تبنيت طفلا حكايات أسما ×2

الفصل الخامس

رجعنا البيت قبل الفجر.

ولا واحد فينا كان قادر ينطق.

أحمد كان سايق العربية وهو قابض على الدريكسيون بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت.

كل شوية يبص على الملف اللي حطيناه على الكرسي جنبه.

وأنا كنت حاسة إن حياتنا دخلت طريق مفيش منه رجوع.

أول ما وصلنا الفيلا…

جرى أحمد على أوضة سامي.

لقاه نايم وحاضن الدبدوب اللي اشتريناهوله أول يوم دخل بيتنا.

وقف يتأمله كام دقيقة.

وبعدين باس راسه وهمس:

“سامحني يا ابني… ضيعت منك أربع سنين من عمرك.”

—

الصبح…

اتصل أحمد بمحاميه الشخصي.

وبعد ساعة كان المحامي قاعد قدامنا.

فتح الملف.

وكل ما يقلب ورقة…

ملامحه كانت بتتغير.

قال في الآخر:

“المستندات دي لو خرجت للنور… ناس كتير هتدخل السجن.”

سألته:

“ومنهم مين؟”

بص لأحمد وقال:

“للأسف…”

“شريكك الحالي.”

اتجمد أحمد.

“مستحيل.”

المحامي زقله صورة.

كانت صورة مراد السيوفي.

واقف بيصافح شريك أحمد الحالي…

محمود العزازي.

والصورة متصورة من أسبوعين بس.

يعني…

مراد ما كانش مجرد شخص من الماضي.

كان لسه شغال مع أقرب الناس لأحمد.

—

فضل أحمد ساكت شوية.

وبعدين افتكر حاجة.

قال:

“امبارح…”

“لما كنا خارجين…”

“مين كان أول واحد عرف إننا مش في البيت؟”

أنا جاوبت:

“محمود.”

“لأنه هو اللي كلمك وسألك إنت فين.”

أحمد ضرب بإيده على الترابيزة.

“يبقى هو اللي بلغهم.”

—

في نفس الوقت…

في مكتب فاخر في الدور الأخير من برج إداري.

كان محمود قاعد قدام مراد.

مراد ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“لقيوا الصندوق؟”

محمود هز راسه.

“أيوه.”

مراد ضحك.

“وده اللي كنت عايزه.”

استغرب محمود.

“إزاي؟”

مراد قال وهو بيولع سيجارة:

“الصندوق الحقيقي عمره ما كان تحت الشجرة.”

“اللي لقوه نسخة.”

“أما الأصل…”

“فلسه معايا.”

—

رجعنا نهتم بسامي.

قررنا مانحسسوش بأي حاجة.

لكن الأطفال…

بيحسوا بكل حاجة.

في ليلة…

دخلت أوضته ألاقيه صاحي.

قلت:

“لسه منمتش؟”

بصلي وقال:

“ماما…”

“أنا حلمت بماما التانية.”

قلبي وقف.

قعدت جنبه.

“قالتلك إيه؟”

قال وهو بيفرك عينيه:

“قالتلي خلي بالك من بابا.”

“في راجل وحش هيزعل بابا.”

حضنته.

وقلت لنفسي يمكن مجرد حلم.

لكن في داخلي…

كنت مرعوبة.

—

بعد يومين…

كان أحمد عنده اجتماع مهم في الشركة.

قبل ما ينزل…

سامي جري عليه.

وشده من إيده.

وقال:

“بابا…”

“متروحش.”

أحمد ضحك.

“ليه؟”

سامي رد بمنتهى البراءة:

“عشان هتتعب.”

أنا وأحمد بصينا لبعض.

حاولنا نعتبرها صدفة.

لكن أحمد قرر يسمع كلامه.

وألغى الاجتماع.

بعد أقل من ساعة…

وصل خبر هز البلد كلها.

العربية اللي كانت مخصصة تنقل أحمد للاجتماع…

انفجرت قبل ما توصل الشركة بدقائق.

السواق اتصاب إصابات خطيرة.

أما أحمد…

فكان في البيت.

واقف بيحضن سامي.

وعارف إن ابنه…

أنقذ حياته من الموت.

لكن السؤال اللي فضل بيطاردنا كلنا…

مين كان عارف بخط سير العربية؟

ومين ضغط على زر التفجير؟

والإجابة…

كانت أقرب إلينا مما تخيلنا.
الفصل السابع

أحمد لمح العربية السودة في مراية العربية.

في الأول افتكرها صدفة.

لكن بعد عشر دقائق…

كل ما يلف شارع…

كانت تلف وراه.

قال بهدوء وهو من غير ما يبصلي:

“متبصيش ورا.”

أنا اتوترت.

“فيه حد ورانا؟”

هز رأسه.

“من ساعة ما خرجنا.”

ضغط زر صغير في العربية.

في أقل من دقيقة…

ظهر ورا العربية اتنين من أفراد الحراسة بعربية تانية.

العربية السودة بعدتهم شوية…

لكنها ما اختفتش.

—

وصلنا محطة القطار القديمة.

كانت مهجورة.

السكة الحديد كلها عليها تراب.

والساعات المعلقة واقفة من سنين.

دخلنا جوه المبنى.

لقينا صف طويل من الخزن الحديد.

بدأ أحمد يدور على رقم 217.

لحد ما وقف قدامها.

طلع المفتاح.

حاول يفتحه.

لكن القفل ما فتحش.

لف المفتاح مرة تانية.

برضه.

وفجأة…

سمعنا صوت ست.

“استنى.”

لفينا بسرعة.

كانت ست في أواخر الأربعين.

لابسة طرحة سودة ونضارة كبيرة.

وشها مرهق.

قالت بصوت واطي:

“المفتاح بالعكس.”

بصتلها باستغراب.

“حضرتك مين؟”

بصت حوالين المكان.

وبعدين قالت:

“أنا أمينة.”

أنا شهقت.

“إنتِ… المربية؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

—

أول ما فتحت الخزنة…

طلعت منها شنطة جلد صغيرة.

فتحتها على الأرض.

كان فيها:

– شهادة ميلاد أصلية لسامي.
– صور من يوم ولادته.
– تقرير طبي.
– دفتر مذكرات.

لكن أهم حاجة…

كانت فلاشة تانية.

أمينة قالت:

“دي النسخة الوحيدة اللي فضلت معايا.”

أحمد سألها:

“إيه اللي حصل؟”

قعدت على الأرض.

وبدأت تحكي.

—

قالت إنها كانت شغالة في المستشفى يوم ولادة ياسمين.

وشافت كل حاجة.

بعد وفاة ياسمين…

دخل راجلين المستشفى.

واحد منهم مراد.

والتاني…

رجل أعمال كبير.

طلبوا ياخدوا الطفل.

لكن مدير المستشفى رفض.

بعد ساعات…

اختفت كل أوراق الولادة.

وتغير اسم الطفل في السجلات.

لولا إنها كانت مصورة نسخة بالموبايل…

كان سامي اختفى للأبد.

—

أحمد سألها:

“ليه؟”

قالت وهي تبص لسامي في الصورة:

“لأن سامي ما كانش مجرد طفل.”

“كان الوريث الوحيد لثروة ضخمة.”

أنا استغربت.

“ثروة إيه؟”

قالت:

“أم ياسمين…”

“قبل ما تموت بسنين…”

ورثت أراضي وشركات من عيلة جدها.

ولأن ياسمين ماتت…

كل الورث قانونيًا بينتقل لابنها.

يعني…

سامي.

أحمد اتجمد.

“يعني كل اللي بيحصل…”

قالت:

“علشان الفلوس.”

—

قبل ما تكمل…

دوّى صوت طلقة.

الزجاج انفجر.

أمينة صرخت.

وأحمد رماني أنا بعيد.

رصاصة عدت جنب كتفه.

رجالة الحراسة دخلوا بسرعة.

وبدأ تبادل إطلاق النار مع المهاجمين خارج المحطة.

أحمد صاح:

“اطلعوا من الباب الخلفي!”

جريت أنا وأمينة.

وأحمد شايل الشنطة.

لكن أول ما خرجنا…

لقينا العربية السودة واقفة.

ونزل منها محمود.

شريك أحمد.

كان ماسك مسد..س.

وبابتسامة باردة قال:

“سلموني الولد…”

“وكل واحد فيكم هيروح بيته.”

أما لو رفضتوا…

فالمرة دي…

مش هتكون الرصاصة في الحيطة.
الفصل الثامن

الوقت وقف.

محمود كان واقف قدامنا، ماسك المسد…س بثبات، وعينيه كلها برود.

رجالة الحراسة رفعوا سلاحهم في نفس اللحظة.

لكن محمود ابتسم.

وقال:

“متتهورشوا.”

وبإشارة بسيطة بإيده…

طلع أربعة رجال مسلحين من العربيتين اللي كانوا مستخبيين ورا المحطة.

بقينا محاصرين.

أحمد وقف قدامي ومد إيده يحميني.

وقال بهدوء:

“عايز إيه يا محمود؟”

ضحك محمود.

“بعد السنين دي كلها… لسه فاكر إن الموضوع فلوس؟”

“أنا عايز الورق.”

أحمد رد:

“مفيش ورق.”

محمود بص على الشنطة اللي في إيده.

“يبقى افتحها.”

—

أمينة همستلي:

“أوعي تسيبي الشنطة.”

استغربت.

“ليه؟”

قالت بسرعة:

“لأن اللي جواها مش مجرد مستندات.”

“فيه دفتر صغير.”

“الدفتر ده لو وقع في إيدهم… كل اللي ماتوا هيكونوا ماتوا على الفاضي.”

—

في اللحظة دي…

سمعنا صوت صفارات شرطة من بعيد.

محمود اتوتر لأول مرة.

لف ناحية رجالته.

وقال:

“خلصوا الموضوع بسرعة.”

لكن أحمد كان أسرع.

رمى الشنطة ناحية واحد من أفراد الحراسة، وصاح:

“اجري!”

كل الأنظار راحت على الشنطة.

وفي نفس الثانية…

أحمد اندفع على محمود.

وقع المسد..س من إيده.

واتخانقوا على الأرض.

رجال الحراسة دخلوا في اشتباك مع رجال محمود.

وأنا مسكت إيد أمينة وجرينا ناحية الباب الخلفي.

—

بعد دقائق…

وصلت الشرطة.

الباقي من رجال محمود هرب.

لكن محمود نفسه…

اختفى.

كأنه اتبخر.

ملقوش غير مسد..سه مرمي على الأرض.

—

رجعنا الفيلا قبل الفجر.

أحمد كان كتفه مجروح جرح سطحي.

الدكتور طمّنا.

أما سامي…

فأول ما شاف أحمد داخل والضمادة على كتفه…

جري عليه.

حضنه بكل قوته.

وقال وهو بيعيط:

“أنا قلتلك متتعبش.”

أحمد ركع على ركبته.

وحضن ابنه.

وقال:

“ووعد يا بطل…”

“مش هسيبك أبدًا.”

—

بعد ما سامي نام…

قفلنا على نفسنا المكتب.

فتحنا الشنطة من جديد.

بدأنا نراجع كل ورقة.

لحد ما لقينا الدفتر الصغير اللي أمينة كانت بتتكلم عنه.

كان غلافه جلد بني قديم.

وأول صفحة مكتوب فيها:

“مذكرات ياسمين.”

قلبت أول صفحة.

كان خطها رقيق وواضح.

«”لو حد وصل للدفتر ده… يبقى أنا غالبًا مش موجودة.”»

«”فيه شخص واحد أخطر من مراد.”»

أحمد رفع رأسه بسرعة.

وأنا كملت القراءة.

«”مراد مجرد منفذ.”»

«”أما العقل المدبر…”»

قلبت الصفحة.

لكنها كانت ممزقة.

الصفحة الوحيدة الناقصة في الدفتر كله.

اتصدمنا.

مين شالها؟

وإمتى؟

وأثناء ما أحمد بيقلب الدفتر…

وقع منه ظرف صغير ماكنّاش واخدين بالنا منه.

فتحناه.

كان جواه مفتاح ذهبي غريب.

ومعاه بطاقة مكتوب عليها بخط ياسمين:

“لو وصلتوا للمفتاح… اعرفوا إن الخزنة الحقيقية لسه ما اتفتحتش.”

سكتنا كلنا.

لأننا كنا فاكرين إن الليلة دي كشفت الحقيقة.

لكن الحقيقة…

كانت لسه مستخبية في خزنة تانية، ومفتاحها كان طول الوقت بين صفحات مذكرات ياسمين.
الفصل التاسع

فضل أحمد ماسك المفتاح الذهبي بين صوابعه وهو بيقلبه يمين وشمال.

المفتاح ما كانش عادي.

كان محفور عليه حرف واحد بس…

“ن”.

أنا سألت:

“الحرف ده معناه إيه؟”

أمينة بصت للمفتاح، واتغير لون وشها.

همست:

“النخيل…”

أحمد بص لها بسرعة.

“يعني إيه النخيل؟”

قالت:

“شركة النخيل للاستثمار.”

“ياسمين كانت بتروح هناك قبل ما تموت بأيام.”

—

تاني يوم الصبح…

قرر أحمد يروح الشركة بنفسه.

لكن المرة دي…

من غير حراسة كبيرة.

كان عايز يدخل من غير ما يلفت الانتباه.

دخلنا المبنى.

الاستقبال كان فخم جدًا.

رخام أبيض.

ونباتات طويلة.

وريحة عطر مالية المكان.

أحمد ورّى الموظفة المفتاح.

أول ما شافته…

وشها اتغير.

وقالت بسرعة:

“حضرتك… اتفضل معايا.”

ركبنا الأسانسير.

لكنها ما ضغطتش على أي دور.

طلعت كارت صغير من جيبها.

حطته في مكان سري.

وفجأة…

ظهر زر جديد مكتوب عليه:

B2

الأسانسير نزل لتحت.

وقف قدام ممر ضيق.

في آخره باب حديد ضخم.

—

الموظفة قالت بهدوء:

“من هنا دوري انتهى.”

“الباب ده ما بيفتحش غير بالمفتاح.”

ومشيت.

أحمد حط المفتاح.

القفل لف.

الباب اتفتح ببطء.

ولقينا أوضة كبيرة.

في نصها…

خزنة عملاقة.

وفوقها لوحة مكتوب عليها:

“أمانة عائلة شريف.”

—

أحمد فتح الخزنة.

كانت مليانة ملفات.

وعقود.

وشهادات ملكية.

لكن اللي شد انتباهنا…

كان فيديو مسجل.

شغلناه.

ظهر رجل كبير في السن.

لابس بدلة.

وقال:

“أنا المستشار نبيل شريف.”

“ولو الفيديو ده بيتعرض…”

“يبقى بنتي ياسمين ماتت.”

اتجمدنا.

كمل كلامه:

“كل ثروتي…”

“وكل شركاتي…”

“بتؤول لحفيدي الوحيد.”

“سامي.”

“ولا يحق لأي شخص التصرف فيها قبل بلوغه سن واحد وعشرين سنة.”

أنا بصيت لأحمد.

بقى واضح ليه كانوا بيطاردوا الطفل.

—

لكن الفيديو ما خلصش.

المستشار كمل:

“ولو مات سامي…”

“كل الثروة هتتحول تلقائيًا إلى مؤسسة خيرية.”

أحمد قال بدهشة:

“يعني…”

“حتى لو قتلوه…”

“مش هيستفيدوا.”

أمينة هزت رأسها.

“بالظبط.”

“وده معناه إن هدفهم الحقيقي…”

“مش الورث.”

—

في اللحظة دي…

فتح أحمد آخر ملف في الخزنة.

وكان جواه تقرير طبي قديم.

العنوان مكتوب بخط أحمر:

نتائج تحليل الحمض النووي.

فتحناه.

وكانت النتيجة واضحة جدًا.

الأب: أحمد.

لكن السطر اللي بعده…

خلانا نبص لبعض في ذهول.

الأم: ليست ياسمين شريف.

أنا شهقت.

“إزاي؟!”

أمينة خطفت الورقة من إيد أحمد.

فضلت تقراها أكتر من مرة.

وقالت وهي مش مصدقة:

“مستحيل…”

“أنا كنت موجودة يوم الولادة.”

لكن الورقة كانت رسمية.

مختومة.

وموقعة.

وأحمد همس:

“يبقى…”

“إما التحليل مزور…”

“أو فيه سر أكبر بكتير…”

وساعتها سمعنا صوت قفل الباب الحديد وهو بيتقفل لوحده من الخارج.

ثم اشتغلت سماعات مخفية في السقف.

وجالنا صوت مراد السيوفي وهو بيضحك.

وقال:

“أخيرًا وصلتوا لأول كذبة…”

“دلوقتي… دوركم تكتشفوا مين هي أم سامي الحقيقية.”
الفصل العاشر

صوت مراد السيوفي ملّى الأوضة وهو بيضحك.

“دورتوا سنين على الحقيقة… وكل اللي لقيتوه أكاذيب.”

أحمد قرب من الباب الحديد وضربه بكل قوته.

“افتح الباب يا مراد!”

لكن الرد الوحيد كان صدى ضحكته.

بعد ثوانٍ…

اشتغلت شاشة صغيرة كانت مخفية في الحائط.

ظهر عليها مراد.

قاعد في مكتب فاخر، وكأنه بيتفرج علينا من بعيد.

قال بابتسامة باردة:

“التحليل اللي في إيدك مزور.”

أنا بصيت لأحمد.

أمينة قالت بسرعة:

“كنت عارفة.”

مراد ضحك.

“بس السؤال… مين اللي زوره؟”

سكت لحظة، ثم قال:

“مش أنا.”

اختفت الابتسامة من وش أحمد.

“يبقى مين؟”

مراد قرب من الكاميرا وقال:

“الشخص اللي كنتوا واثقين فيه أكتر واحد.”

وانطفأت الشاشة.

…

أحمد بدأ يدور في الخزنة من جديد.

وفجأة أمينة لاحظت درجًا سريًا تحت الرف الأخير.

سحبناه.

كان جواه ظرف مختوم بالشمع الأحمر.

وعليه بخط ياسمين:

“لا يفتح إلا بحضور أحمد.”

فتح أحمد الظرف بإيده المرتعشة.

طلع منه خطاب طويل.

بدأ يقراه بصوت عالي.

“أحمد…

لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا خسرت معركتي.

لكن أوعى تشك لحظة إن سامي ابنك.

أي ورقة هتشوفها بعد موتي، ممكن تكون مزورة.

لأنهم كانوا مستعدين يزوروا أي حاجة…

إلا الحقيقة.”

أنا حسيت بدموعي بتنزل.

أحمد كمل القراءة.

“في يوم ولادة سامي…

سمعت دكتور بيقول إنهم هيغيروا ملف الطفل.

ولما اعترضت…

هددوني.”

آخر سطر في الرسالة كان أخطر من كل اللي قبله.

“اللي كان بيدي الأوامر…

كان راجل بيلبس خاتم فضة عليه نسر.”

أمينة شهقت.

“الخاتم!”

أحمد بص لها بسرعة.

“إنتِ شفتيه؟”

هزت رأسها.

“مرة واحدة…

يوم اختفت ملفات الولادة.”

…

في اللحظة دي…

أحمد افتكر حاجة.

محمود.

شريكه.

كان دايمًا لابس خاتم فضة عليه نسر.

سكتنا كلنا.

لأننا بقينا متأكدين إن محمود ما كانش مجرد شريك لمراد…

كان شريك في المؤامرة من أول يوم.

لكن قبل ما نخرج من الغرفة…

سمعنا صوت تكة خفيفة.

الأرض تحتنا بدأت تهتز.

ولمبة حمراء اشتغلت فوق الباب.

ثم صوت إلكتروني قال:

“تم تفعيل نظام الإغلاق.”

“المكان سيُغلق بالكامل خلال خمس دقائق.”

بصينا لبعض في صدمة.

ولو ما لقيناش مخرج سري قبل انتهاء الوقت…

هنفضل محبوسين داخل الخزنة للأبد، بينما سامي في البيت… من غير أي حد يحميه.
الفصل الحادي عشر

صوت الإنذار كان بيعلى كل ثانية.

“أربع دقائق متبقية.”

أحمد بدأ يخبط على الباب الحديد بكل قوته.

مفيش فايدة.

الباب كان معمول مخصوص علشان ما يتفتحش من بره ولا من جوه وقت الإغلاق.

أنا كنت ببص حواليّ بسرعة.

