امنية حياتي حكايات اسما ×3
الفصل الثالث
فضلت أبص للدبلة في إيدي كأني أول مرة أشوفها.
الحرف المحفور تحت الخدش كان واضح رغم محاولة إزالته. “س”.
مش “سارة”.
لأن الخط مختلف. قديم. ومحفور بإيد حد كان متأكد إن الاسم ده هيفضل للأبد.
نفسي اتقطع.
رفعت الدبلة قدام النور أكتر. ولقيت فعلًا أثر حروف اتمسحت بعنف.
يعني الدبلة دي ما اتعملتش مخصوص ليا.
اتعملت لواحدة قبلي.
وهم غيروا الاسم وخلاص.
قلبي وجعني بطريقة غريبة. مش علشان الدبلة نفسها… لكن علشان الإحساس إني مجرد بديلة. تفصيلة. أي بنت تملى الفراغ وخلاص.
قعدت على طرف السرير وأنا حاسة الدنيا بتلف.
أمي دخلت الأوضة بهدوء. أول ما شافت شكلي قالت بقلق: — مالك؟
مدّيتلها الدبلة من غير كلام.
أخدتها… ودققت فيها ثواني.
ولأول مرة من بداية اليوم… شفت الصدمة على وشها.
همست: — يا نهار أبيض.
صوتي خرج مكسور: — أنا كنت لابسة دبلة واحدة تانية يا ماما.
أمي ضغطت على شفايفها بغضب. — الواضح إنهم مستعجلين يخلصوا أي جوازة والسلام.
الوجع اتحول فجأة لغضب حارق.
افتكرت سهير وهي مصممة نجيب الشبكة من عند “المحل اللي تعرفه”. افتكرت إنها رفضت أختار أي تصميم. وقالت: — إحنا عندنا ذوقنا الخاص.
وقتها افتكرتها سيطرة عادية.
دلوقتي؟ بدأت أحس إن في بنت تانية كانت في حياتهم… واختفت.
ولسه أثرها موجود.
قلت بسرعة: — مين “س” دي؟
أمي هزت راسها. — مش عارفة… بس واضح إن في حاجة مستخبية.
بصيت للموبايل. الرسالة المجهولة لسه قدامي.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن سهير وكريم…”
قشعريرة عدت في جسمي.
أمي قالت بحزم: — مش هتروحي لوحدك.
— بس يمكن الشخص ده يعرف حاجة مهمة.
— ويمكن يبقى حد مؤذي.
كنت عارفة إنها خايفة. بس فضولي وخوفي كانوا أكبر.
طول الليل ما نمتش.
كل ما أغمض عيني أشوف كريم وهو شايل أمه قدام الناس. أو أشوف الحرف المحفور في الدبلة.
ومع كل ذكرى… كنت بحس إني ماكنتش فعلًا “العروسة”.
كنت مجرد دور بيتعاد.
الصبح صحيت على صوت خناق برا الأوضة.
آدم.
فتحت الباب بسرعة لقيته متعصب بشكل مرعب وماسك موبايله.
أول ما شافني قال: — الحيوان ده منزل بوست!
خدت الموبايل منه بسرعة.
كان حساب كريم.
كاتب: “أوقات أهل العروسة بيكبروا المشاكل ويدمروا فرحة بنتهم بإيديهم.”
شهقت.
التعليقات كلها مولعة.
“واضح إن العروسة مدلعة.”
“الراجل ماعملش حاجة غلط.”
“الأم خربت الجوازة.”
دموعي نزلت من القهر.
هو فعلًا بيحاول يطلع نفسه الضحية.
أمي خرجت من المطبخ أول ما سمعت صوتنا. خدت الموبايل… وقرت البوست كامل.
وبعدين بكل هدوء قالت: — ممتاز.
أنا وآدم بصينالها باستغراب.
قالت: — سيبيه يكشف نفسه أكتر.
وفعلاً… بعد ساعة واحدة بس… بدأت فيديوهات الناس تنزل.
واحدة من المعازيم كانت مصورة كل حاجة بوضوح.
الفيديو انتشر بسرعة مرعبة.
سهير وهي بتطلب تتشال. كريم وهو بينزل يشيلها. أنا واقفة لوحدي بفستان الفرح. وصوته وهو بيقولي: “ماتعمليش مشكلة.”
التعليقات اتقلبت ضده فورًا.
“إيه المرض ده؟”
“هو متجوز أمه؟”
“العروسة تهرب بجلدها.”
آدم ضحك لأول مرة: — اهو ربنا جاب حقك.
بس أنا ماكنتش مرتاحة.
لأن وسط كل التعليقات… في تعليق واحد شدني.
حساب مجهول كاتب: “دي مش أول بنت سهير تبوظ جوازها لابنها.”
اتجمدت.
دخلت على الحساب فورًا… ملقتش أي حاجة.
بس الجملة فضلت ترن في دماغي.
مش أول بنت؟
يعني كان في واحدة قبلي فعلًا.
الساعة قربت من ستة. وقلبي بيدق بعنف.
كنت قاعدة في الكافيه مستنية.
أمي أصرت تيجي وتقعد بعيد تراقب المكان. أما آدم فكان عايز يدخل معايا جوه. بس رفضت.
الشخص اللي باعت الرسالة قال لازم أكون لوحدي.
كل ثانية كانت تقيلة.
لحد ما ست دخلت الكافيه.
في أواخر الثلاثينات تقريبًا. هادية. لابسة أسود. وشها شاحب بشكل غريب.
وقفت قدامي وقالت: — سارة؟
هزيت راسي بحذر.
قعدت قدامي ببطء. وبصّت للدبلة في إيدي.
شهقت بخفة.
— لسه معاكي.
بلعت ريقي. — إنتِ مين؟
سكتت شوية… وبعدين قالت:
— أنا سلمي. خطيبة كريم السابقة.
الدنيا وقفت.
حتى صوت الناس حواليا اختفى.
بصيتلها وأنا مش مستوعبة.
سلمي. “س”.
هي.
لاحظت صدمتي وقالت بابتسامة حزينة: — واضح إنك اكتشفتي موضوع الدبلة.
همست: — كانت بتاعتك؟
هزت راسها ببطء. — كريم طلبني بيها من أربع سنين.
قلبي وجعني بطريقة مهينة.
— ليه… ليه الجوازة ما كملتش؟
الست بصّت بعيد للحظة. وكأنها بتحاول تجمع نفسها.
وبعدين قالت: — بسبب سهير.
اتنهدت بعنف. طبعًا.
قالت: — في الأول افتكرتها أم غيورة وخلاص. كنت بقول زيك “بتحب ابنها”. بس بعد شوية… اكتشفت إن الموضوع مرض.
أنا كنت ساكتة تمامًا.
كملت: — كانت تدخل أوضتنا من غير خبط. تقرر هنخرج فين. تقرر ناكل إيه. حتى لون قميصه كانت تختاره.
كل كلمة كانت بتخبط في ذكرياتي أنا.
قالت: — مرة كنت قاعدة مع كريم في العربية… لقيتها بتعيط وتتصل بيه علشان “مشتاقة له”.
ضحكت بمرارة. — كان سايبني في نص الديت وراجع لها.
إيدي بدأت تبرد.
— وبعدين؟
سلمي سكتت ثواني… وبعدين قالت أخطر جملة:
— سهير ماكنتش عايزة ابنها يتجوز أصلًا.
شهقت. — يعني إيه؟
مالت ناحيتي وهمست: — لأنها شايفاه راجلها هي.
جسمي كله اتشنج.
الكلمة كانت مقرفة. مرعبة. بس للأسف… منطقية.
سلمي قالت: — بعد خطوبتنا بشهرين… لقيتها داخلة أوضة كريم بالليل وأنا موجودة عندهم. وكانت نايمة جنبه على السرير.
حطيت إيدي على بقي من الصدمة.
— ولما اتضايقت؟ قالتلي بالحرف: “أنا قبلك… وأنا هفضل بعدك.”
نفسي بقى تقيل.
— كريم قال إيه وقتها؟
ضحكت ضحكة كلها وجع. — ولا حاجة. دافع عنها. كالعادة.
حسيت بغصة في قلبي.
لأن دي كانت حياتي أنا كمان. نسخة متكررة.
سلمي طلعت موبايلها. وفتحت صورة.
ودتهالي.
ولما شفتها… شهقت بصوت عالي.
كانت صورة خطوبتها على كريم.
ولابسة نفس الدبلة.
نفسها بالضبط.
حتى الخدش الصغير اللي جنب الحجر.
دموعي نزلت فورًا.
قد إيه كنت رخيصة بالنسبالهم علشان حتى الدبلة يعيدوا استخدامها؟
سلمي قالت بهدوء: — أنا جيتلك علشان أنقذك.
بصيتلها بصدمة.
قالت: — أنا ماعرفتش أهرب غير بعد ما اتدمرت نفسيًا. أنتِ لسه عندك فرصة.
صوتي طلع مرتعش: — ليه سبتِه فعلًا؟
سلمي بصّت في عيني مباشرة. وقالت:
— لأن في يوم… اكتشفت إن سهير معاها نسخة من مفتاح شقته. وكانت تدخل وقت ما تحب حتى بعد الجواز.
اتجمدت.
— إيه؟
— والأسوأ؟ إن كريم كان شايف ده عادي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
افتكرت فجأة إنه كان مصر جدًا إننا نسكن في العمارة اللي ساكنة فيها أمه. افتكرت إنه قال: “علشان تبقى قريبة لو احتجنا حاجة.”
لا… علشان تفضل جوه حياتنا.
سلمي قربت أكتر وقالت: — اسمعيني كويس يا سارة… النهاردة سهير شافته بيشيلها قدام الناس. بكرة هتنام بينكم في شهر العسل. وبعده هتربي عيالك مكانك. وفي الآخر… هتبقي مجرد ضيفة في حياة جوزك.
كل كلمة كانت بتخنقني.
وأكتر حاجة وجعتني… إني كنت عارفة إنها صح.
سألتها بصوت ضعيف: — بتحبيه لسه؟
سلمي سكتت طويل. وبعدين قالت: — كنت بحبه. بس الحب اللي يخليك طول الوقت في منافسة مع أمه… مش حب. ده سجن.
الكلمة ضربتني بقوة.
سجن.
أيوه. ده كان الإحساس اللي جوايا من بداية الخطوبة. بس كنت بخدع نفسي وأسميه “تفاهم عائلي”.
سلمي قامت بهدوء. وقالت: — خلي بالك من نفسك.
وقبل ما تمشي… وقفت لحظة.
وبعدين قالت: — بالمناسبة… إنتِ مش أول واحدة تسيبه ليلة الفرح.
بصيتلها بذهول.
ابتسمت بحزن: — أنا كمان سبت الفرح ومشيت.
ومشت.
وسابتني قاعدة مكاني… والدنيا كلها بتنهار جوايا من جديد.
لكن المرعب فعلًا؟
إني لما رجعت البيت بعدها بساعتين… لقيت كريم واقف تحت بيتنا.
ومعاه سهير.
ولما شافني نزل من العربية بسرعة… بينما أمه كانت قاعدة ورا بتراقبنا.
كأنها لسه موجودة بينا حتى في لحظة الاعتذار.
وساعتها عرفت… إن الكابوس لسه ما خلصش.
يتبع

