وحدي اسما السيد 2

بعد الجواز، اكتشفت إن أصعب حاجة مش إن الإنسان يلاقي الحب… أصعب حاجة إنه يصدق إنه يستحقه فعلًا.
في أول شهر بعد فرحي أنا وآدم، كنت بصحى أوقات في نص الليل على إحساس غريب… إحساس إني أكيد بحلم، وإن كل ده هينتهي فجأة برسالة باردة تانية أو باب يتقفل في وشي.
كنت أبص جنبي ألاقي آدم نايم بهدوء، إيده قريبة مني كأنه حتى وهو نايم خايف أختفي.
وساعات كنت أقوم أمشي ناحية شباك جناحنا في الفندق، أبص على النيل وأنوار القاهرة، وأفتكر نفسي من سنة بس… بنت قاعدة بفستان أخضر بين كرسيين فاضيين، مقتنعة إن حياتها خلصت قبل ما تبدأ.
وفي كل مرة، كنت أسمع صوت آدم ورايا يقول بنعاس: ـ ياسمين… تعالي نامي.
كأنه كل ليلة كان بيرجعني للحياة من جديد.
آدم ماكنش رومانسي بالطريقة اللي في الروايات. ماكانش يجيب ورد كل يوم ولا يكتب شعر. لكنه كان يعرف يعمل الحاجات الصغيرة اللي تداوي.
لو اتأخرت في الشغل، ينزل ياخدني بنفسه حتى لو عنده اجتماع مهم. لو تعبت، يقعد يسمعني وأنا أشتكي من الترجمة والكتب والمواعيد وكأنها أهم مشاكل العالم. لو خفت… يمسك إيدي بس، من غير ما يطلب تفسير.
وده كان جديد عليا.
كريم كان دايمًا يخليني أحس إني عبء. أما آدم فكان يخليني أحس إني اختيار.
بعد شهرين من الجواز، قررنا ننقل لشقة صغيرة في الزمالك بدل جناح الفندق.
الناس استغربت.
صحافة المجتمع كتبت إن “آدم النجار يعيش حياة متواضعة بعد زواجه من مترجمة مغمورة”.
الكلمة وجعتني شوية. مغمورة.
بس آدم ضحك لما قرأ الخبر وقال: ـ هما فاكرين الشهرة قيمة. ثم بصلي وأضاف: ـ لو عرفوا قيمتك الحقيقية كانوا خافوا منك.
الشقة كانت قديمة شوية، فيها بلكونة صغيرة بتطل على شجرة ياسمين حقيقية، وده خلاني أضحك أول ما شفتها.
قلت: ـ دي إشارة كونية رخيصة جدًا.
قال: ـ بس عجبتك.
وعجبِتني فعلًا.
بدأنا نبني حياة عادية بطريقة غريبة.
نتخانق على مين ينسى يطفي نور المطبخ. أزعق له عشان يسيب الفوط مرمية. يستفزني لأنه بيشرب القهوة من غير سكر ويقول إن “النضج مر”.
وفي وسط كل العادي ده… كنت لأول مرة سعيدة.
لكن الحياة لما تحس إنك ارتحت شوية… تبدأ تختبرك.
في ليلة شتوية، كنت راجعة من دار النشر، لقيت ماما بتتصل بيا بشكل هستيري.
رديت بسرعة: ـ في إيه؟
صوتها كان بيرتعش: ـ مريم في المستشفى.
قلبي وقف.
وصلت أنا وآدم المستشفى في عشرين دقيقة رغم الزحمة. لقيت شريف واقف برا غرفة العمليات ووشه أبيض.
أول ما شافني حضني وانهار.
ـ النزيف بدأ فجأة… والدكاترة دخلوا يولدوها بدري.
مريم كانت لسه في السابع.
قعدنا ساعات مستنيين.
أطول ساعات عشتها من يوم موت بابا.
كل الذكريات الوحشة رجعتلي: ريحة المستشفى. الكراسي البلاستيك. الإحساس إنك مستني خبر يغير حياتك.
آدم كان قاعد جنبي ساكت. كل شوية يحط كوباية قهوة في إيدي أو يسألني لو محتاجة حاجة.
ولما بدأت أعيط بصمت، قرب مني وهمس: ـ مش هتكون لوحدك في أي وجع تاني.
الجملة دي كسرتني أكتر.
بعد أربع ساعات، الدكتور خرج. الطفل دخل حضانة… لكن مريم بخير.
سجدت ماما في طرقة المستشفى وهي بتعيط. شريف فضل يبوس إيد الدكتور. وأنا كنت واقفة مش قادرة أتنفس من الراحة.
دخلت أشوف مريم بعد ما فاقت.
كانت ضعيفة جدًا، لكن أول ما شافتني ابتسمت.
قالت بصوت مبحوح: ـ شكلي وحش؟
ضحكت وسط دموعي: ـ لا… شبه بطاطساية مسلوقة بس.
ضحكت هي كمان، ثم بصتلي فجأة وقالت: ـ آدم برا؟
هزيت راسي.
قالت بهدوء: ـ اختاريتي صح يا ياسمين.
سكت. قالت: ـ الراجل اللي يحبك وقت خوفك… ده الحقيقي.
الكلمة فضلت ترن جوايا أيام.
بعد أسبوع، رجعنا حياتنا الطبيعية تدريجيًا. الطفل اتحسن. مريم رجعت البيت. وأنا رجعت للشغل.
لكن في حاجة بدأت تتغير في آدم.
بقى مرهق أكتر. يسهر كتير. يقفل على نفسه المكتب بالساعات.
في البداية افتكرت ضغط شغل.
لحد ليلة رجع فيها متأخر جدًا، ووشه متوتر بشكل عمري ما شفته عليه.
قلت: ـ في إيه؟
قال بسرعة: ـ مشاكل في الفندق بس.
لكن إحساسي قال غير كده.
وفي صباح بعدها بيومين، كنت قاعدة في دار النشر، لقيت امرأة أنيقة داخلة تسأل عليا.
كانت طويلة، جميلة بطريقة باردة، لابسة أبيض بالكامل ونظرتها ثابتة.
وقفت قدامي وقالت: ـ إنتِ ياسمين؟
قلت بحذر: ـ أيوه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: ـ أنا داليا.
الاسم نزل على قلبي تقيل.
خطيبة آدم السابقة.
قالت بهدوء مستفز: ـ محتاجة أتكلم معاكي شوية.
رحنا كافيه قريب. وأنا طيلة الطريق حاسة إن معدتي بتتقبض.
داليا شربت رشفة قهوة وقالت: ـ واضح إنه حبك فعلًا.
قلت ببرود: ـ لو عندك كلام قوليه مباشرة.
ابتسمت: ـ بحب الستات الذكية.
ثم فتحت شنطتها وطلعت ملف.
حطته قدامي.
ـ الفندق عليه ديون أكبر مما تتخيلي… وآدم بيخسر جزء ضخم من ثروته علشان يحافظ عليه.
بصيتلها من غير ما ألمس الورق.
كملت: ـ وأنا جاية أحذرك مش أكتر.
ضحكت بسخرية: ـ من إيه؟ الفقر؟
قالت: ـ من الانهيار. ثم قربت شوية: ـ آدم لما بيغرق… بيغرق لوحده ويسحب اللي حواليه معاه.
الكلام خوفني رغمًا عني.
لأن جزء جوايا كان لسه متعود إن الأمان مؤقت.
قلت: ـ ليه بتعملي كده؟
نظرتلي طويلًا ثم قالت: ـ لأن آدم بيستحق حد يعرف هو بيدمر نفسه إزاي.
قمت فورًا.
ـ لو خلصتي، عندي شغل.
قالت قبل ما أمشي: ـ اسأليه عن الصفقة اللي رفضها الأسبوع اللي فات… واسأليه ليه رفضها رغم إنها كانت هتنقذ الفندق.
رجعت البيت والكلام بياكلني.
كنت بحاول أقاوم الشك، لكن الخوف القديم كان أقوى.
لما آدم رجع بالليل، سألته مباشرة.
سكت طويلًا.
وده خلاني أتوتر أكتر.
قلت: ـ في مشاكل مالية فعلًا؟
مرر إيده في شعره وقال بتعب: ـ أيوه.
قلبي دق بعنف.
ـ ليه ماقولتليش؟
قال: ـ لأنك أخيرًا بقيتي مرتاحة… وماحبتش أحطك تحت الضغط ده.
زعقت لأول مرة من شهور: ـ وأنا مراتك ولا ضيفة عندك؟
رفع عينيه ليا فورًا.
قلت وأنا صوتي بيتهز: ـ أنا مش هنهار لو عرفت الحقيقة… أنا بنهار لما تحسسني إنك شايل كل حاجة لوحدك.
آدم سكت ثواني، ثم قرب مني ببطء وقال: ـ خفت. ـ من إيه؟ ـ إنك تكتشفي إن الحياة معايا أصعب مما كنتِ متخيلة… وتمشي.
الجملة جرحتني بطريقة غريبة.
قلت: ـ إنت لسه فاكر الحب صفقة؟
قال بسرعة: ـ لا.
ـ أمال ليه؟
لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال: ـ لأن كل اللي قبلِك مشيوا أول ما الدنيا ضلمت.
سكتنا.
وفجأة فهمت.
آدم القوي… صاحب الفندق… الرجل الواثق… كان خايف بنفس درجة خوفي.
يمكن أكتر.
قربت منه وقلت بهدوء: ـ بصلي.
بص.
قلت: ـ أنا مش داليا. ثم لمست صدره: ـ وإنت مش كريم.
الحاجز اللي بينا وقع في اللحظة دي.
حضني بقوة كأنه كان مستني الجملة دي من سنين.
بعدها بدأ يحكيلي كل حاجة.
المستثمرين. الديون. العروض اللي رفضها لأنه مش عايز الفندق يتحول لمشروع بلا روح. الخسائر اللي مخبيها حتى عن أمه.
وفي آخر الكلام قال: ـ يمكن أكون غبي.
قلت: ـ لا… إنت بتحب المكان ده.
ابتسم بتعب: ـ زي ما بحبك.
في الأيام اللي بعدها، بقيت أقف جنبه فعلًا.
مش بالكلام بس.
اشتغلت معاه على إعادة كتابة الحملة الدعائية للفندق. اقترحت أمسيات موسيقية تحيي تراث القاهرة القديمة. رجعنا حفلات البيانو الكلاسيكية. عملنا مشروع “ليالي الأستاذ محمود” تكريمًا لأبويا والموسيقيين القدامى.
والمفاجأة إن الناس حبت الفكرة بشكل ضخم.
الفندق بدأ يرجع يتكلم عنه الناس تاني، لكن بطريقة مختلفة.
مش كفندق فاخر وخلاص… كمكان فيه روح.
وفي أول ليلة من حفلات “ليالي الأستاذ محمود”، القاعة كانت مليانة بالكامل.
أنا كنت واقفة ورا الستار أراقب الناس.
آدم قرب مني وهمس: ـ شايفة؟
قلت: ـ إيه؟
قال: ـ أنقذتِ المكان.
هزيت راسي بسرعة: ـ إحنا.
ابتسم.
ثم فجأة قال: ـ تعالي.
شدني برفق وطلعني على المسرح وسط دهشتي.
وقف قدام الميكروفون وقال: ـ قبل سنة تقريبًا، في نفس القاعة دي، شفت ست قاعدة لوحدها بين كرسيين فاضيين… وافتكرت إني هساعدها تنسى حزنها لليلة واحدة.
الناس ضحكت بخفة.
بصلي وكمل: ـ ماكنتش أعرف إنها هي اللي هتنقذ حياتي أنا.
دموعي نزلت فورًا.
القاعة كلها سقفت.
وأنا كنت باصة له بنفس النظرة اللي بصيتله بيها أول مرة رقصنا… لكن المرة دي من غير خوف.
بعد الحفل، وقفنا في التراس المعتاد.
القاهرة تحتينا بتلمع. النيل هادي. والهوا بارد.
قلت: ـ فاكر أول مرة وقفنا هنا؟
قال: ـ كنتِ مستعدة تطرديني.
ضحكت: ـ كنت مغرورة ومتوترة.
قال: ـ وكنتِ جميلة.
سكتنا لحظة.
ثم قال فجأة: ـ ياسمين… عايز أقولك حاجة.
بصيتله.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: ـ هنبقى تلاتة.
استوعبت الجملة بعد ثانيتين.
شهقت: ـ إيه؟
ضحك لأول مرة بطفولة حقيقية: ـ التحليل اللي سيبتِه في الحمام الصبح… شوفته.
حطيت إيدي على بقي بخضة.
أنا نفسي ماكنتش مستوعبة بالكامل إني حامل.
الدموع نزلت من عيني بسرعة. يمكن من الفرحة. يمكن من الخوف. يمكن علشان فجأة حسيت إن الحياة اللي كنت فاكرة إنها اتكسرت… بقت تكبر جوايا.
آدم قرب مني ببطء، حط إيده على بطني، ثم رفع عينيه لعيني وقال: ـ أوعدك بحاجة.
همست: ـ إيه؟
قال: ـ ابننا عمره ما هيشوف كرسي فاضي يخوفه.
بكيت وقتها بحرية كاملة.
حضنته وأنا حاسة إن كل الطرق اللي ضيعتها… كل الوجع… كل الرسائل الباردة… كل الليالي اللي نمت فيها وأنا فاكرة إن محدش هيختارني… كانت بس طريق طويل للحظة دي.
لحظة إني أقف في حضن رجل يحبني بدون شروط، وأسمع قلب جديد بيتكون بينا.
وبعد شهور، في ليلة دافية من ليالي مايو، كنت قاعدة في نفس القاعة اللي بدأت فيها الحكاية.
بس المرة دي ماكنتش لوحدي.
آدم كان واقف يرحب بالضيوف. مريم وشريف معاهم طفلهم. ماما بتضحك بصوت عالي لأول مرة من سنين.
وأنا كنت حاملة بنت صغيرة نايمة على صدري.
بنت بعينين سودا شبه أبوها وابتسامة هادية شبه بابا.
آدم قرب مني، بص للبنت، ثم قال: ـ عارفة نسميها إيه؟
ابتسمت: ـ محمود؟
ضحك: ـ بنت يا مجنونة.
قلت وأنا أضحك وسط دموعي: ـ يبقى مريم اقترحت “ليلى”.
بص للبنت بحنان وقال: ـ ليلى النجار… حلوة.
ثم رفع عينيه ليا.
وفي وسط الموسيقى والناس والأنوار، مد إيده ليا زي أول مرة.
قال: ـ ترقصي معايا؟
ضحكت وأنا ببص للبنت الصغيرة: ـ بإيد واحدة بس.
قال: ـ تكفيني.
قمت معاه ببطء، وبنتنا بينا، ورقصنا على نفس الأغنية اللي كانت يومًا وجعًا قديمًا.
لكن بعض الأغاني لا تتغير… القلوب فقط هي التي تتغير.
وفي اللحظة دي، وأنا وسط حضن آدم وضحكة ليلى وصوت البيانو، فهمت أخيرًا معنى كلام بابا زمان: “الترجمة مش كلمات يا ياسمين… الترجمة إحساس.”
لأن الحياة ترجمتني أخيرًا… من امرأة مكسورة تخاف الكراسي الفارغة… إلى امرأة عرفت أن بعض المقاعد لا تبقى خالية للأبد، وأن الحب الحقيقي لا يأتي صاخبًا أبدًا… بل يجلس بهدوء بجانب قلبك، ويسألك بلطف: “الكرسي ده
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *