وجع بسيط حكـايـات أسمـا ×2
تجمدت سلمى مكانها.
الرسالة ما تزال بين أصابعها.
وصوت خطوات طارق يقترب من غرفة النوم.
ثانية واحدة فقط فصلتها عن الكارثة.
فأغلقت الورقة بسرعة وأدخلتها داخل غلاف الوصفة الطبية قبل أن يظهر عند الباب.
وقف طارق ينظر إليها.
شعره ما يزال مبتلًا.
وعيناه مثبتتان على وجهها.
“بتعملي إيه؟”
حاولت أن تبدو طبيعية.
“بشوف مواعيد الدوا.”
ظل يحدق فيها عدة ثوانٍ.
طويلة جدًا.
مخيفة جدًا.
ثم قال:
“وريهالي.”
شعرت بأن قلبها توقف.
“إيه؟”
“الوصفة.”
ناولته الورقة.
أخذها وقرأها ببطء.
سطرًا سطرًا.
ثم قلبها.
ثم أعادها إليها.
وأخيرًا ابتسم.
لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
“كويس.”
ثم غادر الغرفة.
وبمجرد أن اختفى من أمامها شعرت بساقيها ترتجفان.
أغلقت الباب.
وأخرجت الرسالة مرة أخرى.
كانت الكلمات نفسها ما تزال أمامها.
“ولا ترجعي البيت.”
رفعت رأسها نحو المرآة.
وفجأة بدأت تتذكر أشياء كثيرة.
أشياء تجاهلتها سنوات.
كدمة على ذراع مريم.
باب غرفتها المغلق بالمفتاح.
بكاؤها ليلًا.
خوفها الغريب من والدها.
ارتباكها كلما دخل الغرفة.
كل شيء كان أمامها.
لكنها لم ترد أن تراه.
لأن رؤية الحقيقة أصعب من الهروب منها.
في تلك الليلة لم تنم.
ولا مريم نامت.
كانت الطفلة مستلقية بجوارها.
كلما سمعت صوت حركة في البيت تفتح عينيها فورًا.
عند الثالثة فجراً استيقظت سلمى على همس خافت.
فتحت عينيها.
فوجدت مريم جالسة فوق السرير.
تنظر نحو الباب.
“مالك يا حبيبتي؟”
همست الطفلة:
“ماما…”
“نعم؟”
“إحنا هنمشي؟”
شعرت سلمى بأن أنفاسها اختنقت.
“ليه بتقولي كده؟”
أخفضت مريم رأسها.
ثم قالت:
“عشان الدكتور عرف.”
تسارعت ضربات قلبها.
“عرف إيه؟”
بدأت الدموع تنزل من عيني الطفلة.
“بابا قال لو حد عرف هيحصل حاجة وحشة.”
اقتربت سلمى منها بسرعة.
وضمتها إلى صدرها.
لأول مرة منذ سنوات لم تحاول تجاهل الخوف.
بل سمحت لنفسها بالشعور به كاملًا.
وفي الصباح.
انتظرت حتى خرج طارق إلى عمله.
وراقبته من النافذة حتى ابتعد بسيارته.
ثم أسرعت.
وضعت بعض الملابس داخل حقيبة صغيرة.
أخذت شهادات الميلاد.
الأوراق المهمة.
وبطاقة البنك.
ثم أمسكت يد مريم.
وقالت:
“يلا.”
نظرت إليها الطفلة بخوف.
“رايحين فين؟”
أجابت:
“مكان آمن.”
لكن قبل أن تصل إلى الباب الخارجي رن هاتفها.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت.
ثم أجابت.
وجاءها صوت رجل هادئ:
“أستاذة سلمى؟”
“مين؟”
“أنا الرائد كريم فؤاد من وحدة حماية الأسرة.”
تجمدت.
“حضرتك كلمتيني؟”
قال:
“لا. الدكتور أحمد السيوفي هو اللي بلغنا بعد ما خرجتي من المستشفى.”
أغلقت سلمى عينيها.
شعرت بأن أحدًا أخيرًا صدق مخاوفها.
لكن الضابط أكمل بصوت أكثر جدية:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
ارتجفت يدها.
“إيه هي؟”
قال:
“إحنا راجعنا المحضر القديم.”
وساد صمت قصير.
ثم أضاف:
“الطفلة اللي كانت في البلاغ من سبع سنين…”
توقفت أنفاس سلمى.
“نعم؟”
“اختفت بعد أسبوعين من إقفال القض..ية.”
شعرت بأن الأرض تميد تحتها.
“اختفت؟”
“وما حدش شافها تاني لحد النهارده.”
سقط الهاتف تقريبًا من يدها.
أما الرائد فأكمل:
“وعشان كده لازم تتحركي بسرعة.”
ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها:
“لأن جوزك ما راحش شغله النهارده.”
نظرت سلمى تلقائيًا من النافذة.
إلى المكان الذي كانت سيارة طارق تقف فيه.
وكانت الصدمة…
أن السيارة السوداء كانت موجودة هناك.
مختبئة خلف صف الأشجار المقابل للمنزل.
وكأن الرجل لم يغادر أصلًا.
وكأنه كان ينتظر فقط…
أن تحاول الهرب.
يتبع…
شعرت سلمى بأن الدم انسحب من وجهها.
السيارة السوداء كانت هناك.
خلف الأشجار.
ثابتة.
صامتة.
تراقب.
أغلقت الستارة بسرعة.
وأبعدت مريم عن النافذة.
“ماما؟”
لم تجب.
كانت تحاول التفكير.
تحاول أن تمنع الذعر من السيطرة عليها.
لكن الرائد كريم كان ما يزال على الخط.
“أستاذة سلمى… اسمعيني كويس.”
“هو بره البيت.”
“عارف.”
“إحنا بعتنا دورية في الطريق.”
نظرت إلى الساعة.
كل ثانية أصبحت طويلة بشكل مرعب.
“هيوصلوا إمتى؟”
“خمس دقايق تقريبًا.”
خمس دقائق.
بدت كأنها خمس ساعات.
ثم فجأة…
سمعت صوت محرك السيارة.
اقترب.
ثم توقف أمام المنزل مباشرة.
أغمضت عينيها.
عرفت أنه هو.
بعد لحظات دوى صوت المفتاح في الباب الخارجي.
شهقت مريم.
وضمت لعبتها إلى صدرها.
أما سلمى فأمسكت الهاتف بقوة.
وصوت الرائد ما يزال يأتيها:
“اقفلي باب الأوضة عليكي.”
ركضت فورًا.
أخذت ابنتها إلى غرفة النوم.
وأغلقت الباب بالمفتاح.
في الخارج سمعت باب الشقة يُفتح.
ثم صوت خطوات ثقيلة.
هادئة.
ومنظمة.
كأن صاحبها لا يشعر بأي استعجال.
صوت طارق.
ينادي:
“سلمى؟”
لم ترد.
“مريم؟”
ازداد اقترابه.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم توقف أمام باب الغرفة.
ساد الصمت.
عدة ثوانٍ.
قبل أن يقول بهدوء مخيف:
“أنا عارف إنكم جوه.”
ارتجفت مريم.
واختبأت خلف والدتها.
ثم جاء صوت الطَرْق.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
ثم قال:
“افتحي الباب.”
صرخت سلمى:
“امشي يا طارق.”
لم يجب فورًا.
ثم سمعته يضحك.
ضحكة قصيرة باردة.
وقال:
“الدكتور قالك إيه؟”
تجمدت في مكانها.
عرف.
كان يعرف.
سمعته يقترب أكثر.
ثم قال:
“فاكرة إن حد هيصدقك؟”
وفي تلك اللحظة رن هاتفه بالخارج.
سمعته يرد.
وصوته تغير فورًا.
“أيوة؟”
صمت.
ثم فجأة صاح بغضب:
“إزاي الشرطة؟!”
نظرت سلمى إلى مريم.
الأمل عاد للحظة.
لكن بعدها مباشرة دوى صوت قوي في الشقة.
صوت تحطم.
ثم خطوات سريعة.
ركض.
وصوت باب يُغلق بعنف.
بعد ثوانٍ قليلة فقط.
سمعت صفارات الشرطة في الخارج.
ثم طرقًا قويًا على باب المنزل.
“شرطة! افتح الباب!”
انهارت ساقا سلمى تقريبًا.
وفتحت باب الغرفة.
ركضت إلى الخارج.
كانت الشقة فارغة.
أما باب الشرفة الخلفية فكان مفتوحًا.
طارق هرب.
بعد نصف ساعة كانت تجلس داخل قسم الشرطة.
ومريم بجوارها.
والرائد كريم أمامهما.
وأفراد من وحدة حماية الطفل في الغرفة.
بدأت مريم تتحدث.
ببطء.
ثم أكثر.
ثم أكثر.
أشياء كثيرة أخفتها سنوات.
أشياء جعلت وجوه الموجودين تتغير.
وأشياء جعلت سلمى تبكي لأول مرة منذ بداية الكابوس.
وعندما انتهت الطفلة من الكلام…
ساد الصمت.
ثم قال الرائد:
“دلوقتي فهمنا سبب خوفها.”
رفع ملفًا سميكًا فوق المكتب.
وأضاف:
“وفهمنا كمان إن القض..ية القديمة مش أول قض..ية مرتبطة بطارق المنصوري.”
رفعت سلمى رأسها بصدمة.
“يعني إيه؟”
فتح الملف.
وأخرج عدة صور.
ثم وضعها أمامها.
صور لفتيات وأطفال.
وتقارير قديمة.
وبلاغات لم تكتمل.
وشهادات متفرقة من أماكن مختلفة.
كلها تدور حول الاسم نفسه.
طارق المنصوري.
قال الرائد:
“من سنين وإحنا بنحاول نربط الخيوط ببعض.”
ثم نظر إليها مباشرة.
“لكن النهارده لأول مرة عندنا شاهد مستعد يتكلم.”
احتضنت سلمى ابنتها بقوة.
وشعرت أن المعركة الحقيقية بدأت الآن.
لكن بعد ساعات قليلة…
وأثناء وجودها داخل غرفة الحماية بالمبنى الأمني…
دخل أحد الضباط مسرعًا.
وكان وجهه متوترًا.
نظر إلى الرائد كريم وقال:
“لقيناه.”
وقف الجميع.
“فين؟”
أجاب الضابط:
“في شقة قديمة بمدينة نصر.”
تنفست سلمى الصعداء.
أخيرًا.
انتهى الأمر.
لكن الضابط أكمل الجملة التالية:
“بس في مشكلة.”
قطب الرائد حاجبيه.
“إيه هي؟”
قال الضابط:
“لما دخلنا المكان لقينا حد تاني معاه.”
ساد الصمت.
“مين؟”
أجاب الضابط بصوت منخفض:
“البنت اللي اختفت من سبع سنين…”
شحب وجه الجميع.
وأضاف:
“وهي لسه عايشة.”
يتبع…
