اغماء حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
وقفت قدامه وأنا بحاول أتمالك أعصابي.
“يعني هنفضل مستخبيين؟”
رد سيف بهدوء:
“لا.”
“أمال؟”
“إحنا اللي هنروح لهم.”
بصيت له بعدم فهم.
“إنت لسه من شوية كنت بتقول إنه فخ.”
هز رأسه.
“أيوه.”
“إزاي هنروح؟”
اقترب من الشاشة الكبيرة المعلقة على الحائط.
ضغط زرًا صغيرًا.
فانفتح جزء من الحائط.
وظهر خلفه غرفة كاملة مليانة شاشات وخرائط وأجهزة اتصال.
اتسعت عيناي.
“إيه ده؟”
ابتسم لأول مرة.
“دي غرفة العمليات.”
بدأ أحد الرجال يعرض خريطة على الشاشة.
وقال:
“الرسالة خرجت من مخزن قديم في المنطقة الصناعية.”
سألت بسرعة:
“يبقى بابا هناك؟”
رد سيف:
“مش بالضرورة.”
“إيه قصدك؟”
“الناس دي عمرها ما تحط الورقة اللي بتلعب بيها في نفس المكان.”
كنت حاسة إني دخلت فيلم.
لكن الخوف كان حقيقي.
سيف التفت لأحد رجاله.
وقال:
“جهزوا الفريق الأول.”
ثم التفت للتاني.
“والفريق التاني يلف من الناحية الغربية.”
بعدها بصلي.
“أما إنتِ…”
“هتفضلي هنا.”
اعترضت فورًا.
“مستحيل.”
“أنا السبب في كل ده.”
“وعشان كده بالذات مش هتخرجي.”
اتعصبت.
“إنت مالك بيا أصلًا؟”
سكت.
بص في الأرض شوية.
ثم قال:
“لأني وعدت أبوكي.”
“وعد؟”
فتح درج مكتبه.
طلع ورقة قديمة.
كانت مكتوبة بخط إيد أبويا.
قرأ منها بصوت منخفض:
«”لو أنا اختفيت… أو مت…”»
«”اعتبر ليلى بنتك.”»
حسيت دموعي نزلت مرة تانية.
سيف قفل الورقة بسرعة.
وقال:
“أنا فشلت أحميه.”
“لكن مش هفشل أحميكي.”
قبل ما ألحق أرد…
سمعنا دوشة في الخارج.
ودخل أحد الحراس وهو بيجري.
“يا باشا!”
“فيه مشكلة.”
سيف لف بسرعة.
“إيه؟”
“واحدة ست وصلت البوابة.”
“بتقول إنها عايزة تشوف الآنسة ليلى.”
استغربت.
“مين؟”
رد الحارس:
“بتقول إنها أمها.”
اتجمدت.
“أمي؟”
أنا أمي ماتت وأنا صغيرة.
أو على الأقل…
ده اللي أبويا كان بيقوله.
بصيت لسيف.
لقيته مش متفاجئ.
سألته:
“إنت تعرف؟”
سكت.
وده كان أسوأ رد ممكن أسمعه.
صرخت فيه:
“قول الحقيقة!”
تنهد طويلًا.
وقال:
“أمك ما ماتتش.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجليا.
“إيه؟!”
“كانت مضطرة تختفي.”
“ليه؟”
“علشان تحميكي.”
ضحكت بمرارة.
“هو أنتوا كلكم بتحموني بالطريقة دي؟”
“أبويا اختفى.”
“وأمي اختفت.”
“وأنت بتراقبني من سنتين.”
“وأنا الوحيدة اللي عايشة في ضلمة.”
في اللحظة دي…
دخلت الست إلى القصر.
كانت في أواخر الأربعينات.
ملامحها مرهقة.
لكن أول ما عينيها وقعت عليا…
انهارت في البكاء.
جريت ناحيتي.
لكن الحراس وقفوا قدامها.
رفعت إيدي.
“سيبوها.”
وقفت قدامي.
وكانت بترتعش.
مدت إيدها ناحية وشي.
ثم قالت بصوت مكسور:
“كبرتي يا بنتي.”
كنت واقفة مش عارفة أعمل إيه.
قلبي بيقول حضنيها.
وعقلي بيقول اهربي.
قلت بصوت بارد:
“حضرتك مين؟”
بكت أكتر.
وقالت:
“أنا أمك.”
سألتها:
“سيبتوني ليه؟”
قبل ما ترد…
سمعنا صوت رصاصة.
كسرت الزجاج الضخم خلفها.
وانطفت الأنوار في القصر كله.
بدأت أجهزة الإنذار تصرخ.
وسيف جذبني بسرعة إلى الأرض.
وهو يصرخ في رجاله:
“قناصة!”
ثم رفع رأسه للحظة، وبص من خلال الزجاج المكسور.
وفجأة…
اتغير لون وشه.
همس بصوت منخفض:
“مستحيل…”
سألته:
“في إيه؟”
رد وهو ما زال ينظر للخارج:
“القناص…”
“مش جاي يق*تلك إنتِ.”
“القناص جاي يق*تل أمك.”
الفصل الرابع
قبل ما أستوعب كلام سيف…
شدني من إيدي بقوة.
“انزلي!”
وفي نفس اللحظة…
اخترقت رصاصة تانية الزجاج.
واصطدمت بالحائط خلف المكان اللي كانت واقفة فيه أمي قبل ثانية واحدة.
صرخت.
أما هي…
فوقعت على الأرض وهي بتغطي رأسها بإيديها.
الحراس انتشروا في ثوانٍ.
كل واحد أخد مكانه.
وسيف كان واقف قدامي كأنه درع.
مش شايف غيري.
سمعته بيقول في السماعة:
“حددوا مكان القناص.”
رد أحد الرجال:
“فوق المبنى المقابل.”
“الفريق بيتحرك.”
مرت ثوانٍ طويلة.
بعدين…
سمعنا صوت ثلاث طلقات متتالية.
وبعدها الصمت.
دخل أحد الحراس وهو بيجري.
“المكان فاضي.”
سيف عقد حاجبيه.
“هرب؟”
“أيوه يا باشا.”
تنهد سيف.
“كان مجرد إنذار.”
بصيت لأمي.
كانت لسه بتترعش.
قعدت جنبها.
وسألتها:
“مين عايز يق*تلك؟”
رفعت عينيها ليا.
وكان فيها كمية خوف عمرى ما شفتها.
قالت:
“الناس اللي أخدوا أبوكي.”
اتجمدت.
“يعني بابا…”
قاطعتني بسرعة.
“أبوكي لسه عايش.”
“أنا شوفته من أسبوع.”
قفزت واقفة.
“إيه؟!”
هزت رأسها.
“هو اللي طلب مني أجيلك.”
سيف تدخل لأول مرة.
“هو فين؟”
ردت وهي بتبكي.
“مش هقدر أقول.”
اتعصب.
“ليه؟”
“لأنهم زرعوا جهاز تتبع معايا.”
سكتت القاعة كلها.
الحراس بصوا لبعض.
سيف قال بسرعة:
“فتشوها.”
بدأت طبيبة القصر تفحصها.
وبعد دقائق…
طلعت شريحة إلكترونية صغيرة جدًا.
كانت مزروعة تحت جلد كتفها.
بصيت للشريحة وأنا مصدومة.
قالت أمي:
“كانوا بيراقبوا كل خطوة.”
سيف ضغط على أسنانه.
“يبقى عرفوا مكاننا.”
وكأنه كان مستني الجملة دي…
بدأت كل شاشات المراقبة تومض باللون الأحمر.
صوت الإنذار رجع يشتغل.
وأحد الحراس صرخ:
“يا باشا…”
“أكتر من عشر عربيات داخلين ناحية القصر.”
جريت ناحية الشباك.
شفت صف طويل من العربيات السوداء.
داخلين بسرعة.
عددهم كبير.
أكبر من أي حاجة شفتها قبل كده.
قلت بخوف:
“هنعمل إيه؟”
بصلي سيف.
وكان هادئ بشكل غريب.
قال:
“الخطة التانية.”
استغربت.
“خطة إيه؟”
ابتسم لأول مرة.
“أنا باني القصر ده علشان اليوم ده.”
ضغط زر صغير في ساعته.
وفجأة…
أرضية الصالة اتحركت.
وظهر سلم حديدي نازل لتحت.
بصلي وقال:
“انزلي.”
“وأنت؟”
“هفضل فوق.”
مسكت إيده.
“لأ.”
ابتسم.
“أنا وعدت أبوكي أحميكي.”
“ومش هخلف وعدي.”
بدأ الحراس ينزلوا أمي.
وأنا كنت آخر واحدة.
لكن قبل ما أنزل…
بصيت لسيف.
كان واقف لوحده في وسط القصر.
لابس بدلته السودا.
وإيده في جيبه.
كأنه مستني ضيوف.
وفي اللحظة اللي الباب الحديد اتقفل علينا…
سمعنا صوت البوابة الرئيسية وهي بتتحطم.
ثم…
دوى إطلاق نار كثيف في أنحاء القصر.
قعدت على السلم وأنا بترتعش.
كل دقيقة كانت بتمر كأنها ساعة.
وبعدين…
سمعنا صمتًا تامًا.
لا رصاص.
ولا صريخ.
ولا أي صوت.
بصيت لأمي.
قالت وهي مرعوبة:
“إيه اللي حصل؟”
لكن قبل ما حد يرد…
اتفتح الباب الحديد ببطء.
وقفنا كلنا.
قلوبنا كانت هتقف.
وظهر شخص واقف في الضلمة.
كان لابس بدلة سودا.
وشكله كله تراب.
ماكناش شايفين ملامحه.
قرب خطوة.
ثم قال بصوت هادئ:
“اطلعوا…”
تنفست الصعداء.
عرفت إنه سيف.
لكن أول ما خرج للنور…
شهقت.
لأن البدلة كلها كانت مغطاة بالدم.
ومع ذلك…
كان واقف على رجليه.
بصلي بهدوء وقال:
“متخافيش…”
“الدم ده…”
“مش دمي.”
ثم مد إيده ليا.
وقال الجملة اللي خلت أمي تنهار من البكاء:
“أبوكي مستنينا…
ولازم نوصله قبل الفجر.”