لازم يبقى فيه مخرج.

ياسمين مستحيل تكون سايبة رسالة من غير وسيلة للهروب.

وفجأة…

أمينة قالت وهي بتشاور على لوحة كبيرة معلقة على الحائط.

“استنوا…”

كانت لوحة مرسوم فيها شجرة ضخمة.

وتحتها جملة صغيرة:

“الجذور دايمًا بتعرف طريقها.”

أحمد قرب من اللوحة.

ولما لمس أحد فروعها…

سمعنا صوت “تك”.

اللوحة اتحركت سنة بسيطة.

شدها.

فاتفتح وراها ممر ضيق.

بصينا لبعض.

وجرينا من غير تفكير.

…

الممر كان طويل ومظلم.

وكل كام متر كانت لمبة صغيرة بتنور لوحدها.

لحد ما وصلنا لسلم حديد.

طلعنا بسرعة.

وفجأة…

لقينا نفسنا في مخزن قديم تابع للشركة.

أول ما خرجنا…

سمعنا صوت انفجار مكتوم تحت الأرض.

أحمد بص وراه.

وقال:

“مراد كان عايز يدفن الحقيقة معانا.”

…

ركبنا العربية بأقصى سرعة.

أول حاجة عملها أحمد…

اتصل بالحارس اللي في الفيلا.

لكن…

الموبايل كان مقفول.

اتصل بالحارس التاني.

برضه مقفول.

قلبي وقع.

أحمد زوّد السرعة.

“يا رب نلحق.”

…

وصلنا الفيلا.

البوابة كانت مفتوحة.

وده عمره ما كان بيحصل.

نزل أحمد يجري.

أنا وراه.

لقينا اتنين من الحراس مرميين على الأرض.

مغمي عليهم.

لكنهم أحياء.

دخلنا البيت.

الصالة فاضية.

المطبخ فاضي.

أوضة الألعاب فاضية.

قلبي كان هيقف.

أحمد طلع يجري على أوضة سامي.

فتح الباب.

لقينا السرير…

فاضي.

والشباك مفتوح.

وعلى المخدة…

كان فيه ظرف أبيض.

أحمد فتحه بإيد مرتعشة.

كان مكتوب فيه:

“إحنا أخدنا اللي جينا عشانه.”

“لو عايزين تشوفوا سامي حي… تعالوا لوحدكم.”

وتحت الرسالة…

عنوان.

مصنع نسيج قديم خارج المدينة.

وميعاد.

الساعة عشرة مساءً.

وأخيرًا…

توقيع مراد السيوفي.

أنا انهرت على الأرض.

وأحمد كان لأول مرة في حياته…

بيعجز يلاقي أي كلمة يقولها.

كل اللي قاله وهو بيضم الرسالة في إيده:

“أقسم بالله…

هرجع ابني مهما كان الثمن.”

وفي نفس اللحظة…

داخل المصنع المهجور…

كان سامي صاحي.

قاعد على كرسي صغير.

لكن الغريب…

إن مراد ما كانش مكبله ولا بيزعق فيه.

بالعكس…

حط قدامه كوب لبن دافي.

وقال بابتسامة غامضة:

“متخافش يا سامي…”

“أنا مش اللي قتل أمك.”

الجملة دي…

كانت بداية السر الأخطر في الحكاية كلها.
الفصل الأخير

الساعة كانت لسه تسعة إلا ربع.

أحمد رفض يستنى الشرطة.

لكن الضابط المسؤول وقف قدامه وقال:

“لو دخلت لوحدك… هتموت قبل ما تشوف ابنك.”

أحمد رد وهو بيبص في عين الضابط:

“أنا مستعد أموت… لكن مش مستعد أسيب ابني.”

في النهاية اتفقوا على خطة.

أحمد وأنا هندخل المصنع.

أما قوات الشرطة هتكون مستخبية حوالين المكان، ومستنية الإشارة.

…

الساعة عشرة بالضبط.

باب المصنع الحديد اتفتح.

دخلنا.

المكان كان ضلمة، والماكينات القديمة مغطية بالتراب.

وفجأة…

سمعنا صوت سامي.

“بابا!”

أحمد جري ناحيته.

لكن قبل ما يوصل…

مراد خرج من الضلمة.

“مكانك.”

وقف أحمد.

مراد كان واقف من غير سلاح.

الغريب إنه كان هادي جدًا.

قال:

“أنا وعدتك بالحقيقة.”

“والنهارده هتاخدها.”

أشار لسامي.

“خده.”

أحمد جري، وشال سامي وحضنه بقوة.

أنا حضنتهم هما الاتنين، وفضلت أبكي.

مراد فضل واقف مكانه.

وقال:

“أنا كنت مجرم… أيوه.”

“لكن فيه جري..مة واحدة ما عملتهاش.”

أحمد بصله بغضب.

“يعني ياسمين ما ماتتش بسببك؟”

مراد هز رأسه.

“لا.”

طلع جهاز تسجيل صغير.

وحطه على الترابيزة.

“شغل التسجيل.”

…

أحمد ضغط الزر.

وظهر صوت محمود.

“خلصنا منها.”

صوت شخص تاني سأله:

“والبنت؟”

محمود رد:

“الحادث هيبان قضاء وقدر.”

“والطفل هنغير أوراقه.”

“ومراد هيلبس القض..ية.”

انتهى التسجيل.

المصنع كله سكت.

مراد قال:

“محمود استخدمني سنين.”

“ولما رفضت قتل الطفل… قرر يخلص مني أنا كمان.”

“ومن يومها وأنا باحاول أوصل الحقيقة.”

في اللحظة دي…

سمعنا صوت تصفيق.

لفينا.

لقينا محمود داخل ومعاه مسد..س.

“تمثيلية جميلة.”

“بس انتهت.”

رفع المسد..س ناحية أحمد.

لكن قبل ما يضرب…

دوّى صوت واحد.

رصاصة.

وقعت المسد..س من إيده.

الشرطة خرجت من كل ناحية.

“شرطة! ارمِ السلاح!”

حاول محمود يجري.

لكن اتقبض عليه.

وخلال أيام…

اعترف بكل حاجة.

اعترف إنه هو اللي زور التحاليل.

وهو اللي أخفى ملفات الولادة.

وهو اللي دبّر حادث ياسمين علشان يستولى على ثروتها.

وهو اللي حاول يقتل أحمد.

أما مراد…

فثبت إنه ارتكب جرائم مالية في الماضي، لكنه لم يكن مسؤولًا عن مقتل ياسمين أو خطف سامي من أجل إيذائه، بل احتفظ بأدلة كان يخاف أن يسلمها قبل أن يضمن القبض على محمود.

…

بعد ستة أشهر…

رجعت الحياة هادية.

أحمد باع نص أسهمه في الشركة.

وقال:

“الفلوس عمرها ما تستاهل أخسر عيلتي.”

بقى بيرجع البيت كل يوم قبل المغرب.

وسامي…

بقى يجري عليه أول ما يسمع صوت عربيته.

“بابا جه!”

وأنا…

كنت بقف أتفرج عليهم من بعيد.

وأحمد كل مرة يبصلي يبتسم ويقول:

“إنتِ السبب إن ابني رجعلي.”

الحاج شريف عاش معانا في بيت قريب.

وأخيرًا عوض السنين اللي اتحرم فيها من حفيده.

أما أمينة…

فبقت مديرة لدار الرعاية نفسها.

وقالت:

“ولا طفل هيضيع تاني طول ما أنا موجودة.”

…

بعد سنة كاملة…

عملنا حفلة عيد ميلاد سامي الرابعة.

البيت كان مليان ضحك.

وأطفال.

وبلالين.

وسامي طفى الشموع وهو بينادي:

“ماما… بابا… تعالى جنبي.”

وقفنا إحنا الاتنين وراه.

حط إيده الصغيرة في إيدينا.

وقال بكل براءة:

“أنا أسعد ولد في الدنيا.”

بصيت لأحمد.

لقيته بيبتسم ودموعه في عينه.

بعد عشر سنين من انتظار كلمة “بابا”…

وبعد رحلة مليانة خوف وأسرار…

اكتشفنا إن الأبوة مش بالدم وحده.

ولا الأمومة بالولادة فقط.

العيلة الحقيقية…

هي الناس اللي تختار تحارب علشان بعضها، مهما كان الثمن.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *