اهلي دفعوا حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني
بعد ما اشتريت الفيلا بأسبوع واحد.
كنت قاعدة في المكتب براجع عقد جديد.
المكان هادي.
والشركة كلها تقريبًا كانت خلصت شغل ومشيت.
وفجأة.
هاتفي رن.
رقم غريب.
رديت بهدوء.
“ألو؟”
جالي صوت متردد.
صوت ما سمعتوش من أربع سنين.
“سارة؟”
إيدي اتجمدت.
أمي.
أول مرة تكلمني من يوم ما سبت البيت.
أربع سنين كاملة.
لا سؤال.
لا رسالة.
لا حتى عيد ميلاد.
ولا مرة.
وقفت للحظة.
ثم قلت:
“خير؟”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“وحشتيني.”
ابتسمت.
بس كانت ابتسامة باردة.
لأن بعض الجمل لما تيجي متأخرة قوي بتفقد معناها.
قلت:
“أكيد.”
سكتت تاني.
ثم قالت:
“سمعنا إنك بقيتي كويسة.”
كويسة.
مش ناجحة.
مش تعبانة علشان توصلي.
مش فخورين بيكي.
كويسة.
كأنها بتسأل عن حالة الجو.
قلت:
“الحمد لله.”
وبعدين سمعتها بتاخد نفس طويل.
وقالت:
“أبوكي عايز يكلمك.”
ضحكت جوايا.
لأول مرة من أربع سنين يبقى عايز يكلمني.
أكيد مش علشان يعتذر.
ولا علشان يسأل عليا.
لكن استنيت.
وجالي صوته.
نفس النبرة.
نفس الطريقة.
كأن السنين ما عدتش.
“إزيك يا سارة؟”
قلت:
“بخير.”
قال:
“سمعت إنك اشتريتي بيت جديد.”
بيت.
مش فيلا.
ولا شركة.
ولا نجاح.
بيت.
قلت:
“أيوه.”
قال:
“كويس.”
ثم سكت.
وانا استنيت.
لأننا إحنا الاتنين عارفين إن ده مش سبب المكالمة.
وفعلًا بعد ثواني قال:
“داليا محتاجة فرصة.”
أغمضت عيني.
وأخيرًا وصلنا للموضوع.
قلت:
“فرصة إيه؟”
قال:
“عندها مشروع.”
“ومحتاجة تمويل.”
ضحكت.
المرة دي فعلًا ضحكت.
ضحكة قصيرة.
لكنها كانت كفاية تخليه يسكت.
قال بضيق:
“إيه المضحك؟”
قلت:
“ولا حاجة.”
ثم سألته:
“كام؟”
قال:
“حاجة بسيطة.”
ولما ضغطت عليه.
عرفت إن الحاجة البسيطة كانت خمسة وعشرين مليون جنيه.
خمسة وعشرين مليون.
لنفس البنت اللي خدِت أربعة مليون قبل كده.
وأنا؟
أنا اللي ما استاهلتش أربعمائة ألف.
فضلت ساكتة.
فقال:
“إنتِ أختها.”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“والوقفة وقت الشدة.”
قلت:
“صح.”
قال:
“يبقى تساعديها.”
هنا ابتسمت.
لكن المرة دي ابتسامة مختلفة.
ابتسامة واحدة فهمتني حاجات كتير.
فهمتني إنهم ما اتغيروش.
ولا يوم.
ولا دقيقة.
الفرق الوحيد.
إن الفلوس اتبدلت مكانها.
بس.
قلت بهدوء:
“فاكر يوم ما طلبت منك أربعمائة ألف؟”
سكت.
قلت:
“فاكر لما قلتلي إني ما استاهلش أي مساعدة؟”
الصمت طال.
وأنا كملت.
“دلوقتي داليا تستاهل خمسة وعشرين مليون؟”
جالي صوت أمي فجأة من بعيد.
واضح إنها كانت سامعة المكالمة.
وقالت:
“ما تفتحيش القديم.”
قلت:
“القديم هو اللي فتحني.”
سكتوا.
وأخيرًا قال أبويا:
“يعني رافضة؟”
بصيت من شباك المكتب على القاهرة كلها.
وتذكرت السطح الصغير.
والأيام اللي كنت بعد فيها الجنيهات.
والليالي اللي نمت فيها من غير عشا.
وتذكرت حاجة أهم.
إني عملت كل ده لوحدي.
من غيرهم.
قلت:
“لا.”
سكت.
واضح إنه اتفاجئ.
وقال:
“يعني هتساعديها؟”
قلت:
“هسمع المشروع الأول.”
مرت أيام.
واتفقنا نتقابل.
وأول مرة أشوفهم بعد أربع سنين.
وأول مرة أشوف داليا بعد باريس.
لكن اللي شوفته يومها…
ماكانش البنت اللي سابت البيت علشان تبقى نجمة.
ولا البنت اللي كانوا شايفينها مستقبل العيلة.
واللي حصل في المقابلة دي.
هو السبب الحقيقي اللي خلّى داليا بعد شهور تقف بعربيتها قدام الفيلا وتعيط وهي بتقول:
“يا بابا… إزاي هي عندها كل ده؟”
يتبع…
الفصل الثالث
وصلت المطعم قبل المعاد بعشر دقايق.
مش علشان مستعجلة.
لكن علشان بحب أوصل بدري.
عادة قديمة اكتسبتها من سنين الشغل.
اخترت ترابيزة بعيدة شوية.
وقعدت أراجع بعض الملفات على التابلت.
بعد حوالي ربع ساعة.
دخلوا.
أبويا.
وأمي.
وداليا.
وللحظة.
حسيت إن الأربع سنين اختفوا.
نفس المشية.
نفس النظرات.
نفس الطريقة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قوي.
أمي أول ما شافتني وقفت.
وكأنها عايزة تحضني.
لكنها ترددت.
وأنا كمان ما اتحركتش.
فاكتفت بابتسامة سريعة وجلست.
أما أبويا.
فمد إيده يصافحني.
مصافحة رسمية.
كأننا شركاء أعمال.
مش أب وبنته.
أما داليا.
فكانت آخر واحدة تقعد.
ولأول مرة في حياتي.
شفت التعب على وشها.
الهالات تحت عينيها.
والتوتر في حركتها.
والابتسامة المصطنعة اللي بتحاول تخبي بيها حاجة أكبر.
طلبنا القهوة.
وقبل ما حد يتكلم.
أخرجت ملف صغير.
وحطيته قدامي.
وقلت:
“وروني المشروع.”
داليا اتفاجئت.
واضح إنها كانت متوقعة مشهد عائلي.
أو محاولة صلح.
أو كلام عن الذكريات.
لكن أنا كنت جاية علشان الشغل.
وبس.
بدأت تشرح.
ماركة أزياء.
تصميمات أوروبية.
فرع رئيسي.
تسويق إلكتروني.
مؤثرين.
حملات دعائية.
كلام جميل.
وشكل حلو.
لكن الأرقام؟
كارثة.
كل ما تتكلم أكتر.
كل ما أعرف إنها ما عملتش دراسة حقيقية.
ولا خطة واضحة.
ولا حساب للمخاطر.
المشروع كله قائم على فكرة واحدة:
“أنا هنجح.”
وبس.
بعد نص ساعة.
قفلت الملف.
وسكت.
داليا قالت بسرعة:
“إيه رأيك؟”
بصيت لها.
وقلت:
“مش هينجح.”
الصمت نزل على الترابيزة.
مرة واحدة.
أمي قالت:
“سارة.”
وكأنها بتوبخني.
لكن أنا كملت.
“الخطة ناقصة.”
“التكلفة غلط.”
“العائد مبالغ فيه.”
“والمخاطر مش محسوبة.”
داليا احمر وشها.
وقالت:
“إنتِ حتى ما حاولتيش تشجعيني.”
ابتسمت بهدوء.
وقلت:
“التشجيع غير الاستثمار.”
أبويا اتدخل.
وقال:
“كل المشاريع فيها مخاطرة.”
قلت:
“صح.”
“علشان كده المستثمرين بيدرسوا المشروع قبل ما يحطوا فلوسهم.”
داليا بدأت تتعصب.
وقالت:
“يعني إنتِ شايفة نفسك أحسن مني؟”
ضحكت.
لأن السؤال نفسه كشف المشكلة كلها.
قلت:
“لا.”
“أنا شايفة الأرقام.”
وبس.
…
المقابلة انتهت بشكل سيئ.
وأول ما خرجوا.
كنت متأكدة إن الموضوع خلص.
لكن بعد يومين فقط.
جالي اتصال من رقم داليا.
رديت.
وكان صوتها مختلف.
هادئ.
مكسور.
وقالت:
“ممكن أقابلك لوحدنا؟”
استغربت.
لكن وافقت.
…
تقابلنا في كافيه صغير.
من غير أمي.
ومن غير أبويا.
ومن غير أي حد.
ولأول مرة.
شفت داليا الحقيقية.
مش النسخة اللي قدام الناس.
ولا النسخة اللي أهلي صنعوها.
…
أول ما قعدت.
بدأت تعيط.
من غير مقدمات.
ومن غير كلام.
مجرد دموع.
كتير.
…
استنيت.
لحد ما هديت.
ثم قالت:
“أنا تعبت.”
سألتها:
“من إيه؟”
ضحكت بمرارة.
وقالت:
“من إني طول عمري لازم أبقى مثالية.”
…
سكت.
وهي كملت.
“كل الناس فاكرة إني مدلعة.”
“بس محدش يعرف إن بابا كان بيقارنني بكل الناس.”
“ولما كنت بخسر كان بيجن.”
“ولما كنت بغلط كان يحسسني إني فشلت.”
…
رفعت حاجبي باستغراب.
لأن دي أول مرة أسمع الكلام ده.
…
قالت:
“هو كان بيدلعني بالفلوس.”
“لكن عمره ما حبني بالشكل اللي الناس فاكراه.”
…
ثم بصت لي مباشرة.
وقالت:
“وعمره ما حبك إنتِ كمان.”
الجملة وجعتني رغم بساطتها.
…
ثم همست:
“كان بيستخدمنا إحنا الاتنين.”
…
لأول مرة.
بدأت أفهم إن الصورة مش بالبساطة اللي كنت متخيلها.
…
وفجأة.
أخرجت ظرفًا من شنطتها.
وحطيته قدامي.
وقالت:
“أنا لقيت ده بالصدفة.”
…
فتحت الظرف.
…
وكان فيه مستندات قديمة.
…
وأول ما قرأت الاسم المكتوب عليها.
شعرت إن قلبي وقف لحظة.
…
لأنها كانت أوراق تخص صندوق استثماري.
باسم أمي.
…
لكن الأموال الموجودة فيه كانت بالملايين.
…
ومكتوب بوضوح.
إن الفلوس اتسحبت على مدار سنوات.
…
من حساب تعليمي خاص.
…
الحساب اللي كان المفروض مخصص لبنتين.
مش لبنت واحدة.
…
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت لداليا.
…
فقالت بصوت مرتعش:
“سارة…”
“أعتقد إن بابا كدب علينا إحنا الاتنين.”
يتبع…
