اولادي حكايات أسما

أولادي افتكروا إني نايمة لما بدأوا يتخانقوا على مين هياخد بيتي بعد ما أموت… فقررت أديهم درس عمرهم ما كانوا يتوقعوه.
عندي ٦ أولاد. أربع أولاد وبنتين.
ربّيتهم لوحدي بعد ما أبوهم مات وهو لسه صغير. اشتغلت شغلانتين، وحرمت نفسي من السفر والإجازات، ولبست نفس المعطف عشر سنين علشان أوفر لهم كل اللي يحتاجوه.
ولفترة طويلة، بيتنا كان مليان حياة.
لكنهم كبروا.
واحد وراء الثاني، مكالماتهم قلت. زياراتهم بقت أقصر. والأعياد بقت “معقدة السنة دي”.
لحد ما في يوم… البيت بقى هادي بشكل يوجع القلب.
من كام أسبوع، اكتشفت إني مش فاكرة آخر مرة كنا كلنا مجتمعين تحت سقف واحد.
والفكرة دي كسرت قلبي.
فقررت أعمل حاجة أنا مش فخورة بيها.
بعتلهم كلهم نفس الرسالة:
“صحتي بقت أسوأ… ومش عارفة فاضلي قد إيه. نفسي أشوفكم قبل ما يفوت الأوان.”
وجُم فورًا.
كلهم.
فجأة مطبخي بقى مليان تاني. بناتي طبخوا ليا. أولادي صلحوا حاجات في البيت. حضنوني. سألوني لو محتاجة دوا… بطاطين… أي حاجة.
وللحظة…
حسّيت إن عيلتي رجعتلي من جديد.
لكن في ليلة، صحيت عطشانة وسمعت أصوات جاية من تحت.
عرفت صوت ابني الكبير فورًا:
“البيت لازم يتقسم بالتساوي!”
“ده كلام فارغ”، ردت بنتي الصغيرة بعصبية. “ماما وعدتني بفلوسها من سنين.”
“هي أصلًا بقت مش فاهمة حاجة دلوقتي”، تمتمت بنتي الكبيرة. “نقدر نقنعها تمضي.”
اتجمدت مكاني.
وفضلوا يتخانقوا…
على بيتي.
فلوسي.
حاجاتي.
كأني مت بالفعل.
كأني مجرد ست عجوز مش فاهمة، ويقدروا يضحكوا عليها.
وقفت في الضلمة أسمع أولادي وهم بيهدموا كل صورة كنت فاكرة إن عيلتنا لسه محتفظة بيها.
وفي اللحظة دي…
قررت أديهم درس عمرهم ما هينسوه.
تاني يوم الصبح، ابني الكبير دخل أوضتي وشه شاحب زي الأشباح.
“يا نهار أبيض يا ماما!” صرخ. “إنتِ عملتي إيه؟!”
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
ابني الكبير كان واقف عند باب أوضتي ووشه شاحب بشكل خوّفني للحظة.
“يا نهار أبيض يا ماما! إنتِ عملتي إيه؟!”
رفعت عيني بهدوء من فنجان الشاي اللي كنت ماسكاه.
ولأول مرة من سنين… كنت هادية بشكل مرعب.
قلت بهدوء: — صباح الخير يا سامح.
دخل بسرعة، وفي إيده ورقة.
ورقة كنت أعرفها كويس.
إعلان بيع البيت.
صرخ بعصبية: — إنتِ عرضتي البيت للبيع؟!
بصيتله بدون أي تعبير. — أيوه.
في ثواني، البيت كله اتقلب.
سمعت صوت كراسي بتتحرك بسرعة. أبواب بتتفتح. وأقدام بتنزل السلم جري.
وبعد أقل من دقيقة… كانوا كلهم واقفين في الصالة.
أربع أولاد. بنتين.
الناس اللي ضحيت بعمري كله علشانهم.
لكن لأول مرة… كنت شايفاهم بوضوح.
مش أطفالي الصغيرين اللي كنت بجري وراهم بالأكل. ولا المراهقين اللي كنت بستناهم لحد الفجر علشان أطمن إنهم رجعوا البيت.
شايفة ست رجال وستات كبار… مرعوبين على الميراث.
قالت بنتي الكبيرة مها بعصبية: — بيع إيه يا ماما؟! إنتِ بتهزري صح؟
حطيت الفنجان بهدوء. — لا.
ابني التاني حسام قرب بسرعة. — بس البيت ده بتاعنا كلنا!
ضحكت ضحكة صغيرة باردة. — لأ… البيت باسمي أنا.
الصمت نزل فجأة.
كنت شايفة الصدمة في عينيهم. كأنهم لأول مرة يفتكروا إني بني آدم عنده حق يقرر.
قالت بنتي الصغيرة دينا بتوتر: — طب… فجأة كده ليه؟
سندت ضهري على الكرسي.
وبصيت لكل واحد فيهم بالراحة.
— لأن واضح إن وجودي نفسه بقى مجرد انتظار لموعد موتي.
الجو تجمد.
محدش اتكلم.
لكن نظراتهم فضحتهم.
كنت شايفة الذنب… وشايفة الخوف.
قلت بهدوء: — سمعت كل كلمة امبارح.
سامح بلع ريقه بسرعة. — ماما… إنتِ فهمتي غلط…
قاطعته وأنا برفع إيدي. — سمعتكم وإنتوا بتتخانقوا على البيت… والفلوس… وإزاي تقنعوني أمضي.
مها شهقت: — يا ماما والله إحنا ما—
صرخت لأول مرة: — كفاية كذب!
البيت كله سكت.
حتى الأطفال اللي كانوا نايمين فوق صحيوا من الصوت.
قلبي كان بيدق بعنف… لكنني كنت محتاجة أقولها.
كلها.
بصيت لهم ودموعي بدأت تلمع.
— أنا كنت لوحدي بعد ما أبوكم مات. لوحدي وأنا بغسل هدوم الناس علشان تعرفوا تدخلوا مدارس كويسة. لوحدي وأنا بنام جعانة علشان إنتوا تاكلوا. لوحدي وأنا باخد مواصلتين وثلاثة كل يوم علشان أوفر تمن دروسكم.
صوتي بدأ يهتز.
— كنت بشتغل لحد رجلي تورم… وأرجع أطبخ وأذاكر لكم وأنام ساعتين بس.
بصيت في وشوشهم واحد واحد.
— عمري ما طلبت منكم فلوس. ولا هدايا. ولا حتى تردوا الجميل.
دموعي نزلت رغمًا عني.
— كل اللي كنت محتاجاه… إنكم تحبوني بجد.
الصمت كان خانق.
دينا بدأت تبكي. لكنني كنت متأخرة جدًا عن التأثر بالدموع.
قلت ببرود: — البيت اتباع.
سامح صرخ: — يعني إيه اتباع؟! هنروح فين؟!
رفعت حاجبي بدهشة. — “هنروح”؟
ثم ضحكت بمرارة.
— غريبة… فجأة بقيتوا فاكرين إن البيت بيتكم؟
حسام قرب بعصبية. — ماما إحنا مقصدناش اللي سمعتيه.
بصيتله بثبات. — قصدتوا.
ثم وقفت ببطء.
رغم تعب ضهري وركبي… وقفت.
— وكل واحد فيكم هياخد فرصته يعيش لوحده زي ما أنا عشت.
مها قربت بسرعة. — طب إنتِ هتعيشي فين؟!
ابتسمت لأول مرة.
ابتسامة صغيرة… لكنهم كلهم خافوا منها.
— هعيش مع نفسي أخيرًا.
وفجأة… طلع صوت عربية قدام البيت.
كلهم بصوا من الشباك.
شركة نقل أثاث.
وشوفت الرعب الحقيقي في عيونهم.
سامح لف ناحيتي بسرعة. — إنتِ مش جد!
قلت بهدوء: — جدًا.
بدأ العمال يدخلوا.
واحد يشيل الكنب. واحد يفك السفرة. واحد يشيل النيش اللي فضلت أجمع فيه سنين.
مها صرخت: — يا ماما حرام عليكي!
ضحكت بمرارة. — حرام؟ الحرام إني أعيش وسط ناس مستنياني أموت.
دينا انهارت في العياط. — إحنا آسفين!
بصيتلها للحظة طويلة.
كنت نفسي أصدقها.
والله كنت نفسي.
لكن الإنسان لما قلبه يتكسر… بيسمع الحقيقة حتى وسط الاعتذار.
قلت بهدوء: — الأسف اللي ييجي بعد ما القناع يقع… ملوش قيمة.
وفجأة… طلع صوت صغير من عند باب المطبخ.
“تيتا؟”
التفتّ.
حفيدتي الصغيرة ليلى كانت واقفة بفستانها الوردي، ماسكة دبدوبها، وعينيها مليانة خوف.
قربت مني ببطء. — هما زعلانين ليه؟
نزلت لمستواها ومسحت على شعرها.
وفي اللحظة دي… قلبي وجعني أكتر من أي وقت.
لأن الأطفال دايمًا أبرياء من خراب الكبار.
حضنتها وقلت: — مفيش يا حبيبتي… الكبار أحيانًا بينسوا يعني إيه عيلة.
بصتلي بعينيها الواسعة. — إنتِ هتمشي؟
ابتسمت رغم الدموع. — أيوه يا قلبي.
— طب وأنا؟
الكلمة كسرتني.
شديتها لحضني أكتر.
— إنتِ هتفضلي في قلبي دايمًا.
مها قربت بسرعة تاخد بنتها. لكن ليلى تعلقت في رقبتي وبكت. — لا… أنا عايزة تيتا.
وفي اللحظة دي… شفت حاجة وجعتني أكتر.
أولادي كانوا خايفين على البيت… لكن البنت الصغيرة دي كانت خايفة عليا أنا.
وده كان الفرق كله.
بعد ساعات… البيت بقى شبه فاضي.
الصدى مالي المكان.
نفس البيت اللي كان مليان ضحك زمان… بقى غريب.
وقفت في نص الصالة أبص حواليّا.
هنا سامح وقع وهو صغير وكسر سنه. هنا حسام كان بيذاكر للثانوية. هنا مها لبست فستان فرحها. هنا دينا كانت بتستخبى ورا الستارة لما تخاف من الرعد.
عمر كامل.
وفجأة… بقى مجرد حيطان.
سامح قرب مني آخر مرة. صوته كان مكسور: — يعني خلاص؟
بصيتله طويل.
ثم قلت: — لأ. لسه فيه حاجة أخيرة.
طلعت ظرف أبيض من الشنطة.
واديته له.
فتح الظرف بسرعة.
وعينيه اتوسعت بصدمة.
— إيه ده؟
قلت بهدوء: — وصيتي الجديدة.
الكل قرب بسرعة.
حسام خطف الورقة تقريبًا.
وكان مكتوب فيها:
“أوصي ببيع البيت بالكامل… والتبرع بنصف ثمنه لدار أيتام… والنصف الآخر يُقسم بالتساوي بين أحفادي فقط.”
الصمت انفجر في وشوشهم.
مها شهقت: — أحفادك؟!
هزيت رأسي. — الأطفال اللي لسه قلوبهم نظيفة… أولى منكم.
سامح صرخ: — يعني إحنا مش هناخد حاجة؟!
بصيتله بثبات.
— إنتوا أخدتوا عمري كله بالفعل.
الكلمة نزلت عليهم كصفعة.
ودينا انهارت على الكرسي تبكي.
لكن لأول مرة… ماجريتش أحضن حد.
لأن الأم أحيانًا… بتتعب.
تتعب لدرجة إنها تبطل تعرف تضمّد اللي اتكسر جواها.
وفي آخر اليوم…
خرجت من البيت بشنطة صغيرة.
بس.
ولا دهب. ولا أثاث. ولا ذكريات.
ركبت العربية، والسواق سألني: — على فين يا حاجة؟
بصيت من الشباك للبيت آخر مرة.
وشفت أولادي واقفين عند الباب… تايهين.
يمكن ندمانين. يمكن خايفين. يمكن الاتنين.
لكن بعد فوات الأوان.
ابتسمت بهدوء ومنه جقلت للسواق: — على البحر.
استغرب. — البحر؟
هزيت رأسي وأنا باخد نفس طويل لأول مرة من سنين.
— أيوه… عايزة أشوف البحر قبل ما أموت… بس المرة دي… وأنا مرتاحة.
وصلت مدينة صغيرة على البحر بعد ثلاث ساعات سفر.
مدينة هادية… محدش يعرفني فيها.
لا فيها ذكريات. ولا وجع. ولا أصوات خناق مستخبية ورا كلمة “عيلة”.
استأجرت شقة صغيرة تطل على البحر مباشرة.
كانت بسيطة جدًا. أوضتين وصالة. وكرسي قديم في البلكونة.
لكن لأول مرة من سنين… حسّيت بالأمان.
محدش بيخبط على بابي علشان يطلب حاجة. محدش بيناديني وأنا نايمة. محدش بيحسب أنا معايا كام في البنك.
بقيت أصحى الصبح على صوت الموج.
وأشرب قهوتي وأنا ببص للبحر.
وفي الليل… كنت ببكي أحيانًا.
مش علشان البيت.
علشانهم.
علشان الست اللي كنتها زمان… اللي كانت فاكرة إن الحب اللي بتديه لأولادها مستحيل يضيع.
مر شهر.
ولا واحد منهم اتصل.
في الأول كنت مستنية.
كل مرة التليفون يرن… قلبي كان بينط.
لكن أغلب الوقت كان مجرد إعلانات. أو رقم غلط.
وحاجة جوايا كانت بتموت بالبطيء.
لحد ليلة ممطرة… سمعت خبط على الباب.
كنت لابسة روب صوف وتقريبًا داخلة أنام.
فتحت الباب بحذر…
واتجمدت.
دينا.
بنتي الصغيرة.
كانت واقفة قدام الباب وشها مرهق جدًا. شعرها منكوش. وعينيها حمرا من العياط.
وفي إيدها شنطة صغيرة.
بصتلي أول ما فتحت… وانهارت.
— ماما…
قلبي وجعني رغم كل شيء.
لكنني وقفت مكاني.
قالت بصوت متقطع: — ممكن أدخل؟
سكت ثواني طويلة.
ثم فتحت الباب.
دخلت ببطء وهي تبص حوالين الشقة الصغيرة.
واضح إنها اتصدمت.
يمكن كانت متخيلة إني عايشة في مكان فاخر بعد بيع البيت.
لكن الحقيقة… إني أخيرًا كنت عايشة على قدي.
قعدت وهي بتفرك إيديها بتوتر.
— إنتِ خسيتِ.
ضحكت بخفة. — والبحر ريّحني شوية.
سكتت.
ثم بدأت تبكي تاني.
— أنا آسفة يا ماما.
بصيت بعيد للبحر من البلكونة.
لأنني لو بصيت في عينيها… كنت هضعف.
قالت بسرعة: — والله ما كنت عايزة الفلوس… أنا بس… كنت خايفة.
لفيت لها بهدوء. — خايفة من إيه؟
شهقت وهي بتمسح دموعها. — من الدنيا… من المسؤولية… من إننا نفضل لوحدنا بعدك.
الكلمات دخلت قلبي ببطء.
كملت وهي بتبكي: — لما بابا مات… إنتِ شيلتِ كل حاجة عننا. كبرنا وإحنا متأكدين إنك دايمًا هتصلحي كل شيء.
صوتها اتكسر.
— ولما حسينا إنك ممكن تمشي فعلًا… كل واحد فينا خاف بطريقته القبيحة.
الصمت ملي المكان.
ثم همست: — بس اللي عملناه ميستحقش السماح.
لأول مرة… بصيت في عينيها مباشرة.
وشفت بنتي الصغيرة.
مش الست الكبيرة.
البنت اللي كانت بتستخبى في حضني وقت الرعد.
قلت بهدوء: — إنتِ الوحيدة اللي جيتي.
نزلت عينيها للأرض. — الباقيين عايزين ييجوا… بس مكسوفين.
ضحكت بمرارة. — دلوقتي؟
هزت رأسها وهي تبكي. — سامح كل يوم يبص على أوضتك الفاضية ويسكت. حسام بطل يضحك. مها كل ما بنتها تسأل على تيتا تعيط.
بلعت الغصة اللي في زوري.
ثم سألت: — وإنتِ؟
بصتلي بعينين مليانين تعب. — أنا اكتشفت إن البيت من غيرك… مجرد حيطان.
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي… ماكانش مؤلم بنفس الدرجة.
قامت ببطء من مكانها.
— أنا همشي لو إنتِ مش عايزاني.
وفي اللحظة دي…
شوفت إيديها.
كانت متشققة وخشنة.
نفس الإيدين اللي كانت ناعمة زمان.
سألتها: — إنتِ بتشتغلي شغلانتين؟
بصتلي بدهشة. — أيوه… من بعد ما مشيتي.
ابتسمت بحزن.
الحياة بدأت تعلمهم أخيرًا.
قلت بهدوء: — اقعدي اتعشي الأول.
رفعت رأسها بسرعة… وكأنها مش مصدقة.
ولأول مرة من شهور… أكلت مع حد على نفس السفرة.
بعدها بأسبوع…
جالي خبط تاني على الباب.
كان سامح.
ابني الكبير.
الرجل اللي صرخ أول واحد خوفًا على البيت.
لكنه دلوقتي… كان باين عليه مكسور.
أول ما شافني… عيونه دمعت.
وقال: — أنا بقيت شبه أبويا.
الكلمة فاجأتني.
قعد قدامي وقال بصوت مبحوح: — طول عمري كنت فاكر إني مختلف عنه… لكن لما احتجنا الفلوس… طلع أسوأ ما فيه جوايا.
أبوهم كان طماع.
وكنت دائمًا أحاول أخبي عيوبه عنهم.
لكن يبدو إن الدم يحمل أشياء لا نهرب منها بسهولة.
سامح مدلي ظرف.
— ده نصيبي من بيع العربية… خديه.
استغربت. — ليه؟
بكى لأول مرة من سنين. — علشان أول مرة أفهم يعني إيه أم تضحي بكل حاجة.
قلبي ارتعش.
لكني لم آخذ الظرف.
قلت: — احتفظ بيه… وابدأ حياتك صح.
بعدها… بدأوا ييجوا واحد وراء الثاني.
مش علشان الفلوس.
لكن علشان يقعدوا معايا.
نتغدى. نتكلم. نسكت.
وفي كل زيارة… كنت أكتشف قد إيه إحنا ضيعنا سنين بسبب الانشغال والخوف والطمع.
وفي يوم… ليلى حفيدتي دخلت تجري على الشاطئ وهي بتضحك: — تيتااااا!
حضنتها بقوة.
وقالت بحماس: — بابا بيقول إحنا هنعيش قريب منك!
بصيت لسامح بدهشة.
ابتسم بخجل. — لقينا شقة هنا.
الدموع لمعت في عيني.
مش لأنهم رجعوا.
لكن لأنهم رجعوا بإرادتهم… مش خوفًا من الميراث.
بعد شهور…
جمعنا كلنا على سفرة واحدة مرة تانية.
نفس الضحك القديم. نفس الفوضى. حتى نفس الخناق على آخر قطعة سمك.
لكن المرة دي… كان في شيء مختلف.
امتنان.
حقيقي.
وفي آخر الليل… بعد ما الكل نام…
خرجت للبلكونة أبص للبحر.
سامح خرج وقعد جنبي بهدوء.
وقال: — ماما؟
— نعم؟
بصلي وعينيه مليانة ندم. — إنتِ سامحتينا فعلًا؟
بصيت للموج طويلًا.
ثم قلت بهدوء: — الأم عمرها ما بتبطل تحب… لكن أحيانًا لازم قلبها يتكسر علشان أولادها يفوقوا.
سكت وهو يبص للأرض.
ثم همس: — وإحنا فوقنا متأخر.
ابتسمت بحزن ومسحت على شعره… زي زمان.
وقلت: — المهم إنكم فوقتوا قبل ما أموت بجد.
وفي اللحظة دي… سمعت ضحكة ليلى من جوه.
وصوت دينا وهي بتزعق على حسام.
ورائحة السمك المشوي لسه مالية المكان.
فغمضت عيني للحظة…
وحسّيت إن البيت الحقيقي… ماكنش عمره بيت الطوب.
البيت الحقيقي… هو الناس اللي أخيرًا اتعلمت تحبك قبل فوات الأوان.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *