زوجة زوجي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

في الساعة الثانية وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل…

كانت سلمى تجلس داخل غرفة مكتبها في الفيلا.

أمامها عشرات الملفات.

وأكواب قهوة باردة لم تعد تتذكر متى أعدتها.

أما خارج النافذة…

فكانت أضواء القاهرة تلمع بهدوء.

كأن المدينة لا تعرف أن إحدى أكبر إمبراطوريات المال فيها بدأت تنهار قبل ساعات فقط.

في الطابق العلوي…

كان ابناها نائمين.

أو يحاولان النوم.

أما هي…

فلم تستطع.

لأن شيئًا واحدًا ظل يطاردها طوال الطريق من الفندق.

شيء لم تعرضه على الشاشة.

شيء احتفظت به لنفسها.

أول عقد تأسيس.

مدت يدها إلى درج حديدي صغير.

وأخرجت ملفًا أسود.

فتحت القفل.

ثم أخرجت ورقة صفراء قديمة.

كان عقدًا عمره سبعة عشر عامًا.

توقيعها موجود.

وتوقيع سيف موجود.

لكن هناك توقيع ثالث.

توقيع اختفى من كل السجلات لاحقًا.

اسم:

كريم عزام.

حدقت سلمى في الاسم طويلًا.

ثم أغمضت عينيها.

لأن كريم لم يكن مجرد شريك.

بل كان صاحب الفكرة الأصلية.

وصاحب التكنولوجيا الأولى.

والرجل الذي بنى المشروع من الصفر معهما.

والرجل الذي اختفى فجأة.

قبل ستة عشر عامًا.

في ذلك الوقت…

قال سيف إن كريم هاجر إلى كندا.

وقال إنه باع حصته.

وقال إنه أراد حياة جديدة.

والجميع صدق.

حتى سلمى.

لكن بعد سنوات…

بدأت تكتشف ثغرات صغيرة.

ثم أكاذيب أكبر.

ثم أدلة جعلتها تعيد النظر في كل شيء.

رن هاتفها فجأة.

رقم مجهول.

ترددت للحظة.

ثم أجابت.

جاءها صوت رجل عجوز.

مبحوح.

ومتوتر.

قال:

“مدام سلمى؟”

“أيوه.”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:

“أنا كنت المحاسب القديم للشركة.”

تجمدت أصابعها فوق الهاتف.

وأكمل:

“لازم أقابلك.”

“ليه؟”

جاءها الرد الذي جعل الدم يتجمد في عروقها.

“عشان كريم عزام ما ماتش.”

سقط القلم من يدها.

شعرت بأن قلبها توقف.

وقالت بصعوبة:

“إنت بتقول إيه؟”

رد الرجل:

“بقول الحقيقة.”

“كريم عايش.”

ساد الصمت.

ثم أضاف:

“بس طول السنين دي كلها كان محبوس.”

في صباح اليوم التالي.

جلست سلمى داخل سيارة سوداء متجهة إلى مخزن قديم في المنطقة الصناعية بمدينة العاشر من رمضان.

لم تخبر أحدًا.

ولا حتى أبناءها.

كل ما كانت تفكر فيه هو جملة واحدة.

كريم عايش.

عندما وصلت…

وجدت المحاسب العجوز ينتظرها.

كان في السبعين تقريبًا.

منحني الظهر.

لكن الخوف داخل عينيه كان واضحًا.

أدخلها إلى المخزن.

ثم أغلق الباب خلفهما.

وقال:

“أنا سكت سنين.”

“وخايف أموت قبل ما أقول الحقيقة.”

جلس.

ثم بدأ يحكي.

قبل ستة عشر عامًا…

كانت الشركة على وشك تحقيق أول اختراق كبير.

وكان كريم يمتلك 52% من الأسهم.

وسيف يمتلك 28%.

وسلمى 20%.

أي أن المالك الحقيقي للشركة…

لم يكن سيف أبدًا.

بل كريم.

شعرت سلمى بالغثيان.

وأكمل الرجل:

“سيف كان عارف إنه عمره ما هيبقى صاحب القرار طول ما كريم موجود.”

“فبدأ يخطط.”

ثم أخرج ملفًا قديمًا.

وبداخله نسخ من تحويلات مالية.

وعقود مزورة.

ومحاضر اجتماعات.

وأدلة مرعبة.

قال الرجل:

“سيف زور تنازل عن الأسهم.”

“ولما كريم رفض يوقع…”

توقف الرجل.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء.

“اختفى بعدها بثلاث أيام.”

لم تستطع سلمى الكلام.

لأنها بدأت ترى الصورة كاملة لأول مرة.

سيف لم يخنها فقط.

ولم يسرق أموال الشركة فقط.

بل بنى إمبراطوريته كلها فوق جريمة.

وفوق رجل اختفى من الوجود.

ثم سألته:

“هو فين دلوقتي؟”

رفع المحاسب رأسه ببطء.

وقال:

“في مكان محدش يعرفه غير شخص واحد.”

“مين؟”

نظر إليها مباشرة.

وقال:

“أم سيف.”

ساد الصمت.

لأن نادية الشاذلي…

والدة سيف…

كانت طوال السنوات الماضية تظهر كالسيدة الهادئة المحترمة.

الأرملة التي تحب الأعمال الخيرية.

والمرأة التي تملأ صفحات المجلات.

لكن يبدو أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

وفي تلك اللحظة بالذات…

وصلت رسالة إلى هاتف سلمى.

من رقم غير معروف.

فتحتها.

فوجدت صورة.

صورة لرجل نحيف جدًا.

شعره أبيض.

وجهه مرهق.

لكن عينيه ما زالتا تحملان نفس النظرة الموجودة في الصور القديمة.

أسفل الصورة كانت جملة واحدة:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… تعالي لوحدك.”

ثم عنوان.

فيلا قديمة.

على طريق القاهرة – الإسماعيلية الصحراوي.

شعرت سلمى بقشعريرة تسري في جسدها.

لأنها أدركت شيئًا خطيرًا.

ليلة سقوط سيف في الفندق…

لم تكن النهاية.

بل كانت مجرد بداية الحرب الحقيقية.

حرب ستكشف أين اختفى كريم عزام طوال ستة عشر عامًا.

ومن الذي ساعد سيف على سرقة إمبراطورية بمليارات الجنيهات.

ومن الذي دفن الحقيقة حيّة كل تلك السنوات.

الفصل الرابع

ظلت سلمى تحدق في الصورة على هاتفها لعدة دقائق.

الرجل كان أكبر سنًا بكثير.

أنحف.

ومنهكًا.

لكنها عرفت ملامحه فورًا.

كريم عزام.

الرجل الذي اختفى قبل ستة عشر عامًا.

الرجل الذي بُنيت إمبراطورية سيف الشاذلي فوق غيابه.

الرجل الذي ظنت لسنوات أنه سافر وبدأ حياة جديدة.

لكن السؤال الذي أرعبها لم يكن: هل هذا كريم؟

بل كان:

من الذي أرسل الصورة؟

ولماذا الآن؟

رفعت رأسها نحو المحاسب العجوز.

وأرته الرسالة.

فتغير لون وجهه فورًا.

وقال:

“ما تروحيش.”

“ليه؟”

“عشان اللي بيلعب اللعبة دي مش شخص عادي.”

ثم أضاف بصوت خافت:

“إحنا بنتكلم عن ناس خلت راجل يختفي ستاشر سنة من غير ما حد يعرف.”

لكن سلمى كانت تعرف شيئًا واحدًا.

لقد انتظرت سنوات طويلة.

ولم تعد قادرة على التراجع.

في المساء.

أوصلت أبناءها إلى منزل شقيقتها.

وأخبرت الجميع أنها تحتاج بعض الوقت وحدها.

ثم انطلقت بسيارتها.

كان الطريق الصحراوي شبه خالٍ.

والسماء سوداء.

والرياح تضرب زجاج السيارة.

كلما اقتربت من العنوان…

ازداد شعورها بأن حياتها القديمة كلها على وشك الانفجار.

بعد ساعة تقريبًا.

وصلت.

كانت فيلا قديمة.

معزولة.

محاطة بسور مرتفع.

وبوابة حديدية ضخمة.

المفاجأة أن البوابة كانت مفتوحة.

وكأن أحدًا ينتظرها.

أوقفت السيارة.

وترجلت.

نبضات قلبها كانت عنيفة.

لكنها واصلت السير.

ثم سمعت صوتًا خلفها.

“عرفت إنك هتيجي.”

استدارت بسرعة.

وشعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.

لأن الشخص الواقف أمامها…

لم يكن كريم.

بل نادية الشاذلي.

والدة سيف.

كانت ترتدي ملابس سوداء أنيقة.

وشعرها الأبيض مرتب بعناية.

وتبدو هادئة بشكل مرعب.

قالت سلمى ببرود:

“فين كريم؟”

ابتسمت نادية.

ثم قالت:

“أول سؤال.”

“وده معناه إنك عرفتي جزء من الحقيقة.”

اقتربت سلمى خطوة.

“أنا مش جاية ألعب ألغاز.”

“ولا أنا.”

ثم أشارت نادية نحو الفيلا.

“ادخلي.”

بعد لحظات…

كانتا تجلسان داخل مكتبة ضخمة.

تمتلئ بصور قديمة.

ومجلدات.

ووثائق.

أخرجت نادية ملفًا كبيرًا.

ووضعته أمام سلمى.

ثم قالت:

“قبل ما تكرهيني أكتر من كده… لازم تعرفي كل حاجة.”

فتحت سلمى الملف.

وكانت الصدمة الأولى.

صور لسيف.

وهو في الخامسة والعشرين.

لكن لم يكن يبدو كرجل أعمال ناجح.

بل شابًا متهورًا.

غارقًا في الديون.

ومطاردًا بقضايا مالية.

ثم ظهرت صورة أخرى.

كريم عزام.

وخلفه أول نموذج للتقنية التي صنعت ثروة الشركة لاحقًا.

قالت نادية:

“الحقيقة إن كريم هو اللي اخترع كل حاجة.”

أغلقت سلمى عينيها.

كانت تعرف ذلك.

لكن سماعه شيء آخر.

ثم أكملت نادية:

“وسيف كان عارف إنه عمره ما هيبقى صاحب الشركة.”

“فعمل اللي عمله.”

“وخطف كريم؟”

سألت سلمى بحدة.

هزت نادية رأسها.

ثم قالت:

“لا.”

ساد الصمت.

“إيه؟”

“سيف ما خطفوش.”

شعرت سلمى بالارتباك.

لأول مرة منذ بداية القصة.

ثم أخرجت نادية صورة أخرى.

وضعتها أمامها.

وتجمدت سلمى.

لأن الصورة كانت لكريم.

داخل مستشفى نفسي.

بتاريخ يعود إلى ستة عشر عامًا.

قالت نادية بهدوء:

“كريم انهار.”

“بعد ما شريكه سرقه؟”

هزت رأسها.

“قبل السرقة.”

ثم أضافت:

“كريم كان بيعاني من اضطراب خطير وقتها.”

“وكان بيرفض العلاج.”

“وكان مقتنع إن ناس كتير بتحاول تقتله.”

شعرت سلمى أن الصورة التي بنتها طوال السنوات الماضية بدأت تتشقق.

لكنها لم تنهَر بالكامل.

لأن نادية أخرجت ورقة أخرى.

وجعلت سلمى تتجمد من جديد.

كانت الورقة عبارة عن اعتراف مكتوب بخط يد سيف نفسه.

اعتراف كامل.

يزعم فيه أنه استغل مرض كريم.

وزور مستندات.

وسرق الأسهم.

رفعت سلمى رأسها ببطء.

وقالت:

“إذن هو مذنب.”

أجابت نادية:

“أيوه.”

“لكن الحقيقة أسوأ.”

“إزاي؟”

تنهدت نادية.

ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:

“لأن كريم رجع.”

توقفت أنفاس سلمى.

“رجع إمتى؟”

“من خمس سنين.”

ساد الصمت.

ثم أكملت:

“وراح لسيف بنفسه.”

“وبعد المقابلة دي…”

توقفت.

وأكملت بصوت مرتجف لأول مرة:

“كريم اختفى للمرة التانية.”

هذه المرة…

لم يكن مريضًا.

ولم يكن ضائعًا.

ولم يكن في مستشفى.

بل كان يحمل كل الأدلة.

وكل الحقوق.

وكل الحقيقة.

واختفى قبل أيام فقط من رفع دعوى لاستعادة الشركة كاملة.

رفعت سلمى رأسها ببطء.

وأدركت أن القضية كلها كانت أكبر مما تخيلت.

لأن الرجل الذي بنى الإمبراطورية لم يختف مرة واحدة.

بل مرتين.

وفي المرتين…

كان آخر شخص قابله هو سيف الشاذلي.

وفي تلك اللحظة…

رن هاتف نادية.

نظرت إلى الشاشة.

ثم شحب وجهها.

لأن الرسالة احتوت على صورة جديدة.

صورة التقطت قبل دقائق فقط.

لسلمى نفسها.

وهي داخل الفيلا.

وتحتها جملة واحدة:

“الدور جاي عليها.”

للمرة الأولى…

شعرت المرأتان معًا أن شخصًا آخر كان يراقب اللعبة من الظل طوال الوقت.

شخص أخطر من سيف.

وأقرب إليهما مما تتخيلان…

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *