جوزي اتجوز عليا حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني: أول خيط من النار

لم يقرأ كريم الرسالة مرة واحدة.

قرأها ثلاث مرات.

وفي كل مرة كانت الكلمات تتحول أمام عينيه إلى شيء أثقل من قبل.

اختلاس.

تزوير.

مستندات مالية.

بلاغ رسمي.

شعر أن المقهى كله يضيق حوله.

الضحكات التي كانت تأتي من الطاولات المجاورة بدت كأنها سخرية منه.

أغلق الهاتف بعصبية، ثم فتحه مرة أخرى.

اتصل بسلمى.

مرة.

مرتين.

خمس مرات.

لم ترد.

فكتب لها رسالة:

“إنتي فاكرة نفسك كده هتكسريني؟ افتكري إننا لسه متجوزين.”

قرأ الرسالة بعد إرسالها، وانتظر ظهور علامتي القراءة.

ظهرتا.

لكن لا رد.

اشتعل غضبه.

كتب مرة أخرى:

“لو فاكرة إنك هتقدري تخليني أتحاسب لوحدي تبقي بتحلمي. كل حاجة عملتها كانت بموافقتك.”

ردت سلمى هذه المرة بعد دقيقة واحدة فقط:

“احتفظ بالكلام ده للتحقيق.”

تجمدت أصابعه فوق الشاشة.

لم تكن رسالة طويلة.

لكنها كانت كافية لتجعله يفهم أن سلمى لم تعد المرأة التي يعرفها.

لم تعد تلك التي كان يرفع صوته عليها فتسكت.

لم تعد التي كان يتركها في منتصف العشاء ويرحل، ثم تعتذر هي في الصباح.

لم تعد التي كان يقول لها: “أنتي حساسة زيادة” فتبتلع وجعها.

هذه المرأة الآن تكتب كمن يعرف كل شيء.

وكمن لا يخاف شيئًا.

نهض كريم بعنف من مكانه، دفع ثمن القهوة بآخر ورقة نقدية في محفظته، وخرج إلى الشارع وهو يشعر لأول مرة أنه يمشي بلا ظل.

في جناح الفندق الرخيص الذي انتهى إليه بعد ليلة الذل، كانت رنا جالسة على طرف السرير، وجهها شاحب وعيناها منتفختان من البكاء.

دخل كريم وصفع الباب خلفه.

انتفضت.

ـ في إيه؟

رمى الهاتف على السرير.

ـ سلمى بلغت عني.

ـ بلغت؟!

ـ اختلاس وتزوير.

وضعت رنا يدها على فمها.

ـ لا… لا مستحيل.

اقترب منها بعصبية.

ـ مستحيل؟! إنتي كنتي فاكرة الموضوع لعبة؟ كنتي فاكرة إننا ناخد فلوس ونشتري دهب ونحجز فرح ونعيش في الفيلا وهي تفضل تدفع وخلاص؟

قالت بصوت مرتعش:

ـ أنت اللي قلتلي إن كل حاجة تحت السيطرة.

ـ وأنا كنت فاكرها هتفضل غبية.

نظرت إليه نظرة كسرت آخر شيء جميل كان في صورتها عنه.

ـ يعني المشكلة إنها ما طلعتش غبية؟

صمت.

فأكملت بمرارة:

ـ مش المشكلة إنك خنتها؟ مش المشكلة إنك سرقت من شركتها؟ مش المشكلة إنك خليتني أصدق إنك غني وصاحب كل حاجة؟

صرخ:

ـ أنا ما سرقتش!

ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.

ـ لا طبعًا. أنت بس كنت بتحول مكافآت وهمية باسمي، وتخلي الموردين يرفعوا فواتير، وتاخد الفرق، وتقول لي: دي حقوقي من شركة مراتي.

اقترب منها أكثر.

ـ اسكتي يا رنا.

وقفت فجأة.

ـ لا مش هسكت. أنا دلوقتي حساباتي اتجمدت، وماما بتعيط، وأنت واقف بتزعق فيا كأني أنا اللي خططت لكل ده لوحدي.

قال بحدة:

ـ إنتي كنتي موافقة.

ـ كنت موافقة على الجواز. مش على السجن.

تلك الكلمة نزلت على الغرفة كحجر.

السجن.

لم يكن كريم قد سمح لنفسه أن ينطقها.

لكنها كانت هناك.

تتحرك حوله.

تتنفس في رقبته.

في صباح اليوم التالي، لم تذهب سلمى إلى الشركة مباشرة.

ذهبت إلى المحكمة.

كانت ترتدي بدلة سوداء بسيطة، وشعرها مربوط للخلف، وملامحها هادئة بطريقة أزعجت حتى محاميها.

قال لها الأستاذ شريف وهو يسير بجانبها:

ـ عارفة إن الموضوع ممكن يبقى طويل.

قالت:

ـ أنا صبرت سبع سنين. أقدر أصبر شوية كمان.

ـ كريم هيحاول يشوه صورتك.

ـ خليه.

ـ هيقول إنك كنتي عارفة.

توقفت سلمى أمام الباب.

نظرت إليه وقالت:

ـ عشان كده أنا جبت الدليل اللي عمره ما تخيل إني أملكه.

رفع حاجبيه.

ـ تقصدي التسجيلات؟

هزت رأسها.

ـ التسجيلات، والإيميلات، وكاميرات المكتب، وفواتير الموردين، ورسائل رنا، وتحويلات نادية.

ابتسم المحامي لأول مرة.

ـ أنتِ كنتي بتجمعي ده من إمتى؟

نظرت أمامها.

ـ من يوم ما بدأت أشك.

ـ وإمتى بدأتي تشكي؟

سكتت لحظة.

ثم قالت:

ـ من يوم ما كريم نسيني في المستشفى بعد العملية.

تغير وجه شريف.

لم يكن يعرف تلك التفاصيل.

أكملت بصوت خافت لكنه ثابت:

ـ كنت عاملة عملية صعبة. الدكتور قال له لازم حد يفضل جنبي أول ٢٤ ساعة. هو قال عنده اجتماع مهم وراح. بعدين عرفت إنه كان في الساحل مع رنا. من يومها بطلت أصدق كلامه، لكني للأسف ما بطلتش أحبه بسرعة.

دخلت.

وكانت تعرف أن حبها القديم سيدفع اليوم ثمن بقائه أطول من اللازم.

في بيت نادية الشاذلي، كان الوضع أسوأ.

أولادها وبناتها مجتمعون في الصالة.

كل واحد يتحدث في اتجاه.

نادية تجلس على الكرسي الكبير كأنها ملكة فقدت عرشها.

قالت ابنتها مي:

ـ يعني التحويل الشهري اتوقف؟

ردت نادية بعصبية:

ـ أيوه.

قال ابنها الأصغر حسام:

ـ والقسط بتاع عربيتي؟

ـ اتسحب من الحساب وما اتدفعش.

ـ يعني العربية ممكن تتسحب؟

نظرت إليه بغيظ:

ـ هو ده اللي هامك؟

رد:

ـ أمال إيه؟ أنتي فاكرة أنا معايا أدفع قسط عربية بالشكل ده؟

قالت مي:

ـ وأنا إيجار النادي؟ والمدرسة الدولية للولاد؟ سلمى كانت بتدفع نص المصاريف.

ضربت نادية بيدها على الكرسي.

ـ اسكتوا!

سكت الجميع.

لكن الخوف كان واضحًا.

لقد عاشوا سنوات على مال سلمى.

وكانوا يكرهونها في العلن ويحلبون كرمها في السر.

قالت نادية بحقد:

ـ البنت دي اتجننت. لازم نكسرها قبل ما تكسرنا.

قال حسام:

ـ هنعمل إيه؟

ابتسمت نادية ابتسامة باردة.

ـ هنروح لها الشركة. قدام الموظفين. ونخليها تبان قليلة الأصل.

قالت مي بتردد:

ـ بس هي معاها ورق.

ـ الورق قدام الناس مالوش قيمة. الناس بتحب الفضايح. هنخليها تبان ست ناقمة عشان جوزها خلف من غيرها.

لم تكن تعرف أن هذه الجملة تحديدًا ستكون سبب سقوطها التالي.

في تمام الثانية ظهرًا، دخلت نادية الشاذلي مقر شركة سلمى.

كانت ترتدي عباءة غالية وحقيبة فاخرة اشترتها سلمى لها في عيد الأم.

خلفها مي وحسام واثنان من الأقارب.

دخلوا بصوت عالٍ.

قالت نادية لموظفة الاستقبال:

ـ ناديلي سلمى.

قالت الموظفة بأدب:

ـ حضرتك عندك موعد؟

ضحكت نادية بسخرية.

ـ موعد؟ أنا حماتها.

قالت الموظفة:

ـ أستاذة سلمى لا تستقبل أحدًا بدون موعد.

اقتربت نادية من المكتب.

ـ اسمعي يا بنتي. أنا مش جاية أشحت. أنا جاية أربي واحدة نسيت أصلها.

رفع الموظفون رؤوسهم.

بدأت الهمسات.

وهذا بالضبط ما أرادته نادية.

رفعت صوتها أكثر:

ـ سلمى! انزلي يا سلمى! بدل ما أطلعلك وأعرف الناس حقيقتك!

بعد دقائق، فتح المصعد الخاص.

خرجت سلمى.

هادئة.

وخلفها شريف المحامي ومديرة الموارد البشرية ومسؤول الأمن.

وقفت في منتصف البهو.

قالت:

ـ اتفضلي يا مدام نادية. في مشكلة؟

ضحكت نادية.

ـ مشكلة؟ أنتي اللي عاملة مشكلة يا حبيبتي. جوزك اتجوز بالحلال. بدل ما تفرحي إنه هيبقى أب، قمتي بعتي بيته وقطعتي عيشه وعيش أهله.

اقترب بعض الموظفين أكثر.

رفعت سلمى يدها بهدوء، فأشار الأمن للجميع بالابتعاد قليلًا دون طردهم.

قالت سلمى:

ـ أولًا، البيت بيتي. ثانيًا، الشركة شركتي. ثالثًا، الفلوس فلوسي. رابعًا، ابن حضرتك لم يبلغني بزواجه إلا من منشور على فيسبوك.

قالت نادية بصوت أعلى:

ـ عشان أنتي ما كنتيش هتقبلي. أنتي ست ناقصة وغيورة.

للحظة، شعر الجميع أن سلمى ستتأثر.

لكنها لم تفعل.

ابتسمت فقط.

وقالت:

ـ ناقصة؟

ـ أيوه. سبع سنين وما خلفتيش.

ساد صمت ثقيل.

كان بعض الموظفين ينظرون إلى الأرض من الإحراج.

سلمى تقدمت خطوة.

وقالت بصوت واضح:

ـ بما إن حضرتك قررتي تتكلمي في الموضوع ده قدام الناس، يبقى نكمله قدام الناس.

ارتبكت نادية.

ـ تكملي إيه؟

فتحت سلمى ملفًا كان مع شريف.

أخرجت ورقة.

قالت:

ـ دي نتيجة تحاليل طبية اتعملت من سنة ونص.

تغير وجه نادية.

قالت سلمى:

ـ التحاليل أثبتت إن سبب تأخر الإنجاب لم يكن مني.

صمت البهو كله.

كأن الهواء توقف.

نظرت نادية إلى حسام، ثم إلى مي.

أما سلمى فأكملت:

ـ كريم كان يعرف. والدكتور قال له بنفسه. لكنه طلب مني أخبي الموضوع عنكم عشان “كرامته”.

ازدادت همسات الموظفين.

نادية حاولت استعادة قوتها.

ـ كدب.

قالت سلمى:

ـ الدكتور نفسه شاهد. والتقرير موجود ضمن ملف القض*ية.

ثم اقتربت خطوة أخرى.

ـ أما بخصوص حمل رنا، فأنا أنصحكم تتأكدوا الأول هو ابن مين قبل ما تبنوا عليه قصور من الرمل.

شهقت مي.

أما نادية فصرخت:

ـ أنتي قليلة الأدب!

رفعت سلمى حاجبها.

ـ لا يا مدام نادية. أنا كنت قليلة العقل لما خليتكم سنين تعيشوا على حسابي وأنتم بتدعوا عليا في ضهري.

ثم التفتت للأمن.

ـ من فضلكم، خروجهم بهدوء. ولو تكرر المشهد ده، يتعمل محضر تعدي فورًا.

اقترب الأمن.

نادية حاولت الصراخ، لكن صوتها لم يعد قويًا.

كانت تهتز من الداخل.

لأول مرة، خرجت من شركة سلمى لا كحماة متسلطة.

بل كامرأة انكشف غطاؤها.

وصل الخبر إلى كريم خلال دقائق.

اتصلت به نادية وهي تبكي وتصرخ.

ـ مراتك فضحتنا يا كريم! قالت قدام الناس إن العيب منك!

صمت كريم.

كان يتنفس بصعوبة.

قالت:

ـ رد عليا!

ـ هي قالت إيه تاني؟

ـ قالت إن حمل رنا لازم يتأكدوا منه!

هنا رفع كريم رأسه ببطء.

ـ قالت كده؟

ـ أيوه. وشوهتنا.

أغلق الهاتف دون وداع.

التفت إلى رنا التي كانت تحاول ترتيب ملابسها في الحقيبة.

قال:

ـ رنا.

نظرت إليه بحذر.

ـ نعم؟

ـ الحمل ده… ابني؟

تجمدت.

وهذا التجمد كان كافيًا.

قالت بسرعة:

ـ أنت اتجننت؟

ـ جاوبيني.

ـ طبعًا ابنك.

ـ رنا، أنا عايز تحليل.

اتسعت عيناها.

ـ تحليل إيه؟

ـ DNA.

ضحكت بعصبية.

ـ أنت بتشك فيا عشان كلامها؟

اقترب منها.

ـ سلمى ما بتقولش كلمة من غير سبب.

قالت بانفعال:

ـ آه طبعًا. رجعنا لسلمى العظيمة. سلمى اللي معاها فلوس. سلمى اللي بتعرف كل حاجة. طب ما ترجع لها بقى!

قال ببرود:

ـ جاوبيني.

ـ مش هعمل تحليل.

ـ ليه؟

ـ عشان الإهانة دي مرفوضة.

ـ الإهانة إنك ترفضيه.

ساد صمت.

ثم قالت جملة أوقفت قلبه للحظة:

ـ أنت أصلًا كنت عارف إن عندك مشكلة، وجاي دلوقتي تشك فيا؟

كان الكلام طعنة.

ليس لأنها قالت الحقيقة.

بل لأنها عرفت الحقيقة.

قال ببطء:

ـ مين قالك؟

تلعثمت.

ـ أنت… أنت قلت مرة.

ـ أنا ما قلتلكيش.

تراجع خطوة.

ـ سلمى بس كانت تعرف.

رنا لم تجب.

وهنا بدأ خيط جديد يحترق.

في مكتب سلمى، دخلت السكرتيرة بتردد.

ـ أستاذة سلمى… في حد تحت عايز يقابلك.

ـ مين؟

ـ والد رنا.

نظرت سلمى إليها.

لم تتوقع ذلك.

قالت:

ـ دخلوه غرفة الاجتماعات الصغيرة.

بعد عشر دقائق، دخل رجل في أواخر الخمسينات.

وجهه متعب وملابسه بسيطة.

لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها رنا عن عائلتها.

كانت دائمًا تقول إن والدها رجل أعمال كبير.

لكنه بدا كسائق تاكسي خرج من يوم طويل.

وقف أمام سلمى بانكسار.

ـ أنا آسف يا بنتي.

قالت سلمى بهدوء:

ـ اتفضل اقعد يا أستاذ عزت.

جلس الرجل، ويداه ترتعشان.

ـ أنا مش جاي أدافع عن رنا.

سلمى لم تقاطعه.

أكمل:

ـ أنا جاي أقولك إن بنتي غلطت. وغلطت كبير. بس في حاجات أنت لازم تعرفيها.

نظرت إليه بانتباه.

قال:

ـ كريم ما اتجوزهاش عشان بيحبها. هو أقنعها إنه هيطلقك وإنه صاحب الشركة وإنه هينقل لها الفيلا بعد الجواز.

ابتسمت سلمى بسخرية هادئة.

ـ ده واضح.

قال الرجل:

ـ وفي حاجة تانية.

أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.

ـ رنا كانت مخطوبة قبل كريم.

قلب سلمى انقبض.

ـ لمين؟

ـ شاب اسمه ماجد. كان شغال في فرع الشركة عندكم في أكتوبر.

تذكرت سلمى الاسم.

موظف ترك العمل منذ شهور.

قال الرجل:

ـ الحمل ممكن يكون منه.

وضعت سلمى يدها على الطاولة.

ليس من الصدمة فقط.

بل من إدراكها أن اللعبة أعقد مما ظنت.

قالت:

ـ حضرتك متأكد؟

ـ أنا ما أقدرش أتهم بنتي. بس أنا شوفت ماجد قدام بيتنا بعد ما كانت بدأت علاقتها بكريم. وسمعتهم بيتخانقوا. وكان بيقولها: “ما تنسيش إن اللي في بطنك ممكن يقلب الدنيا.”

ساد صمت طويل.

ثم قال الرجل بصوت مكسور:

ـ أنا جاي لأن كريم ورنا خدعوك، بس كمان خدعوني. أنا افتكرت إن بنتي اتجوزت راجل محترم. لكن لما عرفت إنك مراته وإنه متجوزك من سنين… حسيت إننا دخلنا في لعنة.

سلمى نظرت إليه طويلًا.

لم تكن تشعر بالشفقة على رنا.

لكنها شعرت بالحزن على هذا الرجل.

قالت:

ـ شكراً إنك جيت.

ـ أنا عارف إنك ممكن تدمريها.

ـ هي دمرت نفسها.

خفض رأسه.

ـ عارف.

وقبل أن يخرج، توقف عند الباب.

ـ يا بنتي… خدي حقك. بس ما تخليش وجعهم يحولك لواحدة زيهم.

بقيت سلمى وحدها بعد خروجه.

تلك الجملة بقيت عالقة في الغرفة.

خدي حقك.

لكن لا تتحولي لهم.

في المساء، عادت سلمى إلى الفندق.

خلعت حذاءها وجلست أمام النافذة.

القاهرة كانت مضيئة تحتها.

مدينة كاملة تتحرك كأن شيئًا لم يحدث.

لكن داخلها كان هناك زلزال هادئ.

فتحت هاتفها.

وجدت رسائل كثيرة.

من موظفين.

من أصدقاء قدامى.

من معارف لم يتصلوا بها منذ سنوات.

بعضهم يواسي.

بعضهم يتطفل.

بعضهم يريد تفاصيل.

ثم وجدت رسالة من رقم لا تعرفه:

“أستاذة سلمى، أنا ماجد. لازم أقابلك قبل ما كريم يوصل لي.”

تجمدت.

قرأت الرسالة مرة ثانية.

ثم اتصلت بمحاميها.

ـ أستاذ شريف، الاسم ماجد مألوف لك؟

ـ ماجد عبد الواحد؟ الموظف اللي استقال بعد مراجعة مالية؟

ـ هو.

ـ أيوه. ده كان عندنا عليه شكوك في فواتير وهمية، لكن كريم وقتها دافع عنه وأقفل التحقيق.

أغمضت سلمى عينيها.

كل شيء كان متصلًا.

كل الخيوط التي ظنتها منفصلة كانت تلتف حول كريم.

قالت:

ـ ابعتلي كل ملف ماجد.

ـ حاضر.

ـ وكمان عايزة مقابلة معاه تكون في وجودك.

ـ بلاش لوحدك.

ـ طبعًا.

أغلقت الهاتف.

ولأول مرة منذ بداية المعركة، شعرت بشيء غير الغضب.

شعرت أن ما خسرته لم يكن زوجًا فقط.

بل سنوات عاشت فيها داخل مسرح كبير.

وكان الجميع حولها ممثلين.

في نفس الليلة، كان كريم قد ذهب إلى بيت ماجد.

عرف العنوان من ملفات قديمة في الشركة.

طرق الباب بعنف.

فتح ماجد بعد دقائق.

شاب في أوائل الثلاثينات، ملامحه قلقة، وعيناه تتحركان بسرعة.

بمجرد أن رأى كريم حاول إغلاق الباب.

لكن كريم دفعه ودخل.

ـ فاكر نفسك هتهرب؟

قال ماجد:

ـ اخرج من بيتي.

ـ رنا حامل منك؟

شحب وجه ماجد.

ـ اسألها.

أمسكه كريم من قميصه.

ـ أنا بسألك أنت.

قال ماجد بمرارة:

ـ أنت فاكر نفسك ضحية؟ أنت اللي دخلت بينا. أنت اللي قلتلها هتتجوزي راجل غني وهترتاحي. أنت اللي وعدتها بفلوس مش بتاعتك.

دفعه كريم إلى الحائط.

ـ أنت بتلعب مع مين؟

قال ماجد وهو يلهث:

ـ مع واحد خسر كل حاجة خلاص.

تلك الجملة أفقدت كريم عقله.

رفع يده ليضربه.

لكن ماجد قال بسرعة:

ـ لو لمستني هبعت كل التسجيلات لسلمى.

توقف كريم.

ـ تسجيلات إيه؟

ابتسم ماجد رغم خوفه.

ـ تسجيلاتك وأنت بتشرح لي إزاي نرفع فواتير الموردين ونقسم الفرق. تسجيلاتك وأنت بتقول إن سلمى مش هتاخد بالها عشان بتحبك. تسجيلاتك وأنت بتضحك وتقول: “الست اللي بتحب بتدفع وهي ساكتة.”

تراجع كريم خطوة.

وجهه فقد لونه.

ـ أنت سجلتلي؟

ـ آه. عشان أنا ما بثقش في الحرامية.

ـ ورنا؟

ـ رنا عندها نسخة.

كان هذا أسوأ خبر ممكن.

لأن كريم فهم الآن أن رنا ليست

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *