الفصل الثاني: الحقيقة اللي محدش كان متوقعها أحمد اتجمد مكانه. ابتسامته اختفت تمامًا. وبص لندى بسرعة وقال بعصبية: — يعني إيه اهتمام زايد؟ إنتِ بتقولي إيه؟ ندى أخدت نفس طويل. وقالت بهدوء: — بقول الحقيقة... من غير زيادة ولا نقصان. أخو أحمد، كريم، قرب منها وقال: — اتكلمي يا ندى. بصت له وقالت: — أنا ساكتة من أول الجواز علشان البيت ما يتخربش... لكن بما إن مريم اتكلمت، يبقى لازم أنا كمان أتكلم. القاعة كلها بقت ساكتة. حتى الأطفال وقفوا يبصوا للكبار. قالت ندى: — من أول أسبوع بعد جوازي... أحمد بقى يبعتلي رسائل على الموبايل. وش أحمد اصفر. وقال بسرعة: — كدب! طلعت ندى موبايلها من الشنطة. — كدب؟ طيب دي إيه؟ فتحت الرسائل. وقربتها من كريم. كريم خد الموبايل. وبدأ يقرأ. كل كلمة كان بيقراها... وشه كان بيتغير أكتر. "الفستان ده لايق عليكي." "كريم محظوظ بيكي." "لو كنت عرفتك قبله كان زمان كل حاجة اختلفت." وآخر رسالة... "مريم اتغيرت بعد الخلفة... لكن إنتِ لسه زي القمر." كريم رفع عينه ناحية أخوه. كان بيبص له وكأنه أول مرة يشوفه. قال بصوت مخنوق: — الرسائل دي بعتها إمتى؟ ندى قالت: — على فترات... وكل مرة كنت أعمل تجاهل. أحمد صرخ: — كانت مجرد هزار! ندى ردت بحزم: — الراجل المحترم ما يهزرش مع مرات أخوه بالشكل ده. همسات الناس بدأت تعلى. واحدة قالت: — يا ساتر. واحد تاني قال: — هو كان بيقارن مراته بيها علشان كده! حماتهم قامت بعصبية. — اقفلوا الموضوع ده حالًا! لكن كريم لف لها وقال: — لا يا أمي... النهارده لازم كل حاجة تتقال. مريم كانت واقفة ساكتة. مش بتعيط. ولا بتتكلم. كانت لأول مرة حاسة إن الحمل التقيل اللي فوق صدرها بدأ يخف. كريم بص لأخوه وقال: — إنت كنت بتعمل كده وأنا باعتك أجيبها من شغلها لما أتأخر؟ أحمد حاول يقرب منه. — والله فهمتني غلط. لكن كريم زقه بعيد عنه. — ما تلمسنيش. ندى كملت: — مش الرسائل بس. في مرة كنت واقفة في المطبخ... دخل وقال لي: "إوعي تقولي لمريم إني قلت لك إنك أجمل منها... دي هتزعل." الناس شهقت. وأحمد بقى يلف بعينه في المكان. كان بيدور على أي حد يدافع عنه. لكن محدش اتكلم. حتى أمه... كانت ساكتة. مريم أخدت الميكروفون تاني. وقالت بهدوء: — أنا عمري ما كنت غيرانة من ندى. كنت بزعل من الراجل اللي المفروض يسندني بعد الولادة... وهو بيهد فيا كل يوم. بصت لكل الستات الموجودين وقالت: — بعد ولادتي بأسبوعين... كنت بصحى كل ساعتين أرضع بنتي. وبرجع أشتغل من البيت. وأطبخ. وأنضف. وأهتم بابني. وفي الآخر... أسمع إني بقيت أقل جمالًا. هو ده اللي كسرني. واحدة من قريباتهم قامت وقالت: — والله عندها حق. وقالت واحدة تانية: — دي كانت شايلة البيت كله لوحدها. أحمد حس إن الكل بقى ضده. فصرخ: — خلاص... أنا آسف. مريم هزت رأسها. — الاعتذار بعد ما الإنسان ينكسر... مش دايمًا بيصلح اللي اتكسر. ثم خلعت دبلة جوازها بهدوء. وحطتها على الترابيزة قدام التورتة. وقالت: — النهارده... مش عيد ميلادك بس. النهارده اليوم اللي قررت فيه أرجع أحترم نفسي. وسابت الميكروفون... وشالت بنتها من العربية الصغيرة. ومسكت إيد ابنها. واتجهت ناحية باب الاستراحة. أحمد جري وراها. — مريم... استني. لكنها ما بصتش وراها. أما كريم... فوقف قدام أخوه. وقال ببرود: — سيبها تمشي. إنت خسرت مراتك... وأظن خسرت أخوك كمان. خرجت مريم من المكان... ولأول مرة من شهور... حست إنها بتتنفس. لكنها ما كانتش تعرف... إن المفاجأة الأكبر كانت مستنياها تاني يوم الصبح، لما يوصلها اتصال هيقلب حياتها كلها. الفصل الثالث: المفاجأة اللي قلبت الموازين الساعة كانت تسعة الصبح. مريم كانت قاعدة في شقة أمها. جنى نايمة في حضنها. وياسين بيلعب بالعربية الصغيرة على السجادة. من إمبارح... وأحمد بيتصل. مرة... واتنين... وعشرة. لكنها كانت رافضة ترد. وفجأة... الموبايل رن. الرقم كان غريب. ردت بهدوء: — ألو؟ — صباح الخير يا أستاذة مريم... مع حضرتك أستاذ سامح، مدير شركة "أفق" للاستشارات. استغربت. — اتفضل. قال بابتسامة باينة في صوته: — إحنا تابعنا شغلك الفترة اللي فاتت، وفيه شركة كبيرة رشحت اسمك لينا... وحابين نقابلك على منصب مدير قسم التطوير. مريم اتفاجئت. — مدير قسم؟ — أيوة... والمرتب هيكون تقريبًا ثلاثة أضعاف مرتبك الحالي، مع تأمين طبي وسيارة للشغل. دموعها نزلت. مش علشان الفلوس... لكن لأنها لأول مرة من شهور... حد شاف تعبها وقدره. ... في نفس الوقت... كان أحمد قاعد في البيت. مفيش حد بيرد عليه. فتح فيسبوك... لقى صور عيد ميلاده منتشرة. لكن مش بسبب التورتة. الناس كلها بتتكلم عن اللي حصل. حد كتب: "أصعب حاجة إن الراجل يكسر مراته بالمقارنة." وواحدة كتبت: "كل الاحترام لمريم." قفل الموبايل بعصبية. وأول مرة حس إنه بقى لوحده. ... بعد ساعة... دخل كريم، أخوه. من غير سلام. حط مفتاح الشقة على الترابيزة. أحمد استغرب. — إيه ده؟ قال كريم ببرود: — مفتاح المكتب اللي كنت مشغلّك فيه. — يعني إيه؟ — يعني من النهارده... شوفلك شغل في حتة تانية. أحمد قام واقف. — إنت هتقطع عيشي؟ كريم رد بنبرة هادئة لكنها حاسمة: — اللي يخون ثقة أخوه... ما ينفعش يشتغل معاه. سكت ثانية، ثم أكمل: — وبالمناسبة... أنا شوفت الرسائل كلها. حتى اللي كنت ماسحها. اتجمد أحمد. — إزاي؟ قال كريم: — ندى كانت عاملة نسخ احتياطية من زمان... لأنها كانت خايفة يحصل اليوم ده. أحمد حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه. ... في المساء... كانت مريم راجعة تاخد هدومها من الشقة. دخلت لقت أحمد قاعد لوحده. وشه مرهق. وعينيه حمرا. أول ما شافها قام بسرعة. — مريم... إديني فرصة. قالت بهدوء: — فرصة لإيه؟ — أنا غلطت. — عارف. — والله ما كان قصدي أخسرك. ابتسمت ابتسامة كلها وجع. — بس كنت عادي تخسر ثقتي كل يوم؟ سكت. ما عرفش يرد. قالت: — فاكر أول مرة قلتلي إن جسمي بقى وحش؟ أنا يومها فضلت أبص في المراية ساعة كاملة... وأعيط. فاكر لما قلت إن ندى أجمل مني؟ أنا بعدها بقيت أكره أنزل قدام الناس. فاكر لما منعتني ألبس الفستان؟ أنا يومها حسيت إني بقيت مكسوفة من نفسي. كل كلمة كنت بتقولها... كانت بتسرق جزء من روحي. نزل أحمد رأسه. ولأول مرة... بكى. لكن مريم ما اتأثرتش. دخلت أوضة النوم. فتحت الدولاب. بدأت تحط هدومها وهدوم الأطفال في الشنط. وأثناء ما هي بتلم هدوم جنى... وقعت ورقة من بين الملفات. استغربت. التقطتها. كانت عبارة عن خطاب من البنك. فتحته... واتسعت عيناها. الخطاب كان بيأكد إن أحمد سحب مبلغًا كبيرًا من حسابهما المشترك قبل أسابيع، من غير ما يبلغها، رغم إن الحساب كان مخصصًا لمصاريف البيت ومستقبل الأطفال. رفعت عينيها إليه بصدمة. وقالت بصوت منخفض: — أحمد... إنت كمان خدت فلوس ولادنا؟ ساعتها... عرفت إن الإهانة اللي عاشتها ما كانتش آخر حاجة مخبيها عنها... وإن الحقيقة الكاملة لسه ما ظهرتش. يتبع