حكايات روماني ×1

اتصدمت السكرتيرة الجديدة مكانها، ونشف الدم في عروقها أول ما عينيها وقعت على صورة طفولتها محطوطة في برواز على مكتب مديرها…
الأسانسير كان بيطير لفوق في قلب البرج الإزاز اللي عاكس سما القاهرة وشمسها الحامية. هناء منير كانت ضامة الملف اللي فيه الـ CV بتاعها لصدرها وهي بتسمع في ودنها وصايا أمها اللي قالتها لها الصبح وهي بتفطر.
“عمري ما كنت مرعوبة كدة!”
الشغلانة دي هي القشة اللي هتقطم ضهر الفقر، وهي اللي هتغير كل حاجة.
الدور الـ 35. صوت الأسانسير الرخيم أعلن الوصول لشركة “عاصم الشافعي للمحاماة والاستشارات”.
أخدت هناء نفس عميق، وعدلت الجيبة السودة – الوحيدة الرسمية اللي حيلتها – ودخلت بخطوات ثابتة ناحية مكتب الاستقبال. كعب جزمتها كان بيخبط على الرخام الغالي، وهي بتبص بذهول على الفخامة اللي ريحتها “فلوس” في أرقى شركة في البلد.
“صباح الخير، أنا هناء منير، السكرتيرة الجديدة لمكتب الأستاذ عاصم،” قالتها بثقة وهي من جواها بتترعش.
موظفة الاستقبال، ست شيك ونظرتها فاحصة، بصت لها من فوق النظارة:
“جيتي في وقتك، الأستاذ عاصم مبيحبش اللوع ولا التأخير. الست كريمة مستنياكي جوه عشان تفهمك الدنيا ماشية ازاي.”
مشت هناء ورا الست كريمة، ست كبيرة في السن، وشها بشوش بس عينيها تقدح شرار. مشوا في الممرات اللي مليانة محامين ببدل غالية بيتنقلوا من مكتب لمكتب وهما بيتكلموا في قضايا بملايين.
عالم تاني خالص غير عالم هناء، اللي كان كل شهر فيه عبارة عن خناقة عشان توفر تمن دوا قلب والدتها.
“الأستاذ عاصم صعب جداً،” كريمة شرحت لها وهي بتوريها مكتبها. “المواعيد بالثانية، والنظام ملوش زي، والأسرار خط أحمر. إياكي تقطعي خلوته وهو في مكالمة مهمة.”
هناء هزت راسها وهي بتحفظ كل كلمة.
“طيب، هقابله إمتى؟”
“هو مستنيكي دلوقتي عشان يديكي أول تعليمات.” كريمة وطت صوتها وقالت: “متتخضيش لو لقيتي أسلوبه ناشف، هو كدة مع الكل.”
مكتب عاصم الشافعي كان زي ما هناء اتخيلت بالظبط.
فخم، هادي، ويخوف.
الشبابيك الكبيرة كانت كاشفة القاهرة من فوق كأنها لوحة. الحيطان كلها مكتبات خشب غامق واصلة للسقف، وفي نص الأوضة مكتب ضخم يبهر أي حد.
وراه كان قاعد راجل في الخمسينات من عمره، شعره شايب بوقار، لابس بدلة متفصلة “عمولة” بتبين قد إيه هو راجل واصل وله هيبة. كان بيوقع على ورق من غير ما يرفع عينه.
لما رفع عينه أخيراً، هناء جسمها قشعر من غير سبب.
عينيه كانت رصاصي.. حادة زي الموس، بس فيها حزن غريب مستخبي.
“آنسة هناء،” قال بصوت رخيم وقوي، “اتفضلي استريحي.”
قعدت هناء وهي ملاحظة إنه مبيصش في عينيها مباشرة.
“الـ CV بتاعك متواضع، بس تقديرك في الجامعة وتوصيات الدكاترة ممتازين. مستني منك نفس الشطارة هنا.”
“إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا فندم.”
بدأ عاصم يشرح لها الشغل، بس هناء فجأة مابقتش سامعة حاجة.حكايات رومانى مكرم
عينيها لمحت حاجة على مكتبه خلت نفسها ينقطع.
في برواز فضة شيك، كانت فيه صورة قديمة لدرجة إن ألوانها باهتة.
بنت صغيرة عندها حوالي 4 سنين، لابس فستان أبيض ومنكوش، وماسكة في إيدها وردة عباد شمس كبيرة.
البنت دي كانت هي.
الدنيا لفت بيها.
نفس الفستان الدانتيل اللي أمها لسه شايلاه في كرتونة فوق الدولاب.
نفس الوردة اللي قطفتها من جنينة الحيوانات في اليوم ده.
نفس الصورة اللي أمها عندها واحدة زيها بالظبط.. حتة “النتشة” الصغيرة اللي في طرف الصورة كانت موجودة هنا كمان.حكايات رومانى مكرم
“آنسة هناء.. أنتِ سامعاني؟”
صوت عاصم الشافعي رجعها للواقع فجأة.
حست بكرشة نفس، ورجليها مابقتش شايلاها وهي قاعدة.
“أنا.. أنا آسفة.. أنا…” لسانها اتعقد وهي مش قادرة تنزل عينيها من على الصورة.
عاصم لاحظ نظرتها ووشه اتخشب فجأة.
لمحة وجع ولهفة مرت في عينيه وهو بيبص لها.
“أنتِ كويسة؟ وشك اتخطف ليه؟”
هناء شاورت على الصورة بصباع بيترعش وقالت بصوت مكسور: “الصورة دي… دي صورتي أنا يا فندم!”
الفصل الثاني: الحقيقة التي دفنتها الأم
“اهربي يا هناء… متروحيش لعاصم الشافعي… هو عرف مكانك!”
انقطع الخط.
هناء كانت واقفة في نص المكتب ووشها شاحب.
أما عاصم فكان بيبصلها بصدمة أكبر من صدمتها.
“ماما قالت كدة؟”
هزت رأسها وهي مش فاهمة حاجة.
“قالت اهربي منك.”
عاصم قعد ببطء على كرسيه.
كأنه فجأة كبر عشر سنين.
ثم قال بصوت هادئ:
“طبيعي.”
“طبيعي إزاي؟”
رفع عينيه ليها.
“لأن أمك بتكرهني من أكتر من خمسة وعشرين سنة.”
هناء شهقت.
“ليه؟”
ابتسم بمرارة.
“عشان فاكرة إني خنتها.”
سحب نفس طويل.
ثم فتح الصندوق الخشبي أكتر.
أخرج رزمة خطابات قديمة مربوطة بشريط أزرق باهت.
“دي كل الجوابات اللي بعتها لأمك.”
هناء فتحت أول جواب.
تاريخ قديم.
قبل ميلادها بشهور.
وفي آخره:
“مستعد أتجوزك بكرة قبل بعده… ومستني ردك.”
فتحت جواب تاني.
وتالت.
ورابع.
كلهم نفس الشيء.
حب.
انتظار.
ولهفة.
لكن مفيش أي جواب راجع من أمها.
عاصم قال:
“أنا عمري ما سبتها.”
هناء حست إن الأرض بتميل تحتها.
“بس ماما قالت إنك اختفيت.”
“وأنا طول عمري فاكر إنها هي اللي اختفت.”
الصمت سيطر على المكان.
ثم أكمل:
“في حد لعب بينا.”
في نفس اللحظة دخلت كريمة فجأة.
وشها كان متوتر بشكل غريب.
“أستاذ عاصم…”
“في إيه؟”
“في راجل تحت مصمم يقابلك.”
“مين؟”
كريمة بلعت ريقها.
“قال اسمه… سامح منير.”
اسم والد هناء.
أو الرجل اللي كانت فاكرة طول عمرها إنه أبوها.
هناء اتجمدت.
“بابا؟!”
عاصم وقف فجأة.
أما كريمة فبصت بين الاتنين بتوتر.
“هو بيقول إنه لازم يشوف الآنسة هناء حالاً.”
هناء جريت ناحية الباب.
لكن أول ما وصلت للاستقبال…
اتصدمت.
سامح منير كان واقف هناك.
لكن مش لوحده.
كان معاه اتنين رجالة ضخام.
ووشه مليان خوف.
أول ما شاف هناء صاح:
“تعالي هنا فوراً.”
“في إيه يا بابا؟”
“يلا نمشي.”
“مش فاهمة.”
مسك ذراعها بعنف.
“قولت نمشي.”
عاصم وصل في اللحظة دي.
وبص لسامح نظرة خلت الموظفين كلهم يسكتوا.
“سيب إيد البنت.”
سامح لف ناحيته.
وللحظة ظهر الرعب الحقيقي في عينيه.
رعب شخص شاف شبح من الماضي.
“إنت!”
عاصم اقترب خطوة.
“أنا.”
هناء بصت بينهم.
“حد يفهمني!”
سامح بدأ يتراجع.
وعرقه نازل من جبينه.
ثم صرخ فجأة:
“قولتلها إنك ميت!”
الكلمات نزلت كالقنبلة.
الصالة كلها سكتت.
هناء حست إن قلبها وقف.
عاصم هو كمان اتجمد.
أما سامح فكان بيصرخ كالمجنون:
“قولتلها إنك ميت عشان أخد منى لنفسي!”
هناء شهقت.
كريمة حطت إيدها على بقها.
وعاصم ظل واقف مكانه لا يصدق ما يسمعه.
لكن سامح لم ينتهِ.
نظر إلى هناء وقال:
“أنا مش أبوكي أصلاً.”
الدنيا اسودت قدام عينيها.
“إيه؟”
“أنا اللي زورت كل حاجة.”
“لا…”
“وأمك عمرها ما عرفت الحقيقة كاملة.”
دموع هناء نزلت.
أما عاصم فقبض على يده بقوة.
وسأل بصوت مرعب:
“يعني إيه؟”
سامح ضحك ضحكة مهزوزة.
ثم قال:
“يعني البنت دي بنتك فعلاً يا عاصم…”
ثم أخرج ظرفاً أصفر قديماً من جيبه.
وقال الجملة التي قلبت حياة الجميع:
“وده تحليل الـ DNA اللي خبيته خمسة وعشرين سنة.”
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *