.
فؤاد عزام.
الشريك القديم لوالده.
وأحد أعضاء مجلس الإدارة.
الرجل الذي كان يعارض دائمًا فكرة وجود وريث مباشر.
بل وكان أكثر شخص انزعاجًا بعد ظهور آدم وياسين.
نهض كريم من مقعده فجأة.
وأمسك الهاتف.
وأمر بمراجعة كل تحركات فؤاد خلال الشهرين الماضيين.
بعد يومين فقط.
وصلت النتائج.
وكانت صادمة.
ظهرت اتصالات متكررة بين فؤاد ومحققين خاصين.
ومتابعين.
وشركات مراقبة.
كما ظهرت تحويلات مالية كبيرة لحسابات مشبوهة.
أما الضربة الأقوى…
فكانت صورة التقطتها إحدى كاميرات المرور.
تُظهر السيارة الرمادية نفسها.
وهي تخرج من موقف تابع لشركة يملكها فؤاد.
عندها فقط…
عرف كريم الحقيقة.
في مساء اليوم نفسه.
انعقد اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.
جلس فؤاد بثقة كعادته.
رجل تجاوز الستين.
يمتلك نفوذًا واسعًا.
وعلاقات لا تُحصى.
كان يعتقد أن لا أحد يستطيع المساس به.
حتى دخل كريم.
وألقى ملفًا ضخمًا فوق الطاولة.
ثم نظر إليه مباشرة.
وقال:
“عايز تشرح للناس دي ليه كنت بتراقب ولادي؟”
اختفى اللون من وجه فؤاد.
لثانية واحدة فقط.
ثم استعاد هدوءه.
وقال:
“مش فاهم بتتكلم عن إيه.”
فتح كريم الملف.
وأخرج الصور.
والتقارير.
والتحويلات.
ووضعها أمام الجميع.
ساد الصمت.
وأصبح كل الحاضرين يحدقون في فؤاد.
أما هو…
فأدرك أن اللعبة انتهت.
بعد دقائق طويلة من الإنكار.
ضرب فؤاد الطاولة بقبضته.
وقال بغضب:
“أيوه.”
“أنا عملت كده.”
شهقت عدة أصوات داخل القاعة.
أما كريم فظل صامتًا.
وأكمل فؤاد:
“أبوك ضيع عمره كله عشان يبني الإمبراطورية دي.”
“وإنت كنت هتسلمها لطفلين ظهروا فجأة من العدم؟”
قال كريم ببرود:
“دول ولادي.”
صرخ فؤاد:
“وده بالضبط اللي هيضيع كل حاجة.”
ثم وقف.
وعيناه تشتعلان غضبًا.
وأضاف:
“أنا اشتغلت مع أبوك أربعين سنة.”
“وأستحق الشركة أكتر من أي حد.”
وهنا فهم الجميع الحقيقة.
لم يكن الأمر خوفًا على الشركة.
ولا حرصًا على العائلة.
بل طمعًا.
طمعًا قديمًا نما داخله لسنوات طويلة.
تم عزله من مجلس الإدارة فورًا.
وفتحت ضده تحقيقات رسمية.
لكن كريم لم يشعر بالانتصار.
لأن شيئًا آخر كان يشغله.
شيء أهم من الشركة.
ومن الأسهم.
ومن كل المليارات.
عائلته.
بعد أيام.
أقام آدم وياسين حفلهما المدرسي السنوي.
وكان المسرح ممتلئًا بالأهالي.
والأطفال.
والضحكات.
جلست سارة في الصف الأول.
وبجوارها كريم.
لأول مرة منذ سنوات طويلة يجلسان معًا دون شجار.
دون محامين.
ودون أوراق طلاق.
فقط أم وأب يشاهدان طفليهما.
صعد آدم إلى المسرح.
وألقى فقرة قصيرة.
ثم جاء دور ياسين.
وحصل على جائزة التفوق العلمي.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
أما كريم فشعر بعينيه تلمعان.
شيء لم يحدث له منذ وفاة والده.
التفت إلى سارة.
وقال بصوت خافت:
“أنا ضيعت سنين كتير.”
لم ترد فورًا.
ثم قالت:
“المهم متضيعش اللي جاي.”
نظر إليها طويلًا.
وكانت تلك أول مرة يشعر فيها بوجود أمل.
أمل صغير.
هش.
لكن حقيقي.
وفي نهاية الحفل.
ركض آدم وياسين نحوهما.
وأمسك كل طفل بيد.
آدم أمسك يد أمه.
وياسين أمسك يد أبيه.
ثم قال آدم بحماس:
“يلا نتصور.”
ضحك الجميع.
ووقفوا لالتقاط الصورة.
لحظة بسيطة.
عادية.
لكن بالنسبة لكريم كانت تساوي العالم كله.
لأنها كانت أول صورة حقيقية لعائلته.
العائلة التي ظن يومًا أنه لا يحتاجها.
قبل أن يكتشف أنها كانت أثمن شيء امتلكه في حياته.
يتبع
