زوجتي الهاربه حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث: السر اللي اتخبّى في الملف الأبيض

 

بعد تلات أيام…

 

سارة بدأت تشتغل في محل ورد صغير في المدينة الساحلية.

 

صاحب المحل، عم راضي، كان راجل في أوائل الستينات، طيب وبيتكلم قليل.

 

لما شاف إيدها وهي بتلف باقة ورد في أقل من دقيقة، ابتسم وقال:

 

“واضح إنك مش جديدة في الشغل.”

 

هزت راسها بابتسامة خفيفة.

 

“الورد هو الحاجة الوحيدة اللي بعرف أعملها صح.”

 

ما سألهاش جاية منين.

 

ولا ليه عايشة لوحدها.

 

وكان ده أكبر معروف عمله معاها.

 

…

 

أما في القاهرة…

 

فكان الوضع مختلف تمامًا.

 

سيف الحديدي ما راحش الشركة تلات أيام.

 

ولا حضر اجتماعات.

 

ولا حتى رد على مكالمات المستثمرين.

 

كل تركيزه كان على اسم واحد.

 

سارة عبد الرحمن.

 

دخل عليه مدير الأمن بملف أبيض.

 

“يا فندم… جمعنا كل المعلومات.”

 

فتح سيف الملف.

 

أول صورة كانت لسارة وهي واقفة قدام محل الورد.

 

الصورة اللي بعدها وهي بتسقي زرع قدام المحل.

 

ثم صور لفواتير.

 

إيجار.

 

كهربا.

 

ديون.

 

وسطر صغير مكتوب بخط المحاسب:

 

“صاحبة المحل رفضت أي مساعدات مالية مجهولة المصدر.”

 

رفع سيف عينه.

 

“إيه المقصود بمجهولة المصدر؟”

 

قال مدير الأمن:

 

“حضرتك فاكر من سنة لما أمرت حد يسدد إيجار محلها من غير ما تعرف؟”

 

هز سيف رأسه.

 

“هي اكتشفت.”

 

“ولغت العملية… ودفعت الفلوس بنفسها.”

 

سكت.

 

لأول مرة يحس إنه ما كانش فاهمها بالشكل الكافي.

 

…

 

قلب الصفحة.

 

لقى تقرير طبي.

 

كان عبارة عن إيصال معمل تحاليل.

 

التاريخ…

 

ليلة الحفل.

 

تجمدت عينه على اسم التحليل.

 

اختبار حمل.

 

حس إن قلبه وقف ثانية.

 

“النتيجة؟”

 

مدير الأمن بلع ريقه.

 

“للأسف… المعمل رفض يطلع أي بيانات.”

 

سيف قفل الملف بهدوء.

 

لكن عقله بدأ يربط كل حاجة.

 

غثيانها.

 

اختفاؤها المفاجئ.

 

دموعها.

 

حظرها ليه.

 

والطريقة اللي كانت حاطة بيها إيدها على بطنها قبل ما تمشي.

 

وقف مرة واحدة.

 

“هاتلي تسجيلات الكاميرات.”

 

…

 

بعد دقائق…

 

كانت الشاشة قدامه.

 

شاف سارة وهي خارجة من حمام السيدات.

 

وشها كان باين عليه إنها كانت بتعيط.

 

وشافها وهي واقفة مكانها أول ما الست قربت منه.

 

ثم…

 

القبلة.

 

رجّع الفيديو أكتر من مرة.

 

وبعدين قال فجأة:

 

“وقف هنا.”

 

الصورة اتجمدت.

 

الست هي اللي كانت ميلة ناحيته.

 

أما هو…

 

فكان واقف مكانه تقريبًا.

 

قال مدير الأمن بحذر:

 

“يا فندم… واضح إنها هي اللي بادرت.”

 

ما ردش.

 

كمل الفيديو.

 

شاف سارة وهي بتلف وشها وتمشي بسرعة.

 

ولأول مرة…

 

فهم هي شافت إيه.

 

وفهم ليه اختفت.

 

…

 

في نفس الوقت…

 

كانت الست صاحبة الفستان الفضي قاعدة في مكتب أبوها.

 

أبوها كان رجل أعمال كبير، وصفقة اندماجه مع مجموعة الحديدي كانت على وشك التوقيع.

 

دخل سيف من غير موعد.

 

السكرتيرة حاولت توقفه.

 

لكنه دخل مباشرة.

 

وقف قدامها وقال بصوت هادئ أخطر من الصريخ:

 

“آخر مرة تستغلي اسمي.”

 

قالت بتوتر:

 

“أنا كنت بحاول أحافظ على الصفقة.”

 

رد من غير ما يرفع صوته:

 

“خسرتي الصفقة.”

 

وبص لأبوها.

 

“ومن النهارده… كل تعامل بين شركاتنا انتهى.”

 

خرج وساب الاتنين في صدمة.

 

كانت الصفقة بالمليارات.

 

وانتهت في أقل من دقيقة.

 

…

 

ليلًا…

 

رجع سيف بيته.

 

دخل أوضة المكتب.

 

فتح درج صغير محدش يعرف عنه حاجة.

 

كان جواه علبة خشب.

 

فتحها.

 

طلع منها أول وردة بيضا كانت سارة جابتها في ذكرى وفاة أمه.

 

كانت ناشفة بقالها شهور.

 

لكنها ما زالت محتفظة بشكلها.

 

ابتسم لأول مرة من أيام.

 

وهمس لنفسه:

 

“لو كنتِ حامل فعلًا…”

 

سكت.

 

وأكمل بصوت خافت:

 

“أنا هلاقيكي.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

على بعد مئات الكيلومترات…

 

كانت سارة قاعدة على شاطئ البحر.

 

إيديها فوق بطنها.

 

وفجأة سمعت صوت عربية فاخرة تقف قدام محل الورد اللي بتشتغل فيه.

 

نزل منها راجل لابس بدلة سوداء.

 

وقف يسأل عم راضي:

 

“مساء الخير… فيه بنت اسمها سارة اشتغلت عندك من كام يوم؟”

 

سمعت سارة السؤال…

 

واتجمد الدم في عروقها.

 

لأنها كانت عارفة…

 

إن رحلة الهروب لسه ما بدأتش بجد.

الفصل الرابع: أول خيط

 

أول ما سمعت سارة الراجل بيسأل عنها…

 

حست إن قلبها هيخرج من صدرها.

 

بصت من فتحة الستارة الصغيرة.

 

بدلة سودا.

 

سماعة في ودنه.

 

وعربية فخمة واقفة قدام محل الورد.

 

قالت لنفسها وهي بتتراجع لورا:

 

“وصلوا… بسرعة أوي.”

 

لكن عم راضي ما ردش على طول.

 

خلع نظارته، وبص للغريب بهدوء.

 

“بتسأل ليه؟”

 

طلع الراجل كارت من جيبه.

 

“إحنا بندور على موظفة كانت شغالة في القاهرة، ومحتاجين نطمن إنها بخير.”

 

ابتسم عم راضي ابتسامة خفيفة.

 

“أنا عندي خمس بنات بيشتغلوا هنا… ولا واحدة اسمها سارة.”

 

فضل الراجل واقف ثواني كأنه بيحاول يقرأ وشه.

 

لكن الراجل العجوز ما اتهزش.

 

في الآخر هز راسه ومشي.

 

…

 

أول ما العربية اختفت من آخر الشارع…

 

خرجت سارة من المخزن وهي بتتنفس بصعوبة.

 

بص لها عم راضي وقال:

 

“إنتِ هربانة من مين يا بنتي؟”

 

نزلت عينيها للأرض.

 

“من الماضي.”

 

رد عليها بهدوء:

 

“اللي بيدور عليكي بالشكل ده… عمره ما هيوقف.”

 

سكتت.

 

لأنها كانت عارفة إنه عنده حق.

 

…

 

في القاهرة…

 

كان سيف واقف قدام شاشة كبيرة عليها خريطة مصر.

 

علامات حمرا متوزعة على المحافظات.

 

كل مكان ممكن تكون راحت له.

 

دخل مدير الأمن وقال:

 

“الراجل رجع.”

 

“ولقى حاجة؟”

 

“لا يا فندم.”

 

فضل سيف ساكت.

 

ثم قال:

 

“يبقى هي غيرت اسمها.”

 

رفع مدير الأمن حاجبه.

 

“حضرتك متأكد؟”

 

“سارة ذكية… وأذكى من إنها تفضل بنفس بياناتها.”

 

قرب من الخريطة.

 

“ابدأوا دوروا على أي بنت فتحت شغل جديد في محل ورد… أو اشتغلت في واحد.”

 

استغرب مدير الأمن.

 

“محلات الورد؟”

 

ابتسم سيف لأول مرة.

 

“هي مستحيل تبعد عن الورد.”

 

…

 

بعد أسبوع…

 

بدأت سارة تحس إن تعب الحمل بيزيد.

 

كل صباح غثيان.

 

ودوخة.

 

وفي يوم وهي بترتب باقة لعروسة…

 

وقعت فجأة على الأرض.

 

جرى عليها عم راضي.

 

“سارة!”

 

فتحت عينيها بالعافية.

 

ابتسمت وقالت:

 

“أنا كويسة.”

 

لكنها ما كانتش كويسة.

 

الدكتورة بعد الكشف قالت لها بهدوء:

 

“أنتِ لازم ترتاحي.”

 

سكتت لحظة، ثم كملت:

 

“وحملك محتاج متابعة منتظمة.”

 

خرجت سارة من العيادة وهي ماسكة صورة الأشعة الأولى.

 

كانت مجرد نقطة صغيرة.

 

لكن بالنسبة لها…

 

كانت الدنيا كلها.

 

حضنت الظرف لصدرها.

 

وقالت وهي تبتسم وسط دموعها:

 

“أوعدك… مهما حصل… هحافظ عليك.”

 

…

 

في نفس الوقت…

 

كان سيف بيراجع كشفًا قديمًا للمكالمات.

 

لفت انتباهه رقم اتكرر عشرات المرات.

 

رقم محل ورد سارة.

 

اتصل.

 

رن الجرس.

 

لكن بدل ما ترد سارة…

 

ردت سيدة كبيرة.

 

“ألو؟”

 

“معايا محل ورد سارة؟”

 

تنهدت السيدة.

 

“المحل اتقفل من أسبوع.”

 

“تعرفي راحت فين؟”

 

“لأ… بس قبل ما تمشي كانت بتعيط جامد.”

 

ساد الصمت.

 

ثم سألت السيدة بعفوية:

 

“حضرتك قريبها؟”

 

نظر سيف من نافذة مكتبه إلى أضواء القاهرة وقال بصوت منخفض:

 

“نفسي أكون.”

 

أغلق الهاتف.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصله ظرف بني من إدارة الفندق.

 

فتح الظرف بسرعة.

 

كان فيه شيء واحد فقط…

 

قطعة صغيرة من اختبار حمل مكسور.

 

كان عامل النظافة لقاها في سلة مهملات حمام السيدات، واحتفظ بيها ضمن المفقودات قبل ما يكتشفوا إنها قد تكون مهمة.

 

تجمدت ملامح سيف.

 

قرأ الكلمة المطبوعة على القطعة البلاستيكية:

 

Pregnant.

 

لثوانٍ…

 

ما قدرش يتحرك.

 

ثم أغلق عينيه وهمس:

 

“إذن… كانت حامل.”

 

ولأول مرة في حياته…

 

شعر بالخوف الحقيقي.

 

ليس على نفسه…

 

بل على المرأة التي اختفت وهي تحمل ابنه، ولا يعرف إن كانت الآن آمنة… أم أن أحدًا آخر سبق إليه.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *