حفيدتي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث: المواجهة الأولى

 

تكرر جرس الباب مرة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

ثم بدأت الطرقات العنيفة تهز الباب نفسه.

 

نظر أحمد إليّ.

 

ونظرت إليه.

 

كلاهما فهم الشيء نفسه.

 

ريم لم تأتِ صدفة.

 

وكأنها شعرت أن شيئًا ما انكشف.

 

وقف أحمد واتجه نحو الباب.

 

بينما أغلقت أنا شاشة الكمبيوتر بسرعة.

 

وعندما فتح الباب، دخلت ريم دون أن تنتظر دعوة.

 

كانت تتنفس بسرعة.

 

وعيناها تتحركان في أرجاء المنزل.

 

ثم قالت مباشرة:

 

“مريم فين؟”

 

رفع أحمد حاجبيه.

 

“ليه؟”

 

قالت بسرعة:

 

“صحيت من النوم ومش لقيتها.”

 

أجاب:

 

“مريم عند الجارة بتلعب.”

 

في الحقيقة لم تكن هناك.

 

كنت قد تركتها مع أختي قبل ساعات.

 

لكن أحمد فهم أننا لا نستطيع المخاطرة الآن.

 

تنهدت ريم قليلًا.

 

لكنها لم تبدُ مرتاحة.

 

ثم التفتت نحوي.

 

وقالت بابتسامة متوترة:

 

“حضرتك كويسة؟”

 

أومأت برأسي.

 

لكنها كانت تراقبني بطريقة غريبة.

 

وكأنها تحاول معرفة شيء ما.

 

فجأة قالت:

 

“هو فيه حاجة حصلت؟”

 

رد أحمد:

 

“زي إيه؟”

 

قالت:

 

“مش عارفة… حاسة إنكم متوترين.”

 

سادت لحظة صمت ثقيلة.

 

ثم قال أحمد فجأة:

 

“إيه اللي حصل بينك وبين مريم؟”

 

تجمدت ريم.

 

ولو لثانية واحدة فقط.

 

لكنني رأيته.

 

ورآه أحمد أيضًا.

 

ارتباك صغير جدًا.

 

سرعان ما أخفته.

 

ثم ضحكت.

 

“يعني إيه؟”

 

قال أحمد:

 

“يعني البنت بطلت تتكلم.”

 

“وبقت بتخاف منك.”

 

“وبقت تسجل كلام وهي بتعيط.”

 

اختفت الابتسامة من وجه ريم.

 

ببطء.

 

وقالت:

 

“مين قالك الكلام ده؟”

 

رد أحمد:

 

“جاوبي.”

 

بدأت نبرة صوتها ترتفع.

 

“أنا اللي بأكلها.”

 

“أنا اللي بلبسها.”

 

“أنا اللي بصحى معاها.”

 

“وفي الآخر أبقى أنا الوحشة؟”

 

لكن أحمد هذه المرة لم يتراجع.

 

فتح الكمبيوتر.

 

وضغط على التسجيل الأخير.

 

وانطلق صوت مريم الباكي في الغرفة.

 

ثم صوت ريم:

 

“لو حكيتي لحد… تيتا هتروح عند ماما سلمى.”

 

تحول لون وجه ريم إلى الأبيض.

 

ولثوانٍ طويلة لم تتكلم.

 

ثم قالت بسرعة:

 

“ده مش زي ما أنتم فاهمين.”

 

أجاب أحمد:

 

“أمال إزاي؟”

 

قالت:

 

“كنت بهزر.”

 

نظرت إليها غير مصدقة.

 

تهدد طفلة صغيرة بموت جدتها… واسمها مزحة؟

 

لكن الأسوأ كان ما حدث بعدها.

 

لأن ريم بدأت تبكي.

 

بشكل مفاجئ.

 

وانهارت على الكرسي.

 

وقالت:

 

“أنا تعبت.”

 

“تعبت جدًا.”

 

نظر إليها أحمد بحذر.

 

أما أنا فلم أنطق.

 

ثم قالت وهي تمسح دموعها:

 

“كل يوم مريم تقولي عايزة ماما.”

 

“كل يوم تقارن بيني وبين سلمى.”

 

“كل يوم تحضن صورها.”

 

“أنا حاولت أحبها.”

 

“والله حاولت.”

 

كانت كلماتها تحمل شيئًا من الحقيقة.

 

لكني كنت أسمع شيئًا آخر خلفها.

 

غيرة.

 

غيرة من امرأة ماتت.

 

ومن طفلة لا تريد أن تنساها.

 

قال أحمد بهدوء:

 

“عشان كده خوفتيها؟”

 

هنا سقط القناع.

 

لثانية واحدة فقط.

 

ظهرت القسوة في عينيها.

 

وقالت:

 

“وأنا أعمل إيه؟”

 

“أفضل طول عمري عايشة في ظل واحدة ميتة؟”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل جدًا.

 

ثم وقفت.

 

وأدركت أن المشكلة أعمق مما تخيلنا.

 

ريم لم تكن تكره مريم.

 

كانت تكره ذكرى سلمى نفسها.

 

كل صورة.

 

كل لعبة.

 

كل حكاية.

 

كل شيء يذكرها بأن قلب أحمد كان مليئًا بامرأة أخرى قبلها.

 

وفجأة…

 

رن هاتف أحمد.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم تغير وجهه فجأة.

 

سألته:

 

“فيه إيه؟”

 

رفع الهاتف ببطء.

 

وقال:

 

“المدرسة.”

 

رد بسرعة.

 

وبعد ثوانٍ فقط شحب وجهه تمامًا.

 

ثم وقف من مكانه.

 

“إيه؟!”

 

صرخت الموظفة في الطرف الآخر بشيء لم نسمعه.

 

لكننا رأينا الرعب في عينيه.

 

أغلق الهاتف.

 

والتفت نحونا.

 

وقال بصوت مرتجف:

 

“مريم اختفت.”

 

توقفت أنفاسي.

 

أما ريم فبدت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

 

ثم أكمل أحمد:

 

“خرجت من الفصل وقت الفسحة.”

 

“ومن ساعتها محدش شافها.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

تذكرت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

 

في أحد التسجيلات القديمة.

 

كانت مريم قد همست جملة قصيرة جدًا.

 

جملة لم ننتبه لها وقتها.

 

قالت:

 

“لو زعلت قوي… هروح للمكان اللي كانت ماما بتحب توديني ليه.”

 

وكان هناك مكان واحد فقط…

 

مكان كانت سلمى تأخذها إليه كل أسبوع.

 

مكان بعيد عن المدينة.

 

ولا يعرفه تقريبًا إلا أفراد العائلة.

 

عندها نظرت إلى أحمد.

 

وهمست:

 

“أعتقد إني عرفت هي راحت فين.”

الفصل الرابع: المكان السري

 

“فين؟!”

 

سأل أحمد وهو يكاد يصرخ.

 

أخذت نفسًا عميقًا.

 

وقلت:

 

“الحديقة القديمة عند البحيرة.”

 

تجمد للحظة.

 

ثم اتسعت عيناه.

 

طبعًا.

 

كيف لم يتذكر؟

 

كانت سلمى تأخذ مريم هناك كل يوم جمعة تقريبًا.

 

حديقة صغيرة قديمة على أطراف المدينة.

 

فيها بحيرة صناعية وعدد قليل من المقاعد الخشبية.

 

مكان هادئ بعيد عن الزحام.

 

وكانت سلمى تسميه دائمًا:

 

“مكاننا السري.”

 

من شدة حب مريم للمكان، كانت ترسمه باستمرار.

 

حتى بعد وفاة أمها.

 

قفز أحمد نحو الباب.

 

“يلا.”

 

بعد أقل من عشر دقائق كنا داخل السيارة.

 

أما ريم فخرجت خلفنا.

 

وقالت بلهفة:

 

“أنا جاية معاكم.”

 

لكن أحمد نظر إليها نظرة باردة لم أرها من قبل.

 

وقال:

 

“لأ.”

 

تجمدت مكانها.

 

ثم أغلق الباب وانطلقت السيارة.

 

طوال الطريق لم ينطق أحد.

 

كان القلق يلتهمنا.

 

كل دقيقة تمر كانت تبدو ساعة كاملة.

 

بدأت الشمس تميل نحو الغروب.

 

والهواء صار أبرد.

 

وفي رأسي كانت تدور مئات الاحتمالات.

 

مريم طفلة صغيرة.

 

خائفة.

 

وحزينة.

 

ومكسورة القلب.

 

وعندما يصل الأطفال إلى هذه المرحلة يفعلون أشياء لا يتوقعها أحد.

 

وصلنا أخيرًا.

 

قفز أحمد من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا.

 

وأخذ يجري بين الأشجار.

 

وهو ينادي:

 

“مريم!”

 

“مريم!”

 

لكن لم يرد أحد.

 

بدأ الخوف الحقيقي يظهر على وجهه.

 

بحثنا عند البحيرة.

 

وخلف الأشجار.

 

وعند الألعاب القديمة.

 

ولا أثر لها.

 

ثم فجأة…

 

سمعت شيئًا.

 

صوتًا خافتًا جدًا.

 

كأنه بكاء.

 

رفعت يدي.

 

“اسكت.”

 

توقف أحمد.

 

أنصتنا.

 

وجاء الصوت مرة أخرى.

 

ركضنا ناحية مصدره.

 

خلف صف من الأشجار الكثيفة.

 

وهناك…

 

وجدناها.

 

كانت جالسة على الأرض.

 

تضم الدبدوب إلى صدرها.

 

ورأسها مدفون بين ركبتيها.

 

تبكي بصمت.

 

شهق أحمد.

 

وركض نحوها.

 

“مريم!”

 

رفعت رأسها.

 

وبمجرد أن رأته…

 

انفجرت في البكاء.

 

ذلك البكاء الذي كانت تحبسه شهورًا كاملة.

 

ارتمت بين ذراعيه.

 

وظلت تبكي دون توقف.

 

أما أحمد فكان يبكي هو الآخر.

 

ويقبل رأسها ويديها.

 

ويكرر:

 

“سامحيني.”

 

“سامحيني يا بنتي.”

 

“أنا آسف.”

 

كانت تلك أول مرة أراه منهارًا بهذا الشكل منذ وفاة سلمى.

 

لكن المفاجأة جاءت بعد دقائق.

 

عندما هدأت مريم قليلًا.

 

ونظرت إلى والدها.

 

وقالت أول جملة كاملة منذ شهور:

 

“بابا… أنا كنت فاكرة إنك مش هتصدقني.”

 

توقف الزمن للحظة.

 

حتى أنا شعرت بالدموع تملأ عيني.

 

أحمد احتضنها بقوة أكبر.

 

وقال:

 

“أصدقك.”

 

“أقسم بالله أصدقك.”

 

ثم أضاف بصوت مكسور:

 

“قوليلي كل حاجة.”

 

نظرت مريم إلى الأرض.

 

ثم بدأت تحكي.

 

ببطء.

 

وتقطع.

 

لكن كل كلمة كانت كالسهم.

 

حكت كيف كانت ريم تخفي صور سلمى.

 

وكيف كانت تمنعها من الحديث عنها.

 

وكيف كانت تغضب كلما نادت أمها باسمها.

 

وكيف كانت تخبرها باستمرار أن عليها أن تنسى الماضي.

 

لكن أكثر شيء هزنا…

 

كان ما قالته بعد ذلك.

 

قالت:

 

“هي كانت تدخل أوضة ماما بالليل.”

 

نظرنا لبعضنا بدهشة.

 

سأل أحمد:

 

“أوضة ماما؟”

 

هزت رأسها.

 

“الأوضة اللي فيها حاجات ماما.”

 

غرفة سلمى القديمة.

 

التي أبقاها أحمد مغلقة تقريبًا منذ وفاتها.

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

سألتها:

 

“بتعمل إيه هناك؟”

 

هنا ازدادت حيرتنا.

 

لأن مريم قالت:

 

“كانت تدور على حاجة.”

 

“كل ليلة.”

 

“وتقول إنها لازم تلاقيها.”

 

سأل أحمد:

 

“حاجة إيه؟”

 

لكن مريم هزت رأسها.

 

“معرفش.”

 

ساد الصمت.

 

وفجأة تذكرت شيئًا.

 

قبل أشهر قليلة من وفاة سلمى.

 

كانت قد أخبرتني عن صندوق صغير.

 

صندوق خشبي كانت تحتفظ فيه بأوراق مهمة جدًا.

 

وقالت لي يومها:

 

“لو حصل لي حاجة يومًا ما… الصندوق ده هيكشف حاجات كتير.”

 

لكنها لم تخبرني أين أخفته.

 

وبعد وفاتها لم نجده أبدًا.

 

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

 

هل يمكن أن تكون ريم تبحث عن الصندوق نفسه؟

 

وهل كانت تعرف بوجوده أصلًا؟

 

نظرت إلى أحمد.

 

ومن الواضح أنه تذكر نفس الحديث.

 

لأن وجهه شحب فجأة.

 

ثم قال:

 

“لازم نرجع البيت حالًا.”

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

نظر إليّ مباشرة.

 

وقال:

 

“لأن لو ريم بتدور على الصندوق…”

 

ثم ابتلع ريقه بصعوبة.

 

“…يبقى فيه سر كانت سلمى مخبياه عن الكل.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

رن هاتف أحمد.

 

كان اتصالًا من أحد الجيران.

 

رد بسرعة.

 

ثم اتسعت عيناه من الرعب.

 

وقال:

 

“إيه؟!”

 

قفزت من مكاني.

 

“فيه إيه؟”

 

أغلق الهاتف ببطء.

 

ثم نظر إلينا.

 

وقال الجملة التي جعلت قلوبنا تتوقف:

 

“حد كسر باب أوضة سلمى… من أقل من ساعة.”

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *