الفصل السادس فضلت ماسكة الفلاشة بإيدي... كأنها قطعة نار. أول سؤال جه في دماغي كان: لو هو فعلاً مجرم... ليه يسيب دليل يدينه؟ ركبت العربية على طول. ورحت لقسم الشرطة. الضابط أول ما شاف الظرف... وقف من مكانه. — فتحتيه؟ هزيت رأسي. — لا... مستنيين قسم الأدلة الرقمية. بعد أقل من ساعة... كانوا وصلوا الفلاشة بجهاز معزول. الملفات بدأت تظهر واحد ورا التاني. مجلدات... تسجيلات... وصور. وفجأة... ظهر فيديو. شغلناه. كان جوزي قاعد في مكان شكله مخزن قديم. وشه كان مرهق... وعينيه مليانة خوف. بص للكاميرا وقال: — لو الفيديو ده بيتشاف... يبقى يا إما أنا هربان... يا إما حصل لي حاجة. أنا عارف إنكم هتكرهوني... ومن حقكم. بس لازم الحقيقة تتقال. سكت لحظة... وبعدين كمل: — أول قرض اتزور باسم واحدة... أنا اللي خلصت إجراءاته. كنت فاكر إنها مرة وهتعدي. كانوا مديني فلوس كتير. ولما حاولت أرجع... هددوني. حسيت بقبضة في قلبي. الضابط وقف الفيديو. وقال: — كملوا. رجع التشغيل. جوزي قال: — رئيس الشبكة عمره ما ظهر باسمه الحقيقي. كل الناس بتناديه... "الحاج". وكل العقود... كانت بتتخزن في مخزن واحد. وقال عنوان بالتفصيل. الضابط قام فورًا. بدأ يتكلم في اللاسلكي. خلال دقائق... خرجت قوة كاملة. وقبل ما يمشي... بصلي. — لو المعلومات دي صحيحة... القض\ية كلها هتتغير. ... عدت ساعات طويلة. وأنا قاعدة مستنية. كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها. وفجأة... باب المكتب اتفتح. دخل الضابط. وعلى وشه علامات اندهاش. قلت بسرعة: — خير؟ قال: — المخزن كان موجود فعلًا. قلبي دق بعنف. — لقينا آلاف المستندات. وأجهزة كمبيوتر. وخزنة مليانة عقود. لكن... توقفت أنفاسي. — لكن إيه؟ قال وهو بيقلب في ملف قدامه: — المكان كان متساب من ساعات. واضح إن حد بلغهم قبل ما نوصل. رجعت أسند ضهري على الكرسي. يعني... لسه فيه حد بيراقب كل حركة. ... بعد يومين... انتشر الخبر في كل المواقع الإخبارية. "ضبط مستندات خاصة بشبكة تزوير قروض." ناس كتير بدأت تتقدم ببلاغات. ضحايا جداد ظهروا كل يوم. وفي وسط الزحمة دي... وصلني استدعاء للمحكمة. جلسة الطلاق. ولأول مرة... قررت أروح وأنا رافعة راسي. لبست بدلة بسيطة. ودخلت المحكمة مع أبويا. كان جوزي موجود. وشكله اتغير تمامًا. دقنه طويلة. ووشه أصفر. أول ما شافني... ابتسم ابتسامة غريبة. وقال وهو معدي جنبي: — فاكرة إنك انتصرتي؟ بصيت له بثبات. — أنا كسبت نفسي. ودي أكبر حاجة. دخلنا القاعة. القاضي بدأ يسمع الطرفين. محامي جوزي حاول يصورني إني زوجة ناشز... وتركت بيت الزوجية من غير سبب. لكن المحامي بتاعي طلع تسجيل صوت حماتي. "ارجعي بسرعة... مين هيحضر العشا ويغسل المواعين؟" القاعة كلها سكتت. وبعدين طلع صور تحويلات مرتبي لحساب جوزي. وكشف البطاقة الإضافية. وأخيرًا... تسجيل مكالمته وهو بيعترف إنه هربان وإن فيه ناس أكبر منه. القاضي بص لجوزي. وقال: — عندك رد؟ فضل ساكت. لأول مرة... ما لقىش كلمة. بعد انتهاء الجلسة... وأنا خارجة... سمعت حد بينادي باسمي. لفيت. لقيت حماتي. كانت شايلة كيس صغير. وقفت قدامي. وقالت بصوت مكسور: — دي حاجتك. فتحت الكيس. لقيت فيه... الجاكيت اللي كنت شرياه مخصوص يوم عيد الميلاد. نفس الجاكيت اللي قلعته وأنا خارجة من البيت. وقالت وهي بتبكي: — يوم ما خرجتي... افتكرت إنك هترجعي بعد يومين. لكن لما دخلت المطبخ... ولقيته فاضي... عرفت لأول مرة إن البيت كان قائم عليكي. بصيت لها بهدوء. وقلت: — البيت ما وقعش لما خرجت... الظلم هو اللي وقع. وسبتها... ومشيت. لكن وأنا خارجة من باب المحكمة... رن موبايل الضابط. بصلي بسرعة وقال: — عندي خبرين. واحد كويس... وواحد خطير. قلت: — ابدأ بالخطير. قال: — لقينا رئيس الشبكة. ثم سكت ثانيتين وأضاف: — لكن قبل ما نقبض عليه... اعترف إن فيه شخص من عيلة جوزك كان شريك أساسي من البداية... والشخص ده مش جوزك. في اللحظة دي... كل الأنظار اتجهت ناحية حماتي... اللي كان وشها فقد لونه تمامًا. يتبع.. الفصل السابع كل العيون اتوجهت ناحية حماتي... أما هي... فوقفت مكانها كأنها اتجمدت. بصت للضابط، وقالت بسرعة: — بتبصوا لي كده ليه؟! أنا ما عملتش حاجة. الضابط هز رأسه بهدوء. — إحنا ما قولناش إن المقصود حضرتك. حط إيده جوه الملف، وطلع صورة. وقال: — الشخص المقصود... أخو جوزها. شهقت حماتي. — مستحيل! لكن الصدمة الأكبر كانت لما بصت في الصورة. كان أخو جوزي واقف جنب الراجل اللي كانوا بيسموه "الحاج". الصورة قديمة... واضح إنها متصورة من كام سنة. وقبل ما أي حد يتكلم... وصلت قوة شرطة للمحكمة. أحد الضباط قرب من أخو جوزي، اللي كان واقف بعيد بيتابع اللي بيحصل. — أستاذ سامح؟ ارتبك. — أيوه... الضابط أبرز أمر الضبط. — حضرتك مطلوب للتحقيق. في ثانية... لف يجري. بدأ يجري بين الناس. وقع ملفات من إيد المحامين. وزق أكتر من شخص وهو بيحاول يهرب. لكن أفراد الأمن لحقوه عند باب المحكمة. اتقيد وهو بيصرخ: — أنا ماليش دعوة! — كله كان بيعمل كده! — أنا مجرد وسيط! الضابط رد عليه ببرود: — هتقول الكلام ده في التحقيق. ... بعد ساعات... استدعوني للإدلاء بأقوالي. أخو جوزي بدأ ينهار بسرعة. واعترف إن الشبكة كانت بتستهدف الستات اللي بيثقوا في أزواجهم. الزوج يجمع صور البطاقات... وتوقيعات من أوراق عادية. وبعدها... كانوا بيستغلوا البيانات في استخراج بطاقات إضافية أو قروض مزورة. لكن أهم اعتراف... كان عن جوزي. قال: — أخويا دخل معانا في الأول. بس لما عرف حجم اللي بيحصل... خاف. حاول ينسحب. ولما هددوه... بدأ يجمع الأدلة. عشان كده سجل الفيديو. وعشان كده خبّى الفلاشة. فضلت ساكتة. مش قادرة أحدد إحساسي. هو ظلمني؟ أيوه. خذلني؟ ألف مرة. لكن واضح إنه في النهاية... حاول يصلح جزءًا من الكارثة اللي شارك فيها. وده ما يمحيش ذنبه... لكنه يفسر ليه كان مرعوب في آخر أيامه. ... بعد أسبوع... صدر حكم الطلاق. القاضي أنهى الجلسة بكلمات مختصرة. وأصبحت حرة رسميًا. خرجت من المحكمة. استنشقت نفسًا عميقًا. كأن حملًا كبيرًا انزاح عن صدري. أبويا ابتسم وقال: — مبروك يا بنتي. ابتسمت لأول مرة من قلبي. — أول مرة أحس إن الكلمة دي تستحق تتقال. ... بعد شهرين... افتتحنا الفرع الجديد للشركة. المدير وقف قدام الموظفين وقال: — النجاح الحقيقي مش إن الإنسان ما يقعش... النجاح إنه يعرف يقوم أقوى. ثم سلمني درع التكريم. وسط التصفيق... افتكرت اليوم اللي اتقال لي فيه: "إنتِ مش من العيلة... اخرجي من الصورة." ابتسمت. لأنهم كانوا فاكرين إنهم خرجوني من صورة... لكن الحقيقة... إنهم خرجوني من حياة ما كانتش تليق بيا أصلًا. ... في نفس مساء الافتتاح... وصلني ظرف صغير بالبريد. ماكانش عليه اسم المرسل. فتحته. لقيت الجاكيت القديم... بعد ما كان متغسل ومتكوي بعناية. وجواه ورقة بخط حماتي. "يمكن عمري ما عرفت أكون أم ليكي... لكني عرفت متأخر إني خسرت كنّة كانت أشرف من ناس كتير حملوا اسم العيلة. سامحيني لو تقدري... ولو ماقدرتيش، فأنا أستحق." قفلت الورقة. ما بكيتش. ولا ضحكت. بس حطيت الجاكيت في الدولاب. مش علشان أفتكر الوجع... لكن علشان أفتكر إن كرامة الإنسان، لو ضاعت مرة، لازم ما يفرطش فيها تاني. النهاية.