في الشهر السادس حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

 

لم أصدق ما أراه.

 

طوال الأيام الماضية كنت أتصور ألف مواجهة بيني وبين كريم.

 

كنت أتخيله غاضبًا.

 

متكبرًا.

 

باردًا.

 

أو حتى وقحًا كما كان في أوراق المحامين.

 

لكنني لم أتخيله أبدًا بهذا الشكل.

 

وجهه شاحب.

 

وعيناه غارقتان في الإرهاق.

 

وكان يقف أمام البوابة وكأنه رجل هارب.

 

لا رجل يملك مليارات الجنيهات.

 

ولا رجلًا تهتز له الأسواق عندما يوقع عقدًا جديدًا.

 

وقفت خلف النافذة أراقبه.

 

بينما كان المحامي عمر ينظر إليه من بعيد.

 

ثم قال بهدوء:

 

“أنا كنت متوقع إنه يجي.”

 

التفت إليه بسرعة.

 

“كنت متوقع؟”

 

أومأ.

 

“لأن اللعبة أكبر من كريم.”

 

قبل أن أسأله أكثر، دخل كريم إلى الفيلا بعد أن سمح له الحراس.

 

وبعد دقائق كان واقفًا أمامي داخل الصالة.

 

لأول مرة منذ ظهور خبر خطوبته.

 

لأول مرة منذ انهار كل شيء.

 

ساد صمت طويل.

 

ثم قال:

 

“إزيك؟”

 

ضحكت بمرارة.

 

“بجد؟”

 

“بعد كل اللي حصل ده أول حاجة هتقولها إزيك؟”

 

خفض عينيه.

 

ولم يرد.

 

فصرخت لأول مرة:

 

“كنت فين؟”

 

“ليه عملت كده؟”

 

“ليه شككت في بنتك؟”

 

“ليه خليت الناس كلها تتفرج عليا وأنا بتدمر؟”

 

كانت الكلمات تخرج مني كالرصاص.

 

سنوات من الصبر.

 

وأيام من الذل.

 

ووجع لا يوصف.

 

كل شيء خرج دفعة واحدة.

 

أما كريم فظل صامتًا.

 

حتى انتهيت.

 

ثم قال جملة واحدة.

 

جملة غيرت كل شيء.

 

“لأنهم كانوا هيموتوكي.”

 

تجمدت في مكاني.

 

أكمل بصوت مبحوح:

 

“كان لازم يصدقوا إنك خرجتي من حياتي.”

 

“كان لازم يصدقوا إن الطفل مش مهم بالنسبة لي.”

 

“كان لازم يصدقوا إن مفيش علاقة بينا.”

 

نظرت إليه بعدم تصديق.

 

“إنت بتقول إيه؟”

 

جلس ببطء.

 

وكأنه يحمل فوق كتفيه عمرًا كاملًا من التعب.

 

ثم بدأ يحكي.

 

قبل ثلاث سنوات.

 

عندما كانت شركته تتوسع بسرعة كبيرة.

 

دخل في شراكة مع مجموعة استثمارية أجنبية.

 

في البداية بدت الفرصة مثالية.

 

أموال ضخمة.

 

مشروعات عملاقة.

 

وأرباح خيالية.

 

لكن بعد شهور اكتشف الحقيقة.

 

الشركة لم تكن شركة عادية.

 

كانت واجهة لشبكة دولية تدير عمليات فساد وغسيل أموال وتهريب آثار.

 

وعندما حاول الانسحاب…

 

كان الوقت قد تأخر.

 

أصبح داخل اللعبة.

 

وأصبح يعرف أسرارًا لا يسمح لأحد بمعرفتها.

 

ثم جاء فؤاد السعدني.

 

الشريك الذي اكتشف الحقيقة هو الآخر.

 

وقرر التبليغ.

 

وبعد أسابيع مات.

 

في حادث رسمي.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

هم قتلوه.

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

وسألته:

 

“وليه ما بلغتش؟”

 

رفع عينيه نحوي.

 

وكان فيهما ألم حقيقي.

 

“لأني جبان.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

“كل مرة كنت أقرر أتكلم كانوا يبعثوا رسالة.”

 

“مرة صورة لبيتك.”

 

“مرة صورة لأبوكي.”

 

“مرة صورة ليكي وإنتِ خارجة من المستشفى.”

 

انقبض قلبي.

 

وأضاف:

 

“ولما عرفوا إنك حامل…”

 

توقف عن الكلام.

 

وكأنه لا يستطيع إكمال الجملة.

 

فهمست:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

أجاب بصوت منخفض:

 

“حكموا عليها بالموت.”

 

وضعت يدي فوق بطني لا إراديًا.

 

وأكمل:

 

“قالوا إن الوريث أخطر شاهد.”

 

“وإن وجود بنتي معناه إن في حد هيكمل بعدي.”

 

كانت الكلمات مرعبة.

 

لكنها كانت تفسر أشياء كثيرة.

 

الخطوبة.

 

الإشاعات.

 

أوراق المحامين.

 

كل شيء.

 

لكن شيئًا واحدًا ظل يؤلمني.

 

قلت:

 

“حتى لو ده كله حقيقي…”

 

“كنت تقدر تقولي.”

 

أغمض عينيه.

 

وقال:

 

“عارف.”

 

ثم أضاف:

 

“وده أكبر ذنب عملته في حياتي.”

 

في تلك اللحظة دخل أحد الحراس مسرعًا.

 

وكان وجهه شاحبًا.

 

قال:

 

“لازم تنزلوا حالًا.”

 

وقف الجميع.

 

“في إيه؟”

 

أجاب:

 

“في ناس اقتحمت الطريق المؤدي للفيلا.”

 

نظر كريم إلى المحامي.

 

ثم قال:

 

“وصلوا.”

 

تحولت الفيلا خلال ثوانٍ إلى خلية نحل.

 

الحراس في كل مكان.

 

الأبواب تغلق.

 

والهواتف لا تتوقف.

 

أما أنا فكنت واقفة في منتصف كل هذا.

 

أشعر أن حياتي تتحول إلى شيء يشبه الأفلام.

 

لكن الخطر كان حقيقيًا.

 

وموجودًا على بعد أمتار فقط.

 

ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.

 

رن هاتف كريم.

 

نظر إلى الشاشة.

 

وتغير وجهه.

 

أجاب فورًا.

 

وظل يستمع عدة ثوانٍ.

 

ثم شحب لونه تمامًا.

 

سأل المحامي:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

رفع كريم عينيه ببطء.

 

وقال:

 

“ياسمين.”

 

“إيه مالها؟”

 

أجاب بصوت مكسور:

 

“خطفوها.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

“وسابوا رسالة.”

 

شعرت بأنفاسي تتوقف.

 

فسأله أبي:

 

“بتقول إيه؟”

 

ابتلع كريم ريقه.

 

ثم قال:

 

“عايزين ملف فؤاد السعدني.”

 

“ولو ما أخدوش الملف خلال 48 ساعة…”

 

توقف للحظة.

 

ثم نظر إليّ مباشرة.

 

وقال:

 

“هيقتلوا ياسمين.”

 

لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الرسالة.

 

لأن السطر الأخير كان موجهًا لي أنا.

 

وكان مكتوبًا فيه:

 

“بعد ياسمين… الدور على ليلى وطفلتها.”

 

وفي تلك اللحظة أدركت أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

 

بل إن كل ما مررنا به حتى الآن…

 

لم يكن سوى المقدمة.

الفصل السادس

 

لم ينطق أحد بكلمة.

 

بقيت الرسالة معلقة في الهواء كأنها حكم بالإعدام.

 

“بعد ياسمين… الدور على ليلى وطفلتها.”

 

أعاد كريم قراءة الكلمات أكثر من مرة.

 

ثم أغلق الهاتف ببطء.

 

لكنني رأيت شيئًا لم أره فيه من قبل.

 

العجز.

 

طوال سنوات زواجنا كان كريم الشاذلي الرجل الذي يسيطر على كل شيء.

 

الاجتماعات.

 

الصفقات.

 

الناس.

 

المواقف.

 

أما الآن…

 

فكان يقف عاجزًا أمام تهديد لا يستطيع شراءه بالمال ولا الهروب منه بالنفوذ.

 

قال المحامي عمر:

 

“قدامنا 48 ساعة.”

 

أبي ضرب الطاولة بقبضته.

 

“نسلمهم الملف؟”

 

هز المحامي رأسه فورًا.

 

“لو سلمنا الملف هنموت كلنا.”

 

“ولو ما سلمناهوش؟”

 

“برضه ممكن نموت.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال كريم:

 

“في حل تالت.”

 

التفت الجميع إليه.

 

فأكمل:

 

“ننشر كل حاجة.”

 

اتسعت عينا المحامي.

 

“إنت مجنون؟”

 

“لأ.”

 

رفع كريم رأسه.

 

“أنا متأخر بس.”

 

ثم نظر إليّ مباشرة.

 

“كان المفروض أعمل كده من زمان.”

 

في تلك الليلة لم ينم أحد.

 

بدأ المحامي في تجهيز نسخ إلكترونية من الملفات.

 

وعمل نسخًا احتياطية في أكثر من مكان.

 

أما كريم فظل يجري اتصالات لا تنتهي.

 

مع صحفيين.

 

ومسؤولين.

 

وأشخاص لم أعرف أسماءهم.

 

وفي حوالي الثالثة فجرًا…

 

كنت جالسة وحدي في الشرفة.

 

أنظر إلى البحر.

 

وأفكر في حياتي.

 

قبل أسبوع فقط كنت زوجة حامل تنتظر ولادة طفلتها.

 

أما الآن…

 

فأنا مطاردة من شبكة إجرامية.

 

وزوجي متهم.

 

وحياتي كلها معلقة بخيط رفيع.

 

سمعت خطوات خلفي.

 

التفت.

 

كان كريم.

 

وقف صامتًا للحظات.

 

ثم جلس على الكرسي المقابل.

 

ولأول مرة منذ سنوات…

 

لم يكن بيننا كذب.

 

ولا أسرار.

 

ولا أقنعة.

 

قال بهدوء:

 

“فاكرة أول مرة شوفنا بعض؟”

 

لم أرد.

 

لكني كنت أتذكر.

 

أتذكر كل شيء.

 

المكتبة.

 

فنجان القهوة الذي انسكب على قميصه.

 

ضحكته.

 

إصراره على أخذ رقم هاتفي.

 

أتذكر الرجل الذي أحببته.

 

الرجل الذي ظننت أنه اختفى.

 

قال:

 

“أنا ضيعت كل حاجة.”

 

ثم نظر إلى بطني.

 

وأضاف:

 

“بس نفسي ما أضيعهاش.”

 

وضعت يدي فوق بطني.

 

ولم أجب.

 

لأن الجرح كان أكبر من أن يلتئم في ليلة واحدة.

 

وفجأة…

 

دوى انفجار هائل.

 

اهتزت الفيلا بالكامل.

 

وتطاير زجاج النوافذ.

 

صرخت أمي.

 

وقفز الجميع من أماكنهم.

 

ثم انقطع التيار الكهربائي.

 

غرق المكان في الظلام.

 

بدأت أجهزة الإنذار تصرخ.

 

وصوت إطلاق نار جاء من الخارج.

 

قال أحد الحراس عبر جهاز اللاسلكي:

 

“اقتحام!”

 

“اقتحام من الجهة الغربية!”

 

أمسكني أبي بسرعة.

 

بينما سحب كريم مسدسًا من أحد الحراس.

 

ولأول مرة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد تهديدات.

 

لقد وصلوا.

 

وصلوا فعلًا.

 

تحولت الفيلا إلى فوضى.

 

أصوات رصاص.

 

وصراخ.

 

وأقدام تركض في كل اتجاه.

 

قال المحامي:

 

“لازم نخرج حالًا!”

 

فتح أحد الحراس بابًا سريًا خلف المكتبة.

 

لم أكن أعرف بوجوده.

 

وكان يؤدي إلى ممر ضيق تحت الأرض.

 

بدأ الجميع بالنزول.

 

أمي.

 

أبي.

 

أنا.

 

المحامي.

 

ثم كريم في النهاية.

 

لكن قبل أن يغلق الباب…

 

سمعنا صوتًا جعل الدم يتجمد في عروقنا.

 

صوت رجل يضحك.

 

ضحكة هادئة.

 

مرعبة.

 

ثم جاء صوته عبر مكبر صغير:

 

“اهربوا زي ما أنتم عايزين.”

 

“في الآخر هتجوا عندي.”

 

نظر كريم نحو مصدر الصوت.

 

وتغير وجهه تمامًا.

 

همست:

 

“إنت تعرفه؟”

 

أجاب بصوت خافت:

 

“مستحيل…”

 

“مين؟”

 

بلع ريقه.

 

ثم قال الاسم الذي جعل المحامي يشحب فجأة.

 

“فؤاد السعدني.”

 

اتسعت عيون الجميع.

 

أبي قال بعدم تصديق:

 

“فؤاد مات.”

 

لكن كريم ظل ينظر في الفراغ.

 

وكأنه رأى شبحًا.

 

ثم قال:

 

“لا.”

 

“واضح إنه عمره ما مات.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

الصمت الذي يسبق الكارثة.

 

لأن الرجل الذي بنوا كل خططهم على أساس موته…

 

كان على ما يبدو حيًا.

 

وكان هو نفسه من يقود المطاردة.

 

وكان هو نفسه من يهدد ليلى وطفلتها.

 

وكان هو نفسه من خطف ياسمين.

 

وفي تلك اللحظة بالذات…

 

وصلوا إلى نهاية النفق.

 

فتح الحارس الباب الحديدي الأخير.

 

وخرج الجميع إلى مخزن قديم مهجور على بعد كيلومترين من الفيلا.

 

لكن ما إن خرجنا…

 

حتى توقفنا جميعًا في مكاننا.

 

لأن عشر سيارات سوداء كانت تنتظر بالخارج.

 

ورجال مسلحون يقفون بجوارها.

 

وفي المنتصف تمامًا…

 

وقف رجل أنيق يرتدي بدلة رمادية.

 

ويبتسم.

 

ابتسامة باردة.

 

مرعبة.

 

ثم خلع نظارته الشمسية ببطء.

 

وقال:

 

“مساء الخير يا كريم.”

 

وفي اللحظة التي رأيت فيها وجهه…

 

عرفت شيئًا واحدًا.

 

أن الرجل الذي يفترض أنه ميت…

 

كان حيًا بالفعل.

 

وأنه أخطر بكثير مما تخيلنا جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *