تجاوزات حكايات اسما×4
الفصل الثامن
لم ينم أحد منا تلك الليلة.
كانت صورة سمر وهي خلف المقود تطارد أفكارنا جميعًا.
لقد اختفت لأشهر طويلة.
وبعد انكشاف جزء كبير من مخططاتها ظن الجميع أنها هربت وبدأت حياة جديدة في مكان آخر.
لكن ظهورها المفاجئ أكد شيئًا واحدًا.
أن القصة لم تنتهِ.
وأن هناك شيئًا ما لم يُكشف بعد.
في صباح اليوم التالي بدأ كريم يتحرك بسرعة.
استعان بأحد المحققين الخاصين الذين كانت شركته تتعامل معهم سابقًا.
وروى له كل ما حدث منذ البداية.
سمر.
حسام.
سامح.
الأموال المختفية.
الرسائل المجهولة.
المراقبة.
كل شيء.
استمع الرجل باهتمام.
ثم قال جملة قصيرة أثارت القلق في النفوس.
“لما حد يختفي ويرجع بالشكل ده يبقى غالبًا عنده حاجة مهمة خايف عليها.”
سأل كريم:
“زي إيه؟”
رد المحقق:
“أوراق… أموال… أسرار.”
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة جديدة من البحث.
أما أنا فكنت أحاول التركيز على حملي.
لكن الأمر أصبح مستحيلًا.
كل يوم تظهر مفاجأة جديدة.
وكل يوم أشعر أنني أقترب من شيء مجهول.
بعد ثلاثة أيام عاد المحقق بمعلومة غريبة.
اكتشف أن سمر كانت تزور منزلًا قديمًا في إحدى القرى البعيدة.
منزلًا مهجورًا تقريبًا.
ولا يملكه أي شخص معروف.
لكنها كانت تذهب إليه باستمرار.
قرر كريم مراقبة المكان.
وفي مساء اليوم التالي ذهب بنفسه مع المحقق.
جلسا داخل سيارة بعيدة يراقبان المنزل.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
ثم ظهرت سيارة سوداء.
نزل منها رجل.
وبعده نزلت سمر.
دخل الاثنان المنزل.
وهنا بدأت الشكوك تزداد.
انتظر كريم حتى خرجا.
ثم اقترب من المنزل بعد مغادرتهما.
كان المكان خاليًا.
لكن أثناء تفقده إحدى الغرف القديمة وجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا مخبأ تحت ألواح خشبية.
فتح الصندوق.
فتجمد مكانه.
كان مليئًا بالوثائق.
عقود.
إيصالات.
صور.
وأوراق تحمل أسماء كثيرة.
لكن أكثر ما صدمه صورة قديمة جدًا.
صورة تعود إلى أكثر من عشرين عامًا.
ظهر فيها والده.
وعمه حسام.
وشخص ثالث لم يكن يعرفه.
وعندما قلب الصورة وجد اسمًا مكتوبًا خلفها.
اسم رجل مات منذ سنوات طويلة.
أغلق الصندوق بسرعة.
وعاد إلى المنزل.
وعيناه ممتلئتان بالأسئلة.
في تلك الليلة اجتمعنا جميعًا.
أنا.
وكريم.
وأمه.
ووالده.
والمحقق.
ووضع كريم الصور والملفات على الطاولة.
بدأ الجميع يقلبون الأوراق.
ثم فجأة تغير وجه والد كريم.
أمسك إحدى الصور.
وظل ينظر إليها طويلًا.
حتى ارتجفت يده.
سأله كريم:
“تعرفه؟”
رفع الأب رأسه ببطء.
وقال:
“للأسف.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“ده اسمه عادل.”
نظر الجميع إليه.
فأكمل:
“كان شريكنا زمان.”
ثم تنهد طويلًا.
وأضاف:
“وكان سبب أكبر مصيبة حصلت في حياتنا.”
وبدأ يحكي.
قبل أكثر من عشرين عامًا كانت هناك شركة كبيرة تجمعه بحسام وعادل.
وفي البداية كانت الأمور تسير جيدًا.
لكن مع الوقت اكتشفوا أن عادل يزور بعض العقود.
ويستولي على أموال ليست من حقه.
وعندما افتضح أمره انهارت الشركة.
ودخل في مشكلات قانونية كبيرة.
ثم اختفى من حياتهم تمامًا.
قال كريم:
“بس الراجل ده مات من سنين.”
هز الأب رأسه.
وقال:
“أيوه.”
ثم أضاف جملة جعلت الجميع يتجمدون.
“لكن عنده بنت.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما كريم فقد اتسعت عيناه.
وقال ببطء:
“تقصد…”
نظر الأب إلى الصورة.
ثم قال:
“سمر.”
ساد صمت ثقيل.
وكأن أحدًا سحب الهواء من الغرفة.
كانت الصدمة أكبر مما توقعنا جميعًا.
سمر لم تدخل حياتنا صدفة.
ولم تكن مجرد امرأة تبحث عن المال.
بل كانت ابنة رجل قديم يحمل ضغينة للعائلة منذ عقود.
وربما تربت منذ صغرها على الكراهية والرغبة في الانتقام.
وفجأة بدأت قطع الأحجية تتجمع.
عرفت العائلة.
عرفت أسماءهم.
عرفت نقاط ضعفهم.
عرفت كيف تقترب من كريم.
وكأن كل شيء كان مخططًا منذ سنوات طويلة.
لكن السؤال الأخطر ظل بلا إجابة.
هل كانت تعمل وحدها؟
أم أن هناك شخصًا آخر يحركها من الخلف؟
بعد أيام قليلة جاء الجواب بنفسه.
ففي إحدى الليالي تلقى كريم رسالة إلكترونية مجهولة.
احتوت على فيديو قصير.
فتحناه جميعًا.
فظهر رجل مسن يجلس أمام الكاميرا.
بدا متعبًا جدًا.
وكان يتحدث وكأنه يسجل اعترافًا أخيرًا.
وبعد ثوانٍ تعرف والد كريم عليه.
كان عادل.
والد سمر.
رغم أنه بدا أكبر بكثير مما كان في الصور القديمة.
ظل الرجل يتحدث لدقائق.
واعترف بأشياء كثيرة.
اعترف بأنه ملأ قلب ابنته بالحقد منذ طفولتها.
واعترف أنه أقنعها أن العائلة سرقت مستقبله.
واعترف أنه أخبرها مرارًا أن الانتقام حق.
لكن الجزء الأخير من الفيديو كان الأخطر.
لأن عادل قال قبل انتهاء التسجيل:
“لو وصل الفيديو ده ليكم… يبقى في شخص لسه بيكمل اللي بدأته.”
ثم ذكر اسمًا.
اسمًا لم يكن أي واحد منا يتوقعه.
وعندما سمعناه شعرنا جميعًا بالصدمة.
حتى والد كريم نفسه فقد القدرة على الكلام.
لأن الاسم لم يكن اسم غريب.
ولا اسم شريك.
ولا اسم عدو.
بل اسم شخص يعيش داخل العائلة نفسها منذ سنوات طويلة.
شخص يجلس معهم على نفس المائدة.
ويشاركهم مناسباتهم.
ويعرف أسرارهم كلها.
وفي اللحظة نفسها أدركنا أن الخطر الحقيقي لم يظهر بعد.
وأن كل ما حدث منذ البداية ربما كان مجرد مقدمة فقط.
يتبع…
الفصل التاسع
لم يتكلم أحد بعد انتهاء الفيديو.
ساد الصمت في الغرفة بصورة مخيفة.
كان الجميع ينظر إلى الشاشة السوداء وكأنهم ينتظرون أن يعود الرجل للحياة ويكمل ما لم يقله.
أما كريم فكان أول من كسر الصمت.
نظر إلى والده وقال:
“قول.”
لكن والده لم يجب.
كان وجهه شاحبًا بصورة غير طبيعية.
وعيناه معلقتين في نقطة بعيدة.
كرر كريم سؤاله:
“مين الشخص ده؟”
أغلق الأب عينيه للحظات.
ثم قال بصوت خافت:
“ما كنتش أتمنى اليوم ده ييجي.”
شعرت بانقباض في صدري.
أما أم كريم فبدأت تبكي دون أن تنطق بكلمة.
عندها فقط أدركنا أن الاسم الذي سمعناه لم يكن مجرد اسم عابر.
بل كان شخصًا قريبًا جدًا.
قريبًا أكثر مما تخيلنا.
تنهد الأب طويلًا.
ثم قال:
“الاسم اللي ذكره عادل… هو نادر.”
رفع كريم رأسه فجأة.
وكأن أحدهم صفعه.
وقال:
“ابن خالتي؟”
هز الأب رأسه ببطء.
لم أصدق.
ولا كريم.
ولا أي شخص كان موجودًا.
نادر؟
الرجل الذي كان يدخل البيت بلا استئذان.
والذي كان يحضر المناسبات العائلية كلها.
والذي وقف بجوار كريم في كثير من المواقف الصعبة.
كيف يكون جزءًا من كل هذا؟
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الاسم.
بل فيما جاء بعده.
قال الأب:
“نادر كان يعرف عادل من زمان.”
اتسعت عينا كريم.
فأكمل:
“وأكتر من كده كمان.”
ثم فتح درجًا قديمًا في مكتبه.
وأخرج مجموعة صور ووثائق احتفظ بها لسنوات طويلة.
وضعها على الطاولة.
وبدأنا جميعًا نقرأ.
واتضح أن نادر كان يعمل في إحدى شركات عادل قبل سنوات طويلة.
وبعد انهيار أعماله ظل الاثنان على تواصل.
بل إن نادر كان يزوره باستمرار.
حتى بعد ابتعاده عن العائلة.
قال كريم وهو يحاول استيعاب الأمر:
“يعني كان عارف كل حاجة؟”
أجاب الأب:
“أكتر مما تتخيل.”
شعر كريم أن الأرض تميد تحت قدميه.
لأن ذلك يعني أن كثيرًا من الأسرار التي كانت تصل إلى حسام وسمر لم تكن تأتي من فراغ.
بل من داخل العائلة نفسها.
ومن شخص كان الجميع يثقون به.
وفي الأيام التالية بدأ التحقيق يتوسع.
كلما بحثوا أكثر ظهرت مفاجآت جديدة.
تحويلات مالية.
مكالمات قديمة.
رسائل محذوفة.
لقاءات سرية.
وأصبح واضحًا أن نادر لم يكن مجرد ناقل معلومات.
بل كان مشاركًا فعليًا في كثير من المخططات.
أما سمر فاختفت من جديد.
وكأنها شعرت أن الدائرة بدأت تضيق حولها.
لكن هذه المرة كان اختفاؤها مختلفًا.
فقد تركت خلفها أثرًا صغيرًا لم تنتبه إليه.
أثرًا سيقودنا إليها.
وفي الوقت نفسه كانت حياتي تسير في اتجاه آخر.
أشهر الحمل الأخيرة أصبحت أكثر صعوبة.
وكانت الطبيبة تتابعني باستمرار.
أما كريم فكان يرافقني في كل زيارة تقريبًا.
لم يكن يحاول إجباري على مسامحته.
ولم يكن يطلب العودة.
كان فقط موجودًا.
كلما احتجت شيئًا وجدته.
وكلما شعرت بالتعب كان أول من يصل.
وفي داخلي بدأت حرب جديدة.
حرب بين القلب والعقل.
بين الذكريات الجميلة والجروح القديمة.
كنت أراه يحاول التغيير.
لكنني لم أستطع نسيان ما حدث بسهولة.
وفي إحدى الليالي بينما كنت جالسة في شرفة المنزل.
جاءتني أم كريم.
جلست بجواري.
وبقيت صامتة لبعض الوقت.
ثم قالت:
“عارفة إنك لسه زعلانة مني.”
لم أجب.
فأكملت:
“ومن حقك.”
ثم انفجرت بالبكاء.
بكاء امرأة تحمل فوق كتفيها سنوات من الندم.
وقالت:
“أنا اللي بدأت المصيبة.”
لأول مرة لم أحاول مقاطعتها.
تركتها تتحدث.
وتعترف.
وتخرج كل ما بداخلها.
واعترفت أنها لم تكن ترى سعادتي مع كريم.
كانت ترى فقط أوهامًا صنعتها في رأسها.
وكانت تظن أنها تعرف مصلحة ابنها أكثر منه.
لكنها اكتشفت متأخرة أنها كانت تهدم بيته بيديها.
وحين انتهت من الكلام أمسكت يدي.
وقالت:
“لو الزمن رجع بيا ألف مرة… عمري ما هعمل اللي عملته.”
لم أجد ما أقوله.
لكنني رأيت الصدق لأول مرة في عينيها.
وفي تلك الأثناء كان كريم يقترب من اكتشاف مكان سمر.
فقد تمكن المحقق من تتبع سيارة كانت تستخدمها مؤخرًا.
وقادهم ذلك إلى شقة صغيرة في مدينة ساحلية بعيدة.
تحرك كريم فورًا.
ورافقه المحقق وعدد من رجال الأمن.
وصلوا إلى المكان ليلًا.
وصعدوا إلى الشقة.
لكن عندما فتحوا الباب لم يجدوا أحدًا.
كانت الشقة فارغة.
إلا من شيء واحد.
مظروف كبير ترك فوق الطاولة.
مكتوب عليه اسم كريم.
فتح المظروف بحذر.
فوجد بداخله رسالة طويلة بخط يد سمر.
جلس يقرأها.
ومع كل سطر كان وجهه يتغير أكثر.
كانت الرسالة أشبه باعتراف كامل.
اعترفت فيه بكل شيء تقريبًا.
بداية معرفتها به.
خطة التقرب منه.
الأموال.
الأكاذيب.
المؤامرات.
لكن أكثر جزء صدمه كان السطر الأخير.
لأنها كتبت:
“كنت فاكرة إني بانتقم لأبويا… لكن في النهاية اكتشفت إني دمرت نفسي قبلكم.”
ثم اختفت.
دون عنوان.
دون أثر.
دون أي إشارة إلى المكان الذي ذهبت إليه.
وبينما كان الجميع يعتقد أن هذه هي النهاية.
كانت الحياة تخبئ لنا مفاجأة أخرى.
مفاجأة ستأتي في ليلة ولادة طفلي.
الليلة التي ستجمع كل الخيوط المتبقية.
وستكشف الحقيقة الأخيرة التي لم يعرفها أحد بعد.
يتبع…