شهر عسل فاخر حكايات اسما×4

مر الأسبوع ببطء شديد على الطرفين.

 

زين كان يعيش حالة لم يعرفها طوال حياته.

 

العجز.

 

لأول مرة يمتلك المال والعلاقات والنفوذ ولا يستطيع الوصول إلى شخص واحد فقط.

 

أما سارة فكانت تحاول أن تركز على عملها الجديد.

 

تحاول أن تبني روتينًا جديدًا.

 

تحاول أن تبدأ من الصفر.

 

لكن هناك موعدًا كان يقترب كل يوم.

 

الموعد الذي كانت تخشاه منذ شهور.

 

وفي صباح يوم الإثنين جلست في قاعة الانتظار بالمستشفى.

 

كانت أصابعها متشابكة فوق حجرها.

 

وعيناها معلقتين بالباب المغلق أمامها.

 

عندما نادتها الطبيبة دخلت بهدوء وجلسَت.

 

ثم وضعت الطبيبة الملف أمامها.

 

وبعد لحظة صمت طويلة ابتسمت.

 

ابتسامة صغيرة.

 

هادئة.

 

وقالت:

 

“النتائج مطمئنة.”

 

شعرت سارة وكأنها نسيت كيف تتنفس.

 

ظلت تنظر إليها لثوانٍ طويلة.

 

ثم سألت بصوت مرتجف:

 

“حضرتك متأكدة؟”

 

ابتسمت الطبيبة مرة أخرى.

 

“متأكدة.”

 

في تلك اللحظة فقط انهمرت دموع سارة.

 

أول دموع حقيقية منذ شهور.

 

ليست دموع خيانة.

 

ولا فراق.

 

ولا وحدة.

 

بل دموع نجاة.

 

لأن الأشهر الماضية كلها كانت معلقة على هذه اللحظة.

 

الأشهر التي كانت تذهب فيها للفحوصات وحدها.

 

وتنتظر النتائج وحدها.

 

وتواجه خوفها وحدها.

 

كانت قد أقنعت نفسها أنها مستعدة لأي نتيجة.

 

لكن الحقيقة أنها كانت مرعوبة.

 

مرعوبة من فكرة أن تضيع حياتها قبل أن تعيشها.

 

خرجت من المستشفى بعد ساعات وهي تشعر بخفة لم تشعر بها منذ زمن طويل.

 

وكأن حملًا ثقيلًا أُزيل أخيرًا عن كتفيها.

 

في نفس اليوم تقريبًا كان زين يجلس في مكتبه عندما دخلت عليه سكرتيرته.

 

وضعت ظرفًا فوق المكتب.

 

وقالت:

 

“ده وصل من محامي مدام سارة.”

 

رفع رأسه بسرعة.

 

وأمسك الظرف.

 

فتحه بيد مرتعشة.

 

وفي الداخل وجد مستندًا واحدًا فقط.

 

نسخة من توكيل رسمي تم إلغاؤه.

 

ثم ورقة أخرى.

 

كانت رسالة قصيرة للغاية.

 

قرأها مرة.

 

ثم أعاد قراءتها.

 

ثم للمرة الثالثة.

 

لأن الكلمات كانت أبسط من أن يصدقها.

 

“عندما كنت أحتاجك لم تكن موجودًا.

 

الآن أنا بخير.

 

وأتمنى أن تكون بخير أنت أيضًا.”

 

لا اتهامات.

 

لا شتائم.

 

لا تهديدات.

 

فقط جملة هادئة.

 

لكنها كانت أقسى من أي شيء آخر.

 

لأنها أكدت له شيئًا كان يحاول الهروب منه.

 

سارة لم تعد تنتظره.

 

لم تعد تحاول معاقبته.

 

لم تعد تحاول إرجاعه.

 

هي فقط أكملت طريقها.

 

وللمرة الأولى شعر بالخوف الحقيقي.

 

الخوف من أن يكون قد تأخر.

 

في تلك الليلة عاد إلى الشقة.

 

جلس في الظلام.

 

وأعاد قراءة الرسالة عشرات المرات.

 

ثم فتح هاتفه.

 

ودخل على صور قديمة لم ينظر إليها منذ شهور.

 

صور الخطوبة.

 

صور كتب الكتاب.

 

صور الفرح.

 

وفي كل صورة كانت سارة تبتسم له وكأنه أهم شخص في العالم.

 

أما هو…

 

فكان ينظر للكاميرا.

 

أو للهاتف.

 

أو لأي شيء آخر.

 

إلا لها.

 

أغلق الهاتف فجأة.

 

وشعر بشيء ينكسر داخله.

 

وفي اللحظة نفسها تقريبًا كانت سارة تجلس على شرفتها المطلة على البحر.

 

تحمل كوبًا من الشاي الساخن.

 

وتنظر إلى الأفق البعيد.

 

لأول مرة منذ زمن طويل لم تكن تفكر في زين.

 

ولا في ياسمين.

 

ولا في الخيانة.

 

كانت تفكر في نفسها.

 

في حياتها الجديدة.

 

في الأحلام التي دفنتها وعادت تحييها من جديد.

 

وفي المستقبل الذي بدأ أخيرًا يبدو ممكنًا.

 

رن هاتفها.

 

نظرت إلى الشاشة.

 

رقم دولي من القاهرة.

 

ترددت للحظة.

 

ثم ردت.

 

وجاءها صوت لم تسمعه منذ سنوات.

 

صوت جعلها تعتدل في جلستها فورًا.

 

“مساء الخير يا سارة… معاكِ عمرو الشاذلي.”

 

توقفت أنفاسها للحظة.

 

لأن عمرو الشاذلي لم يكن مجرد اسم.

 

كان الرجل الذي أسس الشركة العالمية التي كانت تحلم بالعمل فيها منذ تخرجها.

 

والرجل الذي رفضت عرضًا للعمل معه قبل سنوات بسبب زواجها من زين.

 

ابتسم الصوت على الطرف الآخر وقال:

 

“واضح إنكِ مستغربة اتصالي.”

 

لم تستطع الرد.

 

فأكمل:

 

“أنا في سيدني الأسبوع الجاي… وعندي عرض مهم جدًا ليكي.”

 

وفي القاهرة…

 

لم يكن زين يعلم أن الحياة التي تركتها سارة خلفها بدأت تفتح لها أبوابًا لم تكن تتخيلها.

 

أبوابًا قد تجعل عودتها مستحيلة.

 

وأصعب بكثير مما يتصور.طوال الأسبوع التالي لم تستطع سارة إخراج مكالمة عمرو الشاذلي من رأسها.

 

كانت تعرف اسمه جيدًا.

 

أي شخص عمل في مجال الإدارة والاستثمار في الشرق الأوسط كان يعرفه.

 

رجل بنى مجموعة شركات من الصفر.

 

ورفض مئات المشاريع.

 

واختار عددًا قليلًا جدًا من الأشخاص للعمل معه.

 

وكان من بينهم سارة.

 

أو هكذا كان من المفترض أن يحدث قبل عام.

 

قبل أن تتخلى عن كل شيء من أجل زواجها.

 

وفي صباح يوم الجمعة دخلت إلى الفندق الذي حدد لها موعد اللقاء.

 

كان الفندق يطل على الميناء الشهير في سيدني.

 

الزجاج يحيط بالمكان من كل جانب.

 

وضوء الشمس ينعكس فوق المياه الزرقاء.

 

استقبلها أحد الموظفين وقادها إلى قاعة اجتماعات خاصة.

 

وعندما دخلت وجدته جالسًا أمام النافذة.

 

وقف فور رؤيتها.

 

وصافحها بابتسامة هادئة.

 

ثم قال:

 

“أخيرًا اتقابلنا.”

 

جلست أمامه وهي لا تزال تشعر بالتوتر.

 

لكن الرجل لم يضيع الوقت.

 

فتح ملفًا أمامه.

 

وقال مباشرة:

 

“أنا هسألك سؤال واحد بس.”

 

نظرت إليه.

 

فقال:

 

“لو ماكنتيش اتجوزتي زين… كنتي فين دلوقتي؟”

 

تفاجأت من السؤال.

 

وسكتت للحظة.

 

ثم قالت بصراحة:

 

“يمكن في مكان أكبر من اللي أنا فيه.”

 

هز رأسه.

 

وكأنه كان يتوقع الإجابة.

 

ثم دفع الملف نحوها.

 

“وأنا شايف إن لسه قدامك فرصة توصلي للمكان ده.”

 

فتحت الملف.

 

وبدأت تقرأ.

 

وفي كل صفحة كانت عيناها تتسع أكثر.

 

منصب تنفيذي إقليمي.

 

صلاحيات واسعة.

 

فريق عمل كامل تحت إدارتها.

 

راتب لم تكن تحلم به حتى قبل سنوات.

 

وبرنامج شراكة يمنحها نسبة من الأرباح مستقبلاً.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

غير مصدقة.

 

فابتسم عمرو وقال:

 

“العرض ده كان المفروض يوصلك من سنة.”

 

سكت لحظة.

 

وأضاف:

 

“لكن واضح إن الظروف وقتها ما ساعدتش.”

 

أغلقت الملف بهدوء.

 

وكانت تحاول السيطرة على مشاعرها.

 

لأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل شعرت أن الحياة تعوضها عن شيء.

 

تعوضها عن كل مرة تنازلت فيها.

 

وكل مرة اختارت شخصًا آخر على حساب نفسها.

 

وفي نهاية اللقاء قال لها عمرو:

 

“فكري براحتك.”

 

لكنها كانت تعرف الإجابة بالفعل.

 

في تلك الليلة.

 

وعلى بعد أكثر من أربعة عشر ألف كيلومتر.

 

كان زين يتخذ قرارًا آخر.

 

قرارًا لم يتخيل يومًا أنه سيتخذه.

 

كان جالسًا في مكتبه عندما أغلق اللابتوب فجأة.

 

واستدعى مساعده.

 

وقال:

 

“احجز أول رحلة لسيدني.”

 

المساعد نظر إليه باستغراب.

 

“حضرتك عندك اجتماعات الأسبوع الجاي.”

 

رد زين دون تردد:

 

“ألغيهم.”

 

“وعندك مؤتمر المستثمرين.”

 

“يتأجل.”

 

“وفيه—”

 

قاطعه زين:

 

“قولت احجز الرحلة.”

 

خرج المساعد.

 

وبقي زين وحده.

 

ينظر إلى صورة قديمة لسارة على شاشة هاتفه.

 

كانت صورة التقطها لها دون أن تنتبه.

 

كانت تضحك وقتها.

 

ضحكة حقيقية.

 

من النوع الذي لم يره منها منذ شهور قبل رحيلها.

 

ظل يتأمل الصورة طويلًا.

 

ثم همس لأول مرة بصوت مسموع:

 

“أنا آسف.”

 

لكن الغرفة كانت فارغة.

 

ولم يكن هناك أحد ليسمعه.

 

بعد ثلاثة أيام كانت سارة تجلس في مكتبها الجديد تراجع بعض الملفات.

 

عندما وصلها بريد إلكتروني قصير.

 

فتحته دون اهتمام.

 

لكنها تجمدت في مكانها فور قراءة السطر الأول.

 

كان من إدارة الاستقبال في مقر الشركة.

 

“نود إبلاغك أن السيد زين المنصوري حضر صباح اليوم ويطلب مقابلتك.”

 

توقفت أنفاسها للحظة.

 

وأعادت قراءة الرسالة مرة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

وكأن الكلمات قد تتغير.

 

لكنها لم تتغير.

 

زين وصل إلى سيدني.

 

وصل فعلًا.

 

وبعد كل ما حدث…

 

جاء يبحث عنها بنفسه.

 

أما في الطابق الأرضي من المبنى…

 

فكان زين واقفًا أمام مكتب الاستقبال.

 

يحمل في يده ظرفًا بني اللون.

 

الظرف الذي احتفظ به طوال الرحلة.

 

والذي يحتوي على شيء واحد فقط.

 

شيء كان يجب أن يعطيه لسارة منذ زمن طويل جدًا.

 

شيء قد يغير كل ما بينهما…

 

أو ينهيه إلى الأبد…..يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *