خنت زوجتي حكايات اسما ×8
الفصل الثامن
فضلت واقف جنب سرير سارة.
حاسس إن كل حقيقة كنت بتمسك فيها بتتفكك قدامي.
كل ما أفتكر إني قربت أفهم…
تطلع طبقة جديدة من الأسرار.
بصيت لها.
وقلت ببطء:
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
ـ فؤاد منصور مات من تلاتين سنة؟
هزت رأسها بتعب.
وقالت:
ـ الحقيقة دي اكتشفتها بالصدفة.
قربت الكرسي وقعدت.
أما المحامي عادل فوقف عند الباب.
مراقب.
صامت.
قالت سارة:
ـ فاكر لما قلتلك إني كنت بجمع معلومات من شهور؟
ـ أيوه.
ـ كنت بدور ورا هشام.
في الأول عشان المراقبة.
بعدين عشان التهديدات.
لكن كل ما كنت أوصل لخيط…
كان يقودني لشخص تاني.
مش هشام.
حد أكبر.
حد أقدم.
حد موجود من قبل ما هشام يتولد أصلًا.
شعرت بقشعريرة.
قالت:
ـ وأنا بدور في أرشيف قديم اكتشفت شهادة وفاة.
قلت:
ـ شهادة وفاة مين؟
همست:
ـ فؤاد منصور.
اتجمدت.
ـ مستحيل.
ـ دي كانت أول كلمة قولتها أنا كمان.
ثم أكملت:
ـ شهادة رسمية.
مختومة.
ومسجلة.
وتاريخها قبل أكتر من تلاتين سنة.
سكتت.
ثم قالت:
ـ يعني الراجل اللي عاش طول السنين دي باسم فؤاد…
ما كانش فؤاد.
كان شخص تاني.
قلت:
ـ مين؟
أغمضت عينيها.
وقالت:
ـ لسه ما عرفتش اسمه الحقيقي.
لكن عرفت حاجة أخطر.
ـ إيه؟
قالت:
ـ إنه كان موجود يوم حادث ليلى.
نزل الصمت علينا.
ثقيل.
مرعب.
ثم أكملت:
ـ ومش بس موجود.
كان سبب الحادث.
حسيت إن الدم جرى أسرع في عروقي.
ـ عندك دليل؟
ـ كان عندي.
ابتسمت بحزن.
ـ قبل ما يسرقوه.
سكتنا.
ثم قالت:
ـ لكن الراجل نفسه اعترفلي.
رفعت رأسي بسرعة.
ـ اعترفلك؟
ـ قبل ما يموت.
اتسعت عيناي.
ـ يعني إنتِ كنتِ معاه؟
هزت رأسها.
ـ الأيام اللي فاتت كلها.
شعرت بالدوار.
كلنا كنا بندور عليها.
وهي كانت مع أخطر شخص في الحكاية.
قالت:
ـ هو اللي بعتلي الرسائل المجهولة.
ـ هو؟
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ لأنه كان عايز يوصل للحقيقة قبل ما يموت.
صمتت لحظة.
ثم أكملت:
ـ كان عنده سرطان متأخر.
وعارف إن نهايته قربت.
وعايز يخرج من الدنيا وهو شايل ذنبه أقل شوية.
بصيت للأرض.
ثم سألت:
ـ وهشام؟
دموعها لمعت.
وقالت:
ـ هشام ضحية أكتر مما تتخيل.
الكلمة فاجأتني.
هشام؟
ضحية؟
بعد كل اللي عمله؟
لكنها أكملت:
ـ الراجل ده رباه من طفولته.
ـ يعني؟
ـ يعني هشام عاش عمره كله على أكاذيب.
كل يوم.
كل سنة.
كل ذكرى.
كل حاجة.
كان بيتقال له إن عيلتك سرقت أبوه.
وإن سارة حقه.
وإن الانتقام واجب.
شعرت ببرودة في أطرافي.
قالت:
ـ تخيل طفل يتربى على فكرة واحدة لمدة ثلاثين سنة.
هيصدقها ولا لأ؟
ما رديتش.
لأن الإجابة واضحة.
قالت:
ـ أنا مش ببرر اللي عمله.
لكن فيه فرق بين الوحش…
وبين الإنسان اللي اتربى جوه قفص من الأكاذيب.
سكتت.
ثم أضافت:
ـ المشكلة إنه لما عرف الحقيقة…
كان خلاص اتكسر.
رفعت رأسي بسرعة.
ـ عرفها إمتى؟
ـ من أسبوع.
نفس الكلام اللي قاله في التليفون.
“أنا عرفت الحقيقة من أسبوع.”
إذًا كان صادقًا.
قالت:
ـ الراجل اعترف له بكل حاجة.
اعترف إنه خدع أبوه.
وخدعه هو.
وخدع الكل.
قلت:
ـ وبعدها؟
سارة أغمضت عينيها.
وقالت:
ـ بعدها هشام اختفى.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
ـ اختفى؟
ـ أيوه.
ومن وقتها بقى أخطر من أي وقت فات.
في تلك اللحظة دخل الدكتور.
طلب من سارة الراحة.
وخرجنا برا.
وقفت أنا والمحامي في الممر.
قلت:
ـ يعني كل اللي عرفناه لحد دلوقتي ممكن يكون غلط؟
قال:
ـ أو ناقص.
وده أخطر.
وفجأة…
ظهر كريم من آخر الممر.
كان بيجري.
وشه متوتر.
وفي إيده اللابتوب.
أول ما وصل قال:
ـ لقيتها.
ـ لقيت إيه؟
فتح الشاشة.
وقال:
ـ الهوية الحقيقية.
أنا والمحامي قربنا فورًا.
ظهرت صورة قديمة.
بالأبيض والأسود.
وثلاثة رجال واقفين جنب بعض.
أحدهم كان أبويا.
والثاني فؤاد منصور الحقيقي.
أما الثالث…
فكان نفس الرجل اللي مات.
الرجل اللي عاش باسم فؤاد.
قلت:
ـ مين ده؟
قال كريم:
ـ اسمه نجيب كامل.
اتجمدت.
الاسم ما كانش مألوف.
لكن المحامي فجأة شحب وجهه.
قلت:
ـ تعرفه؟
هز رأسه ببطء.
ـ سمعت عنه.
ـ مين؟
قال:
ـ كان محاسب.
لكن مش أي محاسب.
كان مسؤول عن كل استثمارات المشروع القديم.
شعرت بقشعريرة.
ـ يعني كان موجود من البداية.
ـ أيوه.
قال كريم:
ـ والأغرب من كده…
فتح ملفًا آخر.
ـ شوفوا ده.
ظهرت صورة حديثة.
من كاميرات مراقبة.
رجل يدخل أحد البنوك.
قلت فورًا:
ـ ده نجيب.
قال كريم:
ـ لا.
الصورة دي من ست شهور.
يعني قبل ما يموت.
صمت.
ثم أكمل:
ـ ومعاه مين؟
كبر الصورة.
وتجمدنا جميعًا.
لأن الشخص الواقف بجانبه كان…
هشام.
يعني هشام كان يعرفه.
من قبل الاعتراف الأخير.
من قبل أسبوع.
من قبل كل شيء.
شعرت أن الأرض تميد تحتي.
قال المحامي:
ـ يبقى كدب.
قلت:
ـ مين؟
ـ هشام.
لما قال إنه عرف الحقيقة من أسبوع.
كان كداب.
أو على الأقل…
ما قالش الحقيقة كاملة.
قبل أن أرد…
رن هاتفي.
رقم خاص.
مجهول.
نظرت للمحامي.
ثم رددت.
جاء صوت هشام.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
متعبًا.
مكسورًا.
ولأول مرة…
خائفًا.
قال:
ـ رامي…
اتجمدت.
ـ إيه؟
سكت ثانية.
ثم قال:
ـ هم لاقوك أسرع مما توقعت.
شعرت بقلبي ينقبض.
ـ مين؟
جاء صوته منخفضًا.
مرعوبًا.
ـ لو كنت فاكر إن الحكاية كانت بيني وبينك…
فإنت لسه ما فهمتش حاجة.
سكت.
ثم أضاف:
ـ اهرب.
اتسعت عيناي.
ـ إيه؟
ـ خُد سارة واهرب.
دلوقتي.
صرخت:
ـ هشام!
لكن صوته جاء متقطعًا.
كأنه يجري.
أو يختبئ.
ثم قال جملة واحدة فقط:
ـ نجيب ما كانش لوحده…
وفي الخلفية سمعنا صوت انفجار.
وصراخًا.
ثم انقطع الاتصال.
تمامًا.
وفي نفس اللحظة…
دوى إنذار حريق داخل المستشفى.
وانطفأت الأنوار في الطابق بالكامل.
وساد الظلام.
الفصل التاسع
انطفأت الأنوار.
في لحظة واحدة.
الممر كله غرق في الظلام.
ثم اشتغلت أضواء الطوارئ الحمراء.
لونها الدموي انعكس على الحوائط.
وخلى المكان كله يبدو كأنه خارج من كابوس.
سمعنا صوت الإنذار يصرخ في كل اتجاه.
مرضى بيصرخوا.
ممرضات بتجري.
أبواب بتتفتح وتتقفل.
أما أنا…
فأول حاجة جت في دماغي كانت سارة.
لفيت ناحية غرفتها وجريت.
المحامي وكريم ورايا.
وصلت الباب.
فتحته بعنف.
واتجمدت.
السرير كان فاضي.
فاضي تمامًا.
الغطاء مرمي على الأرض.
والمحلول متشال.
وسارة اختفت.
حسيت إن قلبي وقع في معدتي.
صرخت:
ـ سارة!
مفيش رد.
دخلت أفتش الحمام.
فاضي.
تحت السرير.
فاضي.
كأنها تبخرت.
وصلت ممرضة وهي بتلهث.
قلت:
ـ فين المريضة اللي كانت هنا؟
بصتلي بخوف.
وقالت:
ـ أخدوها.
ـ مين؟
ـ معرفش.
كانوا لابسين زي أطباء.
لكن أنا عمري ما شوفتهم هنا.
شعرت ببرودة قاتلة.
ـ إمتى؟
ـ من دقيقتين.
دقيقتين.
يعني كانوا بيتحركوا وقت ما الإنذار اشتغل.
وقت ما كل الناس اتشغلت.
وقت ما الأنوار طفت.
كل شيء كان مرتب.
متخطط.
محسوب.
قال كريم فجأة:
ـ الكاميرات.
جريت معاه لغرفة الأمن.
لكن لما وصلنا لقينا الموظفين في حالة ارتباك.
النظام كله وقع.
التسجيلات اختفت.
وأجهزة المراقبة اتقفلت قبل الحادث بدقائق.
نفس الأسلوب.
نفس الاحتراف.
نفس التخطيط.
وقفت وسط الفوضى.
وشعرت بالعجز.
مرة تانية.
سارة ضاعت من بين إيديا.
مرة تانية.
لكن فجأة تذكرت شيئًا.
آخر كلمة قالها هشام.
“اهرب.”
ما كانش بيهدد.
كان بيحذر.
أول مرة من بداية القصة.
كان صوته فعلاً خائف.
قلت للمحامي:
ـ هشام كان عارف.
نظر لي.
ـ وأنا بدأت أصدق ده.
في تلك اللحظة وصل إشعار على هاتف كريم.
فتح الشاشة.
ثم رفع رأسه بسرعة.
ـ حد بعت إيميل.
ـ مين؟
ـ مجهول.
فتح الرسالة.
كانت قصيرة جدًا.
سطر واحد فقط.
“لو عايزين سارة… روحوا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.”
نظرت للشاشة.
ثم للمحامي.
ثم قلت:
ـ المشروع القديم.
هز رأسه.
ـ غالبًا.
أخذنا السيارة وانطلقنا.
طوال الطريق كنت أحاول تجميع القطع.
لكن كلما جمعتها تفرقت من جديد.
من هو نجيب فعلًا؟
من معه؟
ماذا يريدون بعد كل هذه السنوات؟
ولماذا ما زالوا يطاردون سارة؟
وصلنا إلى أطراف المدينة.
إلى الأرض القديمة.
المشروع الذي دمّر حياة الجميع.
الأرض التي خسر فيها أبو هشام ثروته.
والتي بدأت منها كل الكراهية.
كانت مهجورة.
صامتة.
لكننا لم نكن وحدنا.
كانت هناك سيارات كثيرة.
سوداء.
متوقفة حول الموقع.
ورجال ينتشرون في كل مكان.
قال المحامي بصوت منخفض:
ـ متأخرين.
اختبأنا خلف سور متهدم.
وأخذنا نراقب.
في منتصف الأرض كان يوجد مبنى إداري قديم.
تنبعث منه الإضاءة.
وتتحرك داخله ظلال أشخاص.
قال كريم:
ـ لازم ندخل.
لكن قبل أن نتحرك…
سمعنا صوت سيارة تقترب بسرعة.
التفتنا.
ثم اتسعت أعيننا.
السيارة توقفت بعنف.
ونزل منها شخص.
شخص لم أتوقع رؤيته.
هشام.
كان شكله مختلفًا تمامًا.
ملابسه ممزقة.
وجهه عليه آثار ضرب.
وشفته تنزف.
وكأنه هارب من معركة.
أو خارج منها لتوه.
نزل من السيارة وهو ينظر خلفه بتوتر.
ثم دخل المبنى بسرعة.
بصيت للمحامي.
قلت:
ـ لو كان معاهم… ما كانش هيبقى بالشكل ده.
هز رأسه.
ـ واضح إنه خرج من اللعبة.
أو حاول يخرج.
انتظرنا دقائق.
ثم تسللنا إلى الداخل.
المبنى كان قديمًا.
غرف مهجورة.
مكاتب مكسورة.
وأوراق متناثرة.
لكن الأصوات كانت تأتي من الطابق السفلي.
نزلنا السلم بحذر.
ومع كل درجة كانت دقات قلبي تزيد.
حتى وصلنا إلى قاعة كبيرة تحت الأرض.
وهناك…
رأينا كل شيء.
طاولة طويلة.
رجال يجلسون حولها.
أعمار مختلفة.
وجوه باردة.
وفي مقدمة القاعة كرسي.
مربوطة عليه سارة.
حية.
لكن مرهقة.
شعرت أنني سأندفع نحوها.
لكن المحامي أمسك ذراعي.
وأشار للصمت.
في مقدمة الطاولة كان يجلس رجل أصلع في السبعين من عمره.
لم أره من قبل.
لكن واضح أنه قائدهم.
كان يتكلم.
والباقون يستمعون.
قال بصوت هادئ:
ـ بعد موت نجيب الأمور خرجت عن الخطة.
شعرت بقشعريرة.
أكمل:
ـ لكننا ما زلنا نستطيع إنهاء كل شيء الليلة.
قال رجل آخر:
ـ وماذا عن هشام؟
ابتسم العجوز.
ابتسامة باردة.
وقال:
ـ هشام كان مفيدًا.
ثم أصبح مشكلة.
في تلك اللحظة…
خرج هشام من أحد الأبواب الجانبية.
دخل القاعة.
والجميع نظروا إليه.
وقف أمام الطاولة.
ووجهه متجهم.
وقال:
ـ سيبوها.
ساد الصمت.
العجوز رفع حاجبه.
ـ ماذا قلت؟
كرر هشام:
ـ قلت سيبوا سارة.
شعرت بأنفاسي تتوقف.
العجوز ضحك.
وقال:
ـ بعد كل هذه السنين؟
بعد كل ما فعلته؟
تريد أن تصبح بطلًا؟
قال هشام بصوت منخفض:
ـ أنا عملت أخطاء كتير.
لكن مش هسمح بده.
وقف العجوز ببطء.
ثم قال:
ـ للأسف.
أنت لا تملك حق القرار.
وفي لحظة واحدة…
رفع أحد الرجال سلاحًا.
ووجهه نحو هشام.
شعرت بالدم يتجمد في عروقي.
لكن ال
صدمة الحقيقية جاءت بعد ذلك بثانية.
لأن العجوز نظر مباشرة نحو المكان الذي نختبئ فيه.
وابتسم.
وقال:
ـ اتفضل يا رامي.
إحنا مستنيينك من زمان.
شعرت بأن الأرض اختفت تحت قدمي.
لم يكن فخًا بالصدفة.
لم يكتشفونا الآن.
هم كانوا يعلمون أننا قادمون.
من البداية.
ومن قبل أن أخطو خطوة واحدة داخل المبنى.
ثم أكمل العجوز بصوت هادئ مرعب:
ـ الحقيقة اللي بتدور عليها بقالك أسابيع…
هتعرفها الليلة.
لكن مش متأكد إنك هتقدر تعيش بعدها.
يتبع
