افعي ضخمه حكـايـات أسمـا ×4والاخير
تراجعت ساره ببطء حتى اصطدمت بالحائط.
الكلمات فوق الزجاج لم تختفِ.
بل بدأت تتحرك.
الحروف نفسها انزلقت فوق الضباب البارد كأن إصبعًا خفيًا يعيد كتابتها.
“الملكات لا يمتن…”
ثم جملة ثانية ظهرت أسفلها.
“هنّ يستيقظن.”
شهقت ساره وألقت الزجاجة بعيدًا.
ارتطمت بالأرض وانكسرت.
انتشر الزيت الأحمر فوق البلاط…
وفي اللحظة نفسها انطفأت الأنوار.
عادت تلك البرودة القديمة.
ذلك الإحساس الزاحف الذي كانت تشعر به داخل رحمها.
لكن هذه المرة…
لم يكن داخلها.
بل حولها.
تحت الأرض.
داخل الجدران.
في الهواء نفسه.
ثم جاءها الصوت.
صوت سليم.
هادئ… قريب جدًا.
ــ كنتِ فاكرة إن الموت بيوقفنا؟
وضعت يديها فوق أذنيها وهي تصرخ: ــ انتهى! إنت مات!
ضحكة منخفضة خرجت من العتمة.
ــ سليم مات فعلًا…
ثم تغيّر الصوت.
أصبح أعمق.
أقدم.
ــ لكننا لا نموت.
وفجأة…
تحركت الستارة وحدها.
ثم ظهر ظل طويل فوق الحائط.
ليس ظل إنسان.
بل رأس أفعى عملاقة بعينين متوهجتين.
صرخت ساره واندفعت نحو الباب.
فتحته بسرعة وخرجت إلى الشارع.
كانت الساعة الثالثة فجرًا.
والشارع خالٍ تمامًا.
لكنها لم تتوقف عن الجري.
حتى وصلت إلى الكورنيش.
وقفت تلهث بعنف قرب البحر.
الهواء البارد يضرب وجهها.
وحين رفعت رأسها…
رأت شيئًا جعل قلبها يتوقف.
على الصخور البعيدة قرب المياه…
كان هناك رجل يقف.
بدلة سوداء.
جسد طويل.
وينظر إليها.
سليم.
رجعت للخلف بخوف.
لكن حين لمحته مرة أخرى…
اختفى.
كأن البحر ابتلعه.
بدأ عقلها ينهار.
هل عاد فعلًا؟
هل كل ما حدث لم ينتهِ؟
أم أنها بدأت تفقد عقلها أخيرًا؟
رن هاتفها فجأة.
ارتجفت حين رأت الاسم.
الدكتور سامي.
أجابت فورًا: ــ سامي… هو رجع!
ساد الصمت للحظة.
ثم قال بصوت متوتر: ــ اسمعيني كويس… متروحيش البيت.
ــ ليه؟!
ــ لأني لقيت حاجة.
بعد ساعة كانت داخل شقة الدكتور سامي في القاهرة.
الرجل بدا أسوأ من أي وقت مضى.
هزيلًا. مرهقًا. وعيناه محمرتان من السهر.
فور دخولها أغلق الباب بأكثر من قفل.
ثم سحب ستائر الشقة كلها.
سألته بخوف: ــ فيه إيه؟
فتح حقيبة قديمة وأخرج منها كتابًا جلديًا أسود.
كان محترق الأطراف.
قال: ــ ده كان تحت القصر… خبيته قبل الانفجار.
فتح الصفحات بسرعة.
كلها رسومات لنساء.
نساء ببطون منتفخة وعينين ذهبيتين.
ثم صورة أخيرة…
امرأة تجلس فوق عرش من الأفاعي.
وتحت الرسم جملة بالعربية القديمة:
“حين تموت الملكة الأولى… تنتقل الروح إلى المختارة التالية.”
همست ساره: ــ يعني إيه؟
رفع عينيه إليها ببطء.
وكان الخوف واضحًا فيهما.
ــ يعني إنتِ ماكنتيش مجرد ضحية يا ساره.
ثم أكمل: ــ إنتِ الملكة الجديدة.
شعرت كأن الأرض اختفت تحت قدميها.
ــ لا…
ــ اللي خرج منك مات… لكن اللي اختارك لسه جواكي.
ثم أشار إلى رقبتها.
ركضت نحو المرآة.
شهقت.
علامة سوداء صغيرة ظهرت أسفل أذنها.
تشبه عين أفعى.
في الأيام التالية بدأت الأمور تسوء بسرعة.
الأحلام عادت.
لكنها لم تعد مجرد كوابيس.
كانت ترى أماكن حقيقية.
أنفاقًا تحت الأرض. معابد قديمة. وبحرًا أسود تتحرك تحته أجساد ضخمة.
وفي كل حلم…
كان هناك عرش.
ينتظرها.
ثم بدأت تسمع الأصوات وهي مستيقظة.
نساء يهمسن لها طوال الوقت.
“تعالي…”
“افتحي الطريق…”
“أنتِ الأخيرة…”
أما جسدها…
فبدأ يتغير مجددًا.
حواسها أصبحت أقوى.
كانت تسمع دقات قلب الناس.
تشعر بحرارة أجسادهم.
وترى في الظلام بوضوح مرعب.
وفي إحدى الليالي…
استيقظت على رائحة دم.
خرجت من غرفتها ببطء.
ثم توقفت.
الدكتور سامي كان نائمًا فوق الأريكة.
لكن حول رقبته…
كانت أفعى سوداء صغيرة تلتف ببطء.
صرخت ساره وقفزت نحوها.
لكن الأفعى رفعت رأسها ونظرت إليها.
ثم…
تراجعت.
وانزلقت أسفل الباب واختفت.
استيقظ سامي مذعورًا: ــ فيه إيه؟!
لكن ساره لم تجب.
لأنها فهمت شيئًا مرعبًا.
الأفاعي لم تعد تؤذيها.
بل تطيعها.
في اليوم التالي زارهم الحاج يونس.
أو بالأحرى…
ظهر فجأة.
الدكتور سامي فتح الباب ليجده واقفًا وكأن شيئًا لم يحدث.
شهق: ــ إنت حي؟!
ابتسم الرجل العجوز بتعب: ــ لسه شوية.
جلس بصمت طويل وهو ينظر لساره.
ثم قال: ــ بدأتي تسمعيهم صح؟
خفضت رأسها.
ــ أيوه.
ــ يبقى الوقت قرب.
صرخ الدكتور: ــ وقت إيه؟!
نظر يونس نحوه: ــ وقت الاختيار.
ثم التفت لساره.
ــ يا بنتي… فيه حاجة محدش قالهالك.
أخذ نفسًا طويلًا.
ــ نسل الحية عمره ما كان شر مطلق.
تجمد سامي: ــ إنت اتجننت؟!
لكن يونس أكمل: ــ زمان… كانوا حراس.
كائنات بتحمي بوابة بين عالمنا… وحاجة أسوأ بكتير.
ــ أسوأ من ده؟!
أومأ ببطء.
ــ اللي تحت البحر الأسود.
ساد الصمت.
ثم همس: ــ من آلاف السنين، أول ملكة ضحت بنفسها وقفلت البوابة.
لكن الختم بدأ يضعف.
وسليم وطائفته كانوا عايزين يفتحوها بالقوة.
أما إنتِ…
فنظرت ساره إليه بخوف: ــ أنا إيه؟
ــ إنتِ الوحيدة اللي تقدر تقفليها للأبد.
بعد يومين سافروا إلى مكان لم تتخيل ساره وجوده.
كهف قديم مخفي قرب ساحل مهجور غرب الإسكندرية.
البحر هناك كان أسود فعلًا.
هادئًا بشكل مخيف.
والهواء مليئًا برائحة الملح والعفن.
قادهم الحاج يونس داخل الكهف.
وفي عمقه…
وجدت ساره ما رأته في أحلامها.
العرش.
عرش حجري ضخم ملتف حوله هيكل أفعى عملاقة.
وعلى الجدران…
نقوش لنساء يحملن علامات سوداء مثله.
قال يونس: ــ كل ملكة كانت تيجي هنا.
ثم أشار إلى حفرة عميقة في الأرض.
ومن داخلها…
جاء الفحيح.
هائلًا.
مرعبًا.
كأن العالم كله يتنفس من الأسفل.
ارتجفت ساره.
أما يونس فقال: ــ تحتنا البوابة.
وفجأة…
اهتز الكهف بعنف.
ثم جاء الصوت.
ضحكة سليم.
لكنها لم تكن وحدها.
مئات الضحكات معه.
خرج الظلام من الحفرة كالدخان.
ثم تشكّل.
سليم ظهر مجددًا.
لكن هذه المرة لم يكن له جسد ثابت.
وجهه يتغير كل ثانية.
مرة رجل. مرة أفعى. مرة شيء بلا ملامح.
قال: ــ أخيرًا رجعتي البيت.
صرخ الدكتور سامي: ــ مش هتلمسها!
فضحك الظل.
ــ البشر لسه فاكرين إن ليهم دور.
ثم انقضّ عليه.
ارتطم سامي بالحائط بعنف.
وسقط فاقد الوعي.
أما يونس فأخرج خنجره الفضي واندفع.
لكن الظلال ابتلعته.
صرخ الرجل العجوز وهو يختفي تدريجيًا: ــ ساره! اقفلي البوابة!
بدأ الكهف ينهار.
وخرجت الأفاعي من كل مكان.
أما الظل فاقترب منها ببطء.
ــ تعبتِ من المقاومة صح؟
ثم مد يده.
ــ تعالي… وشوفي الحقيقة.
وللحظة…
رأت.
رأت ما تحت البوابة.
محيطًا أسود لا نهاية له.
وأعينًا عملاقة تفتح في الظلام.
وشيئًا ضخمًا جدًا يتحرك تحت المياه.
شيئًا أقدم من الزمن نفسه.
شعرت بالجنون يقترب منها.
لكن وسط كل ذلك…
سمعت صوت أمها.
صوتها القديم الحنون.
“خافي ربنا يا ساره… ومتبيعيش روحك.”
انهمرت دموعها.
ثم نظرت للظل.
ولأول مرة…
ابتسمت.
ابتسامة حزينة.
وقالت: ــ مش هخليكم تخرجوا.
ثم جلست فوق العرش.
صرخ الظل: ــ لا!
لكن العلامة السوداء على رقبتها بدأت تضيء.
والعرش كله اهتز.
ثم بدأ الضوء يخرج من جسدها.
ضوء ذهبي هذه المرة.
الأفاعي حولها بدأت تصرخ وتحترق.
والبحر خارج الكهف انفجر بعواصف هائلة.
أما الظل…
فبدأ ينهار.
صرخ بصوت آلاف الكائنات: ــ هتموتي!
أغمضت ساره عينيها.
وتذكرت حياتها.
أمها. البيت الصغير. أحلامها البسيطة.
ثم همست: ــ يمكن… بس هرتاح أخيرًا.
وضعت يدها فوق قلبها.
وغرزت الخنجر الفضي في العلامة السوداء.
انفجر الضوء.
هذه المرة أقوى من الشمس.
اهتز البحر كله.
وانشق الكهف.
والفحيح الأخير دوّى كصرخة نهاية عالم.
ثم…
الصمت.
بعد أيام…
وجدوا الدكتور سامي على الشاطئ.
حيًا.
مصابًا… لكنه حي.
أما الكهف…
فاختفى.
كأنه لم يكن موجودًا أبدًا.
ولا أثر لساره.
ولا للأفاعي.
ولا للبوابة.
مرت الشهور.
ثم السنوات.
والناس نسيت.
كما تنسى دائمًا.
لكن في ليلة شتوية…
كانت فتاة صغيرة تمشي قرب البحر مع أمها.
توقفت فجأة.
وقالت: ــ ماما… الست دي بتعمل إيه؟
التفتت الأم.
ولم ترَ أحدًا.
لكن الطفلة كانت تشير نحو الصخور البعيدة.
هناك…
كانت امرأة ترتدي فستانًا أبيض تقف أمام البحر.
شعرها يتحرك مع الريح.
وعيناها تلمعان بلون ذهبي خافت.
ثم ابتسمت للطفلة.
واختفت داخل الضباب.
وفي أعماق البحر الأسود…
بعيدًا جدًا…
فتحت عين ضخمة واحدة نفسها ببطء.
تمت