عشيقة جوزي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
“وفي حد منهم جاي هنا دلوقتي.”
الجملة نزلت على الغرفة كلها كالصاعقة.
حتى كريم نفسه رفع رأسه فجأة.
وقال:
“مين؟”
لكن المحامي لم يجب فورًا.
كان ينظر إلى هاتفه.
ثم قال:
“الراجل بنفسه.”
شحب وجه كريم.
شحوبًا لم أره من قبل.
ولأول مرة…
فهمت أن هناك شيئًا أكبر بكثير من الخيانة.
أكبر من ياسمين.
وأكبر حتى من زواجنا كله.
—
بعد أقل من عشر دقائق…
توقفت سيارة سوداء أمام الفيلا.
من النافذة رأيت رجلًا ينزل منها.
في أوائل الستينات.
شعره رمادي.
بدلة أنيقة.
وعصا خشبية فاخرة في يده.
لكن أكثر ما لفت انتباهي…
أن كريم تراجع خطوة إلى الخلف عندما رآه.
قالت ياسمين بصوت مرتجف:
“مين ده؟”
لكن كريم لم يرد.
لأنه كان يعرفه جيدًا.
—
رن جرس الباب.
فتح ضابط التنفيذ.
ودخل الرجل.
بهدوء.
وكأنه يدخل بيته.
نظر حوله.
ثم وقعت عيناه عليّ.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
“أنتِ شبه أمك جدًا.”
تجمدت.
لأنني لم أره في حياتي من قبل.
ومع ذلك…
كان يتحدث وكأنه يعرفني منذ سنوات.
—
قال المحامي:
“الأستاذ شريف عزام.”
الاسم جعلني أتذكر شيئًا.
اسمًا قرأته عشرات المرات في أوراق أمي القديمة.
أحد أوائل شركائها.
ثم اختفى فجأة.
بعد فضيحة مالية ضخمة.
نفس الرجل الموجود في الصورة داخل الملف الأسود.
—
جلس شريف على الأريكة.
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
وقال:
“أنا قلتلك اليوم ده هييجي.”
اختفى آخر لون من وجه كريم.
أما أنا…
فشعرت أن قلبي بدأ يدق أسرع.
—
قال شريف بهدوء:
“قبل ما نكمل…”
“عايز أعرف.”
نظر إلى الملف الأسود.
وأضاف:
“قرأتي قد إيه؟”
أجبته:
“لحد خطة الاستحواذ على ثروتي.”
أغمض عينيه.
ثم قال:
“يبقى لسه ما وصلتيش للأسوأ.”
—
ساد الصمت.
حتى الأطفال توقفوا عن الحركة.
وكأن البيت كله ينتظر.
—
فتح شريف حقيبته الجلدية.
وأخرج ملفًا قديمًا آخر.
أقدم من الملف الموجود عندي.
وأكثر سمكًا.
ثم وضعه فوق الطاولة.
وقال:
“أمك كانت أذكى واحدة فينا.”
“عشان كده اكتشفت الحقيقة قبل الكل.”
سألته:
“حقيقة إيه؟”
نظر إلى كريم.
ثم عاد ينظر إلي.
وقال:
“إن كريم ما كانش الهدف.”
اتسعت عيناي.
“إيه؟”
قال:
“كريم كان مجرد أداة.”
—
لم أفهم.
ولا المحامي فهم.
ولا حتى ضابط التنفيذ.
لكن كريم فهم.
لأن عينيه امتلأتا بالرعب.
—
أخرج شريف ورقة صفراء قديمة.
ودفعها نحوي.
كانت مذكرة داخلية.
مؤرخة قبل زواجي بأكثر من سنة.
وفي أعلاها عنوان:
“المشروع رقم 17.”
—
بدأت أقرأ.
ومع كل سطر…
كنت أشعر أن الأرض تختفي من تحتي.
لأن المشروع لم يكن مشروعًا تجاريًا.
ولا استثمارًا.
بل خطة.
خطة كاملة.
للوصول إلى أملاك عائلتي.
—
قال شريف:
“في ناس كانت عارفة إن أمك مريضة.”
“وعارفة إنك الوريثة الوحيدة.”
“وعارفة إنك صغيرة ولسه ما عندكيش خبرة كفاية.”
ثم أشار إلى كريم.
وأضاف:
“فاختاروه.”
—
همست:
“اختاروه ليه؟”
رد:
“عشان يقرب منك.”
“ويتجوزك.”
“ويبقى جوه البيت.”
—
نظرت إلى كريم.
لكنه لم ينكر.
ولم يدافع عن نفسه.
وهنا فقط…
عرفت أن الكلام حقيقي.
—
لكن شريف لم ينته.
بل فتح صفحة أخرى.
وقال:
“المشكلة إن كريم خرج عن الخطة بعد فترة.”
تجمد كريم.
أما أنا فقلت:
“يعني إيه؟”
ابتسم شريف بمرارة.
وقال:
“في الأول كان بيمثل.”
“لكن بعدين حبك فعلًا.”
ساد الصمت.
ثقيلاً.
مؤلمًا.
ومربكًا.
—
ضحكت بسخرية.
“حبني؟”
لكن شريف لم يضحك.
بل قال:
“وده اللي عمل المشكلة.”
“لأنه بقى بين نارين.”
“الناس اللي بعته.”
“وحياته معاكي.”
—
التفت إلى كريم.
ولأول مرة…
رأيته ينظر إلى الأرض.
لا يتكلم.
لا ينكر.
لا يبرر.
—
لكنني لم أعد أهتم.
لأن هناك سؤالًا أهم.
سؤالًا جعلني أنظر إلى شريف مباشرة.
وأقول:
“مين الناس دي؟”
—
هنا فقط…
اختفت ابتسامته.
ووضع يده فوق الملف.
ثم قال:
“الناس دي…”
“لحد النهارده ما حدش عرف يوصل لهم.”
“ولا حتى أمك.”
—
ثم فتح آخر صفحة.
وأدارها نحوي.
فوق الصفحة كانت صورة واحدة.
صورة لرجل.
في منتصف الخمسينات.
يرتدي بدلة داكنة.
ويقف وسط مجموعة من رجال الأعمال.
لكن وجهي شحب فورًا.
لأنني أعرفه.
أعرفه جيدًا.
بل أراه باستمرار.
—
همس المحامي:
“إنتِ تعرفيه؟”
لكنني لم أستطع الرد.
لأن الرجل الموجود في الصورة…
لم يكن غريبًا.
ولم يكن شريكًا قديمًا.
ولم يكن رجل أعمال مجهولًا.
بل كان شخصًا قريبًا جدًا مني.
شخصًا كنت أثق فيه.
شخصًا حضر جنازة أمي.
وشارك في عزائها.
وكان أول من واساني بعد وفاتها.
—
ثم قرأت الاسم المكتوب أسفل الصورة.
وشعرت أن قلبي توقف.
لأن الاسم كان:
“المستشار عادل الشاذلي.”
أخي الأكبر.
الشخص الوحيد المتبقي من عائلتي.
الفصل الرابع
ظللت أحدق في الصورة عدة ثوانٍ.
ثم فجأة…
هززت رأسي.
“لا.”
نظر إليّ المحامي باستغراب.
أما شريف عزام فرفع حاجبه.
فأشرت إلى الصورة.
وقلت:
“دي مش دليل على أي حاجة.”
ساد الصمت.
ثم أكملت:
“عادل كان المستشار القانوني لشركات أمي.”
“طبيعي يكون موجود في اجتماعات زي دي.”
لأول مرة…
ابتسم شريف.
ابتسامة رضا.
وقال:
“الحمد لله.”
ارتبكت.
“إيه؟”
رد بهدوء:
“كنت مستني أشوف هتصدقي أول حاجة تتحط قدامك ولا لأ.”
—
أغلق الملف.
ودفع الصورة بعيدًا.
ثم قال:
“أخوكي بريء.”
شعرت براحة مفاجئة.
لكنها لم تستمر طويلًا.
لأنه أضاف:
“لكن اللي جاي أسوأ.”
—
نظر إلى كريم.
ثم قال:
“قول لها.”
لم يرد كريم.
فكرر:
“قول لها الحقيقة.”
لكن كريم ظل صامتًا.
فهمست:
“حقيقة إيه؟”
—
أخرج شريف مستندًا آخر.
ثم وضعه أمامي.
كان تقريرًا خاصًا بتحركات مالية.
وتواريخ.
وأسماء.
وحسابات بنكية.
وفي المنتصف…
اسم كريم.
—
قلت:
“يعني اختلس فلوس؟”
هز رأسه.
“لا.”
ثم أشار إلى سطر محدد.
وقال:
“اقري ده.”
—
بدأت أقرأ.
ومع كل كلمة…
بدأت معدتي تنقبض.
لأن المستند لم يكن يتحدث عن أموال خرجت من الشركة.
بل عن محاولات متكررة للوصول إلى شيء واحد فقط.
الخزنة.
—
نظرت إليه.
“الخزنة؟”
قال:
“أيوة.”
ثم أضاف:
“كل اللي حصل من أول يوم دخل فيه حياتك كان علشان الخزنة.”
—
التفت إلى كريم.
“إيه الموجود فيها؟”
لكن هذه المرة…
حتى هو بدا وكأنه لا يعرف الإجابة الكاملة.
وقال:
“ماعرفش.”
ضحكت بمرارة.
“يعني إيه ما تعرفش؟”
رد:
“أقسم بالله.”
“أنا كنت فاكر إنها مستندات أملاك.”
“أو حسابات.”
“أو أسهم.”
“أي حاجة.”
—
قال شريف:
“وده اللي قالولهوله.”
ثم أضاف:
“لكن أمك كانت أذكى منهم.”
—
فتح الملف الأسود من جديد.
وأخرج ظرفًا صغيرًا جدًا.
كان مخفيًا داخل الغلاف الخلفي.
بحيث لا يلاحظه أحد بسهولة.
حتى أنا.
حتى بعد فتح الملف.
—
شعرت بقشعريرة.
لأنني لم أره من قبل.
مددت يدي.
وفتحته.
—
في الداخل…
وجدت فلاشة صغيرة.
فقط.
لا أوراق.
لا عقود.
لا أموال.
مجرد فلاشة.
—
قال شريف:
“هي دي الحاجة اللي الكل بيدور عليها.”
—
سألت:
“إيه عليها؟”
هز رأسه.
“ماعرفش.”
ثم أضاف:
“وأمك كانت آخر شخص فتحها.”
—
ساد الصمت.
الجميع ينظر إلى الفلاشة.
حتى كريم.
حتى ياسمين.
—
وفجأة…
تكلمت ياسمين لأول مرة منذ ساعات.
وقالت بصوت مرتجف:
“إحنا لازم نمشي.”
التفتنا إليها جميعًا.
ثم قالت:
“دلوقتي.”
—
اقتربت منها.
“ليه؟”
فانهمرت دموعها فجأة.
وقالت:
“لأنهم هييجوا.”
—
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
“مين؟”
لكنها لم تجب مباشرة.
بل نظرت إلى الفلاشة.
ثم قالت:
“الناس اللي بعتوا كريم.”
“والناس اللي كانوا بيراقبوا أمك.”
“والناس اللي خلوها تخاف لحد آخر يوم في عمرها.”
—
ساد الصمت.
ثم همست:
“إنتِ تعرفيهم؟”
أغمضت عينيها.
وقالت:
“أكتر مما تتخيلي.”
—
في تلك اللحظة بالذات…
رن جرس الباب.
مرة واحدة.
هادئة.
قصيرة.
لكن الصوت وحده جعل ياسمين تنتفض من مكانها.
وشعرت أنا أن شيئًا سيئًا جدًا على وشك الحدوث.
—
نظر ضابط التنفيذ نحو الباب.
وقال:
“مستنيين حد؟”
لا أحد أجاب.
رن الجرس مرة ثانية.
ثم ثالثة.
ثم جاء طرق بطيء على الباب.
ثلاث طرقات متتالية.
وكأن القادم يعرف أن من بالداخل يسمعه جيدًا.
—
تقدمت نحو شاشة الكاميرا.
وضغطت زر العرض.
ثم نظرت.
وتجمدت في مكاني.
لأن الرجل الواقف خارج الفيلا…
لم يكن شرطيًا.
ولا رجل أعمال.
ولا شخصًا أعرفه.
لكن الشيء المرعب…
أنه كان يحمل في يده صورة قديمة.
صورة لأمي.
ويرفعها باتجاه الكاميرا.
وكأنه يريد أن يخبرني شيئًا واحدًا فقط:
“أنا أعرف بالضبط ماذا تركت لك.”
الفصل الخامس
لم أبتعد عن شاشة الكاميرا.
كنت أحدق في الرجل الواقف خارج الفيلا.
وفي الصورة التي يحملها.
صورة أمي.
نفس الصورة التي كانت موضوعة فوق مكتبها سنوات طويلة.
الصورة التي لم تُنشر في أي مكان.
ولم تكن موجودة على الإنترنت.
ولم يرها إلا أشخاص معدودون جدًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
وسألني المحامي:
“تعرفيه؟”
هززت رأسي.
“أول مرة أشوفه.”
—
أما ياسمين…
فكانت تنظر إلى الشاشة وكأنها رأت شبحًا.
ثم همست:
“وصلوا.”
التفت إليها فورًا.
“مين؟”
لكنها لم تجب.
—
الرجل لم يطرق الباب مرة أخرى.
فقط وقف مكانه.
هادئًا.
صابرًا.
وكأنه يعرف أننا نراقبه.
وفي النهاية…
قال ضابط التنفيذ:
“نفتح ولا نستدعي الشرطة؟”
لكن قبل أن أرد…
قال شريف عزام:
“افتحوا.”
نظر إليه الجميع.
فأضاف بهدوء:
“أنا أعرفه.”
—
تجمدت.
“تعرفه؟”
أومأ برأسه.
ثم قال جملة غريبة.
جعلت معدتي تنقبض فورًا.
“كان المفروض يموت من عشر سنين.”
—
بعد دقيقة…
دخل الرجل إلى الفيلا.
طويل.
نحيف.
في منتصف الخمسينات تقريبًا.
ملامحه هادئة بشكل مريب.
لكن عينيه…
كانتا تحملان تعب سنوات طويلة.
دخل.
ووضع صورة أمي فوق الطاولة.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال:
“أنتِ سارة.”
لم يكن سؤالًا.
بل حقيقة.
—
قلت بحذر:
“مين حضرتك؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أجاب:
“اسمي حسام فؤاد.”
“وكنت الذراع اليمنى لوالدتك.”
—
اتسعت عيناي.
لأنني لم أسمع الاسم من قبل.
لكن شريف سمعه.
وفجأة وقف من مكانه.
غير مصدق.
وقال:
“إنت عايش؟”
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.
وقال:
“للأسف.”
—
جلس بهدوء.
وكأنه لا يرى التوتر الذي يملأ المكان.
ثم نظر إلى الفلاشة الموجودة أمامي.
وقال:
“فتحتيها؟”
هززت رأسي.
“لسه.”
تنهد ببطء.
ثم قال:
“كويس.”
—
شعرت بأن أعصابي بدأت تنفد.
وقلت:
“حد يفهمني.”
“كل شوية حد يدخل يقول نص معلومة ويمشي.”
“أمي كانت مخبية إيه؟”
—
نظر حسام إلى صورة أمي.
ثم قال:
“أمك ما كانتش بتحاول تحمي فلوس.”
“كانت بتحاول تحمي ناس.”
—
ساد الصمت.
ثم أكمل.
“من سبع سنين…”
“قبل وفاتها بشهور.”
“اكتشفت شبكة ضخمة من غسيل الأموال.”
اختفى الهواء من الغرفة.
أما كريم…
فرفع رأسه فجأة.
وكأنه سمع شيئًا يعرفه.
—
أكمل حسام:
“الشركات كانت شكلها قانوني.”
“الورق كله سليم.”
“الحسابات ممتازة.”
“لكن الحقيقة كانت مختلفة.”
—
ثم أشار إلى الفلاشة.
وقال:
“كل الأدلة موجودة هناك.”
—
قلت:
“طب ليه ما سلمتهاش للشرطة؟”
ابتسم بمرارة.
وقال:
“لأن بعض الناس اللي كانت المفروض تحقق…”
“كانت جزء من الشبكة.”
—
شعرت بالبرد يسري في جسدي.
فهمت الآن.
فهمت لماذا كانت أمي خائفة.
ولماذا أخفت كل شيء.
ولماذا تركت رسالة تحذرني.
—
لكن المفاجأة جاءت من مكان آخر.
من كريم.
الذي ظل صامتًا طوال الوقت.
ثم فجأة قال:
“أنا ما كنتش أعرف.”
نظرنا إليه جميعًا.
فأكمل:
“والله ما كنت أعرف.”
—
ضحك حسام لأول مرة.
لكن ضحكة خالية من أي مرح.
ثم قال:
“أنت فعلاً ما كنتش تعرف.”
—
نظر إليه كريم باستغراب.
أما أنا فقلت:
“يعني إيه؟”
—
قال حسام:
“كريم كان بيشتغل لصالح ناس معينة.”
“لكن حتى الناس دي…”
“ما كانتش تعرف كل الحقيقة.”
—
شعرت بالدوار.
كلما فهمت جزءًا من الصورة…
ظهر جزء أكبر وأكثر تعقيدًا.
—
ثم مد حسام يده.
وأخذ الفلاشة.
وقال:
“قبل ما نفتحها…”
“في حاجة لازم تعرفوها.”
—
ساد الصمت.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال:
“أمك ما ماتتش موتة طبيعية.”
—
توقفت أنفاسي.
شعرت وكأن أحدهم ضربني بقوة في صدري.
قلت بصوت بالكاد خرج:
“إيه؟”
—
أما ياسمين…
فانفجرت بالبكاء فجأة.
بكاء هستيري.
وكأنها كانت تحمل هذا السر سنوات طويلة.
—
التفتُّ إليها.
وشعرت بالخوف لأول مرة.
الخوف الحقيقي.
ثم قالت بين شهقاتها:
“أنا سمعتهم.”
“سمعتهم ليلة المستشفى.”
—
نظر إليها الجميع.
أما هي فرفعت عينيها المليئتين بالدموع.
وقالت:
“سمعتهم بيتكلموا عن أمك.”
“وقالوا إنها بدأت تعرف أكتر من اللازم.”
—
ثم انهارت على الأريكة.
وأضافت:
“وبعد أسبوع…”
“ماتت.”
—
ساد صمت مرعب داخل الفيلا.
الصمت الذي يأتي قبل الكارثة.
—
وفي تلك اللحظة…
وصل إشعار إلى هاتف حسام.
نظر إليه.
ثم شحب وجهه.
لأول مرة منذ دخوله.
وسقطت الابتسامة الهادئة من وجهه تمامًا.
—
قلت:
“في إيه؟”
رفع الهاتف نحونا.
وعرض صورة التُقطت قبل دقائق.
صورة لفيلا سارة من الخارج.
من زاوية عالية.
وكأنها التُقطت بطائرة مسيّرة.
—
وفي أسفل الصورة كانت هناك رسالة قصيرة.
رسالة واحدة فقط.
“أعدوا الفلاشة.”
“أو سيكون الدور على الابنة.”
الفصل السادس
لثوانٍ طويلة…
لم يتكلم أحد.
كانت الصورة ما تزال على شاشة هاتف حسام.
وصورة الفيلا الملتقطة من الأعلى تجعل الرسالة أكثر رعبًا.
لأنها تعني شيئًا واحدًا فقط.
هم يراقبوننا الآن.
في هذه اللحظة بالذات.
—
أول من تحرك كان ضابط التنفيذ.
اتجه فورًا إلى النوافذ.
وأغلق الستائر.
ثم أمسك هاتفه.
وبدأ يجري عدة اتصالات سريعة.
أما المحامي…
فبدا عليه الذهول.
لأن القض*ية التي جاء من أجلها في الصباح كانت مجرد نزاع ملكية بين زوجين.
والآن…
وجد نفسه وسط شبكة غامضة ورسائل تهديد.
—
أما أنا…
فلم أستطع إبعاد عيني عن الفلاشة.
قطعة صغيرة جدًا.
لكنها تسببت في كل هذا.
خيانة.
وخوف.
ورسائل.
وأسرار دفنتها أمي قبل موتها.
—
قلت بصوت خافت:
“افتحوها.”
نظر إلي حسام.
ثم هز رأسه.
“لازم.”
—
أخرج حاسوبه المحمول.
ووضع الفلاشة داخله.
ثم ضغط عدة أزرار.
لكن بعد ثوانٍ…
ظهرت نافذة سوداء.
ثم رسالة حماية.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
—
تنهد حسام.
وقال:
“كالعادة.”
سألته:
“إيه؟”
قال:
“أمك كانت متوقعة كل حاجة.”
—
ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة قديمة.
ووضع رقماً سرياً.
فُتح المجلد.
—
ساد الصمت.
حتى أنني كنت أسمع صوت أنفاسي.
—
داخل الفلاشة…
لم تكن هناك فيديوهات.
ولا صور.
ولا حسابات بنكية.
كما توقعت.
بل ملف واحد فقط.
اسمه:
“إذا حدث لي شيء.”
—
شعرت بقشعريرة.
وضغط حسام عليه.
—
ظهر تسجيل فيديو.
تاريخ تسجيله قبل وفاة أمي بثلاثة أشهر.
ثم ظهرت أمي على الشاشة.
جالسة داخل مكتبها.
وترتدي نفس البدلة الرمادية التي أحبها.
—
ولأول مرة منذ سنوات…
سمعت صوتها.
—
“سارة…”
اختفى كل شيء حولي.
لم أعد أرى أحدًا.
ولا أسمع أحدًا.
فقط أمي.
—
“إذا كنتِ تشاهدين هذا التسجيل…”
“فهذا يعني أن الأمور سارت كما توقعت.”
—
شعرت بدموعي تنزل دون إرادة.
—
ابتسمت أمي داخل الشاشة.
ثم قالت:
“أولًا…”
“أنا آسفة.”
—
ثم صمتت لحظة.
وأضافت:
“لأنني عرفت أن حياتك ستكون أصعب مما تمنيت.”
—
نظرت مباشرة إلى الكاميرا.
وكأنها تنظر إلي.
ثم قالت:
“الشخص الذي تثقين به أكثر من أي شخص…”
“هو أول شخص يجب أن تراجعيه.”
—
ساد الصمت داخل الغرفة.
أما أنا…
فالتفت تلقائيًا نحو كريم.
لكني فوجئت بشيء آخر.
لأن أمي أكملت:
“ولا أقصد كريم.”
—
تجمد الجميع.
حتى كريم نفسه رفع رأسه.
مصدومًا.
—
أما أمي فأكملت:
“كريم ضعيف.”
“أناني.”
“وطماع أحيانًا.”
“لكنه ليس العقل المدبر.”
—
ثم ظهرت خلفها مجموعة مستندات.
وقالت:
“الشخص الذي أبحث عنه منذ سنتين…”
“كان قريبًا منا جدًا.”
—
بدأ قلبي يدق بعنف.
—
ثم رفعت أمي صورة.
وأدارتها نحو الكاميرا.
لكن الصورة لم تظهر بوضوح.
لأن جزءًا منها كان محجوبًا.
—
وفجأة…
انقطع الفيديو.
—
اختفى الصوت.
وتجمدت الشاشة.
—
صرخت:
“إيه اللي حصل؟”
بدأ حسام يضغط على الأزرار بسرعة.
لكن بلا فائدة.
—
ثم ظهرت رسالة جديدة.
لم تكن موجودة قبل لحظات.
رسالة واحدة فقط.
—
“تم الوصول إلى الملف.”
—
شحب وجه حسام.
وقال:
“لا.”
—
سألته:
“في إيه؟”
أجاب بصوت خافت:
“في حد دخل على النظام.”
—
وفي نفس اللحظة…
انطفأت الكهرباء في الفيلا بالكامل.
—
غرقت كل الغرف في الظلام.
وسُمعت صرخة ياسمين.
ثم صوت تحطم زجاج.
ثم صوت إنذار سيارة بالخارج.
—
وأخيرًا…
جاء صوت لم يخطئه أحد.
صوت البوابة الحديدية الرئيسية وهي تُفتح بالقوة.
—
شعرت بأنفاسي تتوقف.
أما حسام…
فأغلق الحاسوب بسرعة.
وأخرج شيئًا من داخل سترته.
شيئًا لم أتوقعه.
—
كان مس*دسًا.
—
نظر إلي مباشرة.
وقال:
“اسمعيني كويس.”
“الناس اللي بره…”
“ما جتش علشان الفلاشة.”
—
سألته بصعوبة:
“أمال جت علشان إيه؟”
—
نظر نحوي.
ثم إلى الخزنة المفتوحة.
ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“علشان يفتشوا عن الشيء اللي أمك خبّته…”
“واللي ما كانش موجود أصلًا داخل الفلاشة.”
—
وفي الخارج…
توقف محرك سيارة سوداء أمام الفيلا.
ثم نزل منها عدة رجال.
وأحدهم كان يحمل ملفًا أحمر قديمًا.
ملفًا بدا مألوفًا بشكل مرعب.
لأنني رأيته من قبل.
رأيته في صورة قديمة على مكتب أمي.
وكانت تسميه دائمًا:
“الملف الذي لا يجب أن يجده أحد.”
يتبع
