في الشهر السادس حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

سقط الهاتف من يدي.

 

ارتطم بالأرض.

 

لكنني لم أشعر بشيء.

 

كل انتباهي كان معلقًا بالصورة.

 

صورة منزل والدي.

 

الصورة لم تكن قديمة.

 

ولم تكن مأخوذة من الإنترنت.

 

كانت ملتقطة من الشارع نفسه.

 

من أمام البوابة مباشرة.

 

السيارة البيضاء الخاصة بأبي كانت ظاهرة.

 

وأصيص الزرع الذي وضعته أمي قبل أسبوع كان ظاهرًا أيضًا.

 

يعني شخص ما كان يقف هناك منذ دقائق فقط.

 

يراقب.

 

يتابع.

 

ويرسل رسائل تهديد.

 

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

 

دخلت أمي الغرفة عندما سمعت صوت سقوط الهاتف.

 

نظرت إلى وجهي.

 

ثم إلى الشاشة.

 

وتغير لونها فورًا.

 

“إيه ده؟”

 

ناولتها الهاتف.

 

قرأت الرسالة.

 

ثم رفعت رأسها نحوي.

 

ولأول مرة منذ سنوات رأيت الخوف الحقيقي في عينيها.

 

الخوف عليّ.

 

وعلى حفيدتها.

 

وعلى العائلة كلها.

 

بعد أقل من عشر دقائق كان أبي قد أغلق جميع أبواب المنزل.

 

واتصل ببعض أصدقائه القدامى.

 

وأصر على ألا أبقى وحدي لحظة واحدة.

 

أما أنا…

 

فكنت أجلس فوق السرير أحاول فهم ما يحدث.

 

كيف تحول زوجي من رجل أعمال ناجح إلى شخص يرسل محامين يتهمون طفلته في نسبها؟

 

ومن الذي يراقب منزل والدي؟

 

وما علاقة الرجل الميت بالعقد الذي أرسلته ياسمين؟

 

كل سؤال كان يفتح عشرة أسئلة أخرى.

 

وفي وسط هذا كله…

 

كانت طفلتي تتحرك داخل بطني.

 

كأنها تذكرني بسبب كل هذا.

 

أنا لم أعد أحارب من أجل نفسي فقط.

 

أصبحت أحارب من أجلها.

 

في صباح اليوم التالي استيقظت على طرقات قوية على الباب.

 

قفز أبي من مكانه.

 

واتجه بسرعة إلى الخارج.

 

سمعت أصواتًا مرتفعة.

 

ثم عاد بعد دقائق.

 

وخلفه رجل في الخمسين من عمره.

 

أنيق.

 

هادئ.

 

ملامحه حادة.

 

قال أبي:

 

“ده المستشار عمر فوزي.”

 

مد الرجل يده نحوي.

 

“تشرفت بمعرفتك يا أستاذة ليلى.”

 

جلست أمامه في الصالة.

 

وأخرج حقيبة جلدية سوداء.

 

ثم وضع عدة ملفات فوق الطاولة.

 

وقال مباشرة:

 

“أنا كنت المحامي الشخصي للمرحوم فؤاد السعدني.”

 

اتسعت عيناي.

 

الاسم نفسه الموجود على العقد.

 

الرجل الذي قيل إنه مات في حادث.

 

أكمل بهدوء:

 

“وأعتقد إن موته ما كانش حادث.”

 

ساد الصمت.

 

حتى أمي توقفت عن التنفس للحظة.

 

ثم تابع:

 

“وقبل وفاته بأسبوعين سلمني ملفات لو حصل له أي مكروه.”

 

“وأمرني أوصلها للشخص المناسب.”

 

سأل أبي:

 

“وإيه علاقتها ببنتي؟”

 

فتح الرجل ملفًا سميكًا.

 

وأخرج مجموعة أوراق.

 

ثم قال:

 

“لأن اسم كريم الشاذلي موجود تقريبًا في كل صفحة.”

 

شعرت بأن قلبي يخبط بعنف.

 

أخرج الرجل صورًا.

 

عقودًا.

 

تحويلات مالية.

 

مستندات.

 

وأمام كل ورقة كان يظهر اسم كريم.

 

قال المحامي:

 

“في شبكة ضخمة لغسيل الأموال والاستيلاء على الأراضي.”

 

“وفؤاد اكتشف الحقيقة.”

 

“وحاول ينسحب.”

 

“وبعدها مات.”

 

همست:

 

“إنت بتقول إن كريم قتله؟”

 

هز رأسه ببطء.

 

“أنا بقول إن في أدلة تشير إن فؤاد كان ناوي يبلغ.”

 

“وبعدها بأيام عربية نقل دخلت فيه.”

 

شعرت بالغثيان.

 

كريم؟

 

الرجل الذي كنت أحبه؟

 

أبو طفلتي؟

 

هل يمكن أن يكون وصل إلى هذه الدرجة؟

 

لكن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد.

 

أخرج المحامي صورة أخرى.

 

ووضعها أمامي.

 

وفي اللحظة التي رأيتها فيها…

 

توقف قلبي تقريبًا.

 

كانت صورة لكريم.

 

يجلس داخل مطعم فاخر.

 

وبجانبه امرأة.

 

لكنها لم تكن ياسمين.

 

ولا أنا.

 

كانت امرأة ثالثة.

 

أصغر سنًا.

 

وأمامها طفل صغير.

 

في عمر أربع سنوات تقريبًا.

 

قال المحامي:

 

“الصورة دي اتصورت من سنة.”

 

“والطفل ده…”

 

رفع عينيه نحوي.

 

“…ابن كريم.”

 

شعرت أن الغرفة تدور.

 

“مستحيل.”

 

أعاد الصورة نحوي.

 

“للأسف حقيقي.”

 

أخذت الصورة بيد مرتجفة.

 

ونظرت إلى الطفل.

 

كانت ملامحه نسخة طبق الأصل من كريم.

 

نفس العينين.

 

نفس الابتسامة.

 

نفس شكل الوجه.

 

همست:

 

“يعني كان عنده ابن طول الوقت؟”

 

أومأ الرجل.

 

“ومن علاقة سرية استمرت سنوات.”

 

لم أعد أعرف أي شيء.

 

كل حقيقة كنت أظنها ثابتة كانت تنهار.

 

زواجي.

 

حبي.

 

حياتي.

 

كل شيء كان مبنيًا على أكاذيب.

 

وفجأة رن هاتفي.

 

رقم مجهول مرة أخرى.

 

نظر الجميع إلى الشاشة.

 

ثم ضغطت زر الإجابة.

 

جاءني صوت أنثوي مرتجف.

 

صوت أعرفه.

 

صوت ياسمين.

 

لكن هذه المرة كانت تبكي.

 

بكاء حقيقي.

 

وقالت جملة واحدة فقط:

 

“ليلى… ساعديني.”

 

ثم سمعت صرخة قوية في الخلفية.

 

وصوت تكسير زجاج.

 

وصوت رجل يصرخ بغضب.

 

ثم انقطع الخط فجأة.

 

نظر الجميع إليّ.

 

أما أنا…

 

فكنت أحدق في الهاتف.

 

وأدرك أن ياسمين أصبحت في خطر.

 

وأن الشخص الذي يطاردها الآن…

 

قد يكون الشخص نفسه الذي يراقب منزلي.

 

وفي نفس الثانية وصل إشعار جديد إلى بريدي الإلكتروني.

 

ملف فيديو مجهول المصدر.

 

عنوانه كان:

 

“الحقيقة التي قتلوا فؤاد بسببها.”

 

وعندما ضغطت تشغيل…

 

ظهر كريم الشاذلي على الشاشة.

 

وهو يعترف بشيء لم أتخيل يومًا أن أسمعه منه.

الفصل الرابع

 

ارتجفت أصابعي فوق شاشة الهاتف.

 

الغرفة كلها كانت صامتة.

 

أبي.

 

أمي.

 

المحامي عمر فوزي.

 

الجميع ينظر إلى الفيديو.

 

والجميع ينتظر.

 

ضغطت تشغيل.

 

ظهرت صورة مهزوزة قليلًا.

 

واضح أنها مصورة بكاميرا مخفية.

 

كان المكان مكتبًا فاخرًا.

 

عرفته فورًا.

 

مكتب كريم في مقر مجموعة الشاذلي.

 

ظهر كريم جالسًا خلف مكتبه.

 

وبجواره رجلان لم أرهما من قبل.

 

وكانت ملامحه مختلفة.

 

باردة.

 

قاسية.

 

خالية من الابتسامة التي كان يظهر بها أمام الناس.

 

سمعناه يقول:

 

“فؤاد بقى مشكلة.”

 

رد أحد الرجال:

 

“نقدر نحتويه.”

 

هز كريم رأسه.

 

“حاولنا.”

 

“رفض.”

 

“وبيجمع مستندات.”

 

ساد الصمت لثوانٍ.

 

ثم قال الرجل الآخر:

 

“ولو بلغ؟”

 

رفع كريم نظره إليه.

 

وقال ببرود:

 

“يبقى هو اللي اختار مصيره.”

 

توقف الفيديو فجأة.

 

لكن ما سمعناه كان كافيًا.

 

كافيًا ليحول الشك إلى خوف.

 

وكافيًا ليجعلني أرى زوجي بصورة لم أعرفها من قبل.

 

أغلق المحامي الفيديو.

 

وقال:

 

“ده جزء واحد بس.”

 

“وفي أجزاء تانية.”

 

“لكن الأهم إننا دلوقتي عرفنا ليه حد بيحاول يخوفك.”

 

سأل أبي:

 

“ليه بنتي بالتحديد؟”

 

تنهد الرجل.

 

ثم قال:

 

“لأنها لسه قانونيًا مرات كريم.”

 

“ولأنها حامل في وريثه الوحيد المعروف.”

 

تجمدت الكلمات داخل رأسي.

 

وريثه الوحيد المعروف.

 

إذًا الموضوع أكبر من مجرد خيانة.

 

وأكبر من مجرد زواج جديد.

 

في تلك اللحظة رن جرس الباب بعنف.

 

مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم ثلاث مرات متتالية.

 

قفز أبي من مكانه.

 

واتجه نحو النافذة.

 

وأزاح الستارة بحذر.

 

ثم تغير وجهه.

 

“في عربيات بره.”

 

وقف الجميع.

 

اقترب المحامي من النافذة.

 

ونظر للخارج.

 

ثم قال بهدوء خطير:

 

“إحنا لازم نمشي حالًا.”

 

سألت أمي بارتباك:

 

“نمشي فين؟”

 

رد:

 

“أي مكان غير هنا.”

 

لم تمض دقائق حتى كنا نغادر المنزل من الباب الخلفي.

 

ساعدني أبي على الصعود إلى سيارة المحامي.

 

بينما كانت نبضات قلبي تتسارع بشكل مرعب.

 

كنت في شهري السادس.

 

والتوتر وحده كان كافيًا ليؤذيني.

 

وضعت يدي فوق بطني.

 

وهمست:

 

“متخافيش يا حبيبتي.”

 

“ماما معاكي.”

 

تحركت السيارة بسرعة.

 

وبعد دقائق فقط نظر أبي من الزجاج الخلفي.

 

وقال:

 

“في عربية ورانا.”

 

التفت المحامي.

 

ثم ضغط على دواسة الوقود.

 

وتحول الطريق الهادئ إلى مطاردة حقيقية.

 

السيارة السوداء خلفنا لم تبتعد.

 

بل اقتربت أكثر.

 

وأكثر.

 

وأكثر.

 

حتى أصبحت أرى السائق بوضوح.

 

ثم فجأة…

 

انطلقت سيارة أخرى من شارع جانبي.

 

واعترضت طريق السيارة التي تطاردنا.

 

سمعنا صوت احتكاك قوي.

 

وصراخ إطارات.

 

ثم اختفت السيارة خلفنا.

 

تنفس الجميع الصعداء.

 

لكن المحامي لم يبتسم.

 

بل قال:

 

“لقونا أسرع مما توقعت.”

 

بعد ساعة كاملة وصلنا إلى فيلا قديمة على أطراف الإسكندرية.

 

كانت معزولة.

 

محاطة بالأشجار.

 

ولا يوجد حولها أي جيران.

 

قال المحامي:

 

“هتقعدوا هنا مؤقتًا.”

 

دخلنا.

 

وبالكاد جلست حتى شعرت بدوار شديد.

 

ثم ألم حاد أسفل بطني.

 

شهقت.

 

وأمسكت حافة الكرسي.

 

ركضت أمي نحوي.

 

“ليلى!”

 

حاولت الرد.

 

لكن الألم ازداد.

 

والخوف تضاعف.

 

كل ما كنت أفكر فيه هو طفلتي.

 

بعد دقائق وصل طبيب خاص استدعاه المحامي.

 

أجرى الفحص بسرعة.

 

ثم ابتسم أخيرًا.

 

وقال:

 

“الحمد لله.”

 

“الطفلة بخير.”

 

أغمضت عيني من شدة الارتياح.

 

لكن الطبيب أضاف:

 

“لو استمر الضغط النفسي بالشكل ده ممكن ندخل في مشاكل حقيقية.”

 

بعد مغادرته جلست وحدي في الشرفة.

 

أنظر إلى البحر البعيد.

 

وأحاول استيعاب ما يحدث.

 

حتى سمعت صوت سيارة تدخل الفيلا.

 

نهضت ببطء.

 

ونظرت من النافذة.

 

ثم تجمدت في مكاني.

 

لأن الشخص الذي نزل من السيارة لم يكن غريبًا.

 

ولم يكن رجل أمن.

 

ولم يكن محاميًا.

 

كان كريم نفسه.

 

زوجي.

 

وقف أمام البوابة الحديدية.

 

بوجه متعب.

 

وشعر غير مرتب.

 

وكأنه لم ينم منذ أيام.

 

ثم رفع رأسه.

 

ونظر مباشرة إلى النافذة التي أقف خلفها.

 

وكأنه يعرف أنني أراقبه.

 

وفي اللحظة التالية…

 

قال للحارس:

 

“قول لليلى إن حياتها وحياة بنتها في خطر.”

 

“ولو ما خرجتش حالًا…”

 

“هيموتوا كلهم.”

 

انقبض قلبي بقوة.

 

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في كلامه.

 

بل في الشيء الذي رأيته بعد ذلك.

 

لأول مرة منذ عرفته…

 

كان كريم الشاذلي خائفًا.

 

خائفًا فعلاً.

 

وكأن هناك شخصًا أخطر منه بكثير يطارده.

 

شخصًا جعل الملياردير الذي كانت البلاد كلها تخشاه…

 

يأتي بنفسه طالبًا النجدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *