مراتي السابقه حكـايـات أسمـا ×2
خرجت سارة من قاعة الاجتماعات بعد أن انتهت من توقيع العقد، وكل الموجودين وقفوا يودعوها باحترام واضح.
مدير الشركة بنفسه كان بيمشي جنبها لحد باب المصعد.
سمعته بيقول بابتسامة:
“إحنا بنعتبر نفسنا محظوظين إننا هنتعامل معاكم.”
ابتسمت سارة في هدوء وقالت:
“إن شاء الله نكون عند حسن ظنكم.”
ثم ركبت المصعد واختفت.
فضلت واقف مكاني، وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا.
مدير الشركة لمحني وأنا سرحان، فقال:
“إيه يا أستاذ كريم؟ تعرف الأستاذة سارة؟”
اترددت لحظة.
وبعدين قلت بصوت واطي:
“كنا… نعرف بعض.”
ابتسم وقال:
“ست محترمة جدًا. بدأت من الصفر، والنهارده بقت من أنجح أصحاب الشركات في المجال. والأجمل إنها مبتنساش حد اشتغل معاها.”
الكلمة الأخيرة شدت انتباهي.
“مبتنساش حد.”
قال:
“أي عامل يشتغل معاها وتحس إنه مجتهد، بتزوده مرتب، ولو اتعرض لضيق بتساعده. حتى سمعت إنها بتدفع علاج بعض الموظفين من حسابها الشخصي.”
افتكرت فورًا أيام جوازنا.
كنت أنا اللي ألومها كل ما تساعد حد.
مرة كانت حطت جزء من مرتبها في ظرف علشان جارة أرملة تعبانة.
وقتها اتخانقت معاها وقلت:
“إنتي غبية. الفلوس دي أولى بيها.”
قالت وهي مبتسمة:
“الرزق بيزيد لما نساعد الناس.”
ضحكت يومها باستهزاء.
أما النهارده…
فكنت أنا اللي محتاج أتعلم منها.
—
الأيام عدت، لكن صورة سارة ما كانتش بتخرج من دماغي.
كل ما أبص لزوجتي الحالية وهي بتتكلم بتعالي مع الخدم أو السواقين، أفتكر سارة وهي كانت تشكر عامل الدليفري وتدعيله.
كل ما أرجع البيت وأسمع الإهانات، أفتكر بيتنا الصغير اللي كان مليان راحة رغم بساطته.
بدأت أفهم إن السعادة عمرها ما كانت مرتبطة بالفلوس.
لكن الفهم جه متأخر جدًا.
—
في مساء أحد الأيام، حصلت مشكلة كبيرة.
الشركة اللي شغال فيها أعلنت عن تقليص العمالة.
وبسبب إن وجودي كان معتمد على والد زوجتي، كنت فاكر إني في أمان.
لكن المفاجأة إن والدها بنفسه ناداني لمكتبه.
دخلت.
قال من غير مقدمات:
“الشركة بتمر بظروف.”
هززت رأسي.
كمل:
“هنستغنى عن عدد من الموظفين.”
قلت بسرعة:
“أكيد حضرتك مش تقصدني.”
بصلي ببرود شديد.
وقال:
“للأسف… أقصدك.”
اتجمدت.
قلت:
“بس أنا…”
رفع إيده يقاطعني.
“أنا شغلتك علشان بنتي، لكن النتائج مش مرضية.”
حاولت أدافع عن نفسي.
لكنه سلمني ظرفًا أبيض.
وقال:
“تقدر تعتبر نفسك من النهارده برة الشركة.”
خرجت وأنا مش شايف قدامي.
بعد ساعة واحدة، كنت قاعد في عربيتي قدام النيل.
لأول مرة من سنين…
حسيت إني بقيت فعلًا لوحدي.
ولا منصب.
ولا نفوذ.
ولا مكانة.
رجعت البيت، لكن المفاجأة كانت أسوأ.
زوجتي كانت واقفة مستنياني.
واضح إن أبوها بلغها.
أول ما دخلت قالت:
“بابا قالي إنهم مش محتاجينك.”
سكت.
قالت وهي بتضحك بسخرية:
“واضح إنك مش نافع حتى عند اللي شغلوك.”
بصيتلها في صمت.
كملت:
“بصراحة… أنا زهقت من العيشة دي.”
قلت باستغراب:
“يعني إيه؟”
قالت بمنتهى البرود:
“يعني هننفصل.”
بصيتلها غير مصدق.
قالت:
“أنا اتجوزتك لما كان عندك مستقبل.”
وسكتت لحظة.
ثم قالت نفس الجملة اللي أنا قلتها لسارة من أربع سنين…
“لكن دلوقتي… بقيت حمل.”
وقتها الزمن وقف.
رجعت أسمع صوتي وأنا بقول لسارة:
“إنتي بقيتي تقيلة عليا.”
ورجعت أشوف دموعها اللي كانت بتحاول تخبيها وهي بترد:
“ربنا يسهلك.”
نفس الكلمات…
رجعتلي.
لكن المرة دي…
أنا اللي كنت واقف مكانها.
بعد أسبوع واحد، خرجت من بيت أهل زوجتي بحقيبة هدوم صغيرة.
لا أخدت شقة.
ولا عربية.
ولا أي حاجة.
كل شيء كان باسمهم.
وقفت على الرصيف، وحيدًا.
ولأول مرة في حياتي…
فهمت معنى إن الإنسان يخسر نفسه قبل ما يخسر أي حد.
لكن القدر…
كان لسه مخبيلي درس أكبر بكتير.
درس هيخليني أقف قدام باب سارة مرة تانية…
لكن المرة دي…
مش علشان أشمت.
علشان أطلب منها حاجة عمري ما تخيلت إني هحتاجها.وقفت قدام بوابة الفيلا للمرة التانية خلال أقل من شهر.
لكن المرة دي، مكنتش لابس بدلة غالية.
ولا راكب عربية فخمة.
كنت واقف بتاكسي، شايل شنطة هدومي، وقلبي مليان خوف وخجل.
فضلت أبص على البوابة الحديدية دقائق طويلة.
كنت كل شوية أقول لنفسي:
“امشي… ملكش حق تزعجها.”
لكن في الآخر ضغطت الجرس.
الحارس فتح الشباك الصغير وقال:
“حضرتك مين؟”
قلت بصوت منخفض:
“قول للأستاذة سارة إن كريم برة… ولو مش حابة تشوفني همشي فورًا.”
دخل الحارس، وبعد دقيقة رجع وقال:
“اتفضل.”
دخلت وأنا حاسس إن رجلي تقيلة.
دخلت نفس الحديقة اللي جيت فيها أول مرة وأنا مليان غرور.
لكن المرة دي كنت منكسر.
خرجت سارة بهدوئها المعتاد.
وقفت قدامي.
وقالت:
“اتفضل اقعد.”
قعدت وأنا مش قادر أبصلها.
لحد ما قلت:
“أنا جيت أعتذر.”
سكتت.
قلت:
“مش مستني تسامحيني.”
وسكت شوية.
“أنا بس عايزك تعرفي إنك كنتي أحسن إنسانة دخلت حياتي… وأنا ضيعتك بإيدي.”
فضلت ساكتة.
ولا قاطعتني.
كملت وأنا دموعي بتنزل لأول مرة من سنين.
“أنا كسرتك كل يوم… وكنت فاكر إني قوي… لكن الحقيقة إني كنت ضعيف… كنت بقيس قيمة الناس بفلوسهم وأسماء عائلاتهم.”
رفعت عيني ليها.
قلت:
“سامحيني.”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
وقالت:
“أنا سامحتك من زمان.”
استغربت.
قالت:
“لو كنت فضلت شايلة كره ليك، عمري ما كنت هعرف أبدأ من جديد.”
نزلت دموعي أكتر.
لكنها كملت:
“المسامحة لا معناها إننا نرجع لبعض.”
هززت رأسي بسرعة.
“أنا عارف.”
قالت:
“أنا قفلت الصفحة دي من سنين.”
وبصت ناحية الجنينة.
“لولا اللي حصل… يمكن ما كنتش اكتشفت نفسي.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“إنت كنت سبب في أكبر وجع عشته… لكن من غير قصد كنت سبب إني أبقى أقوى.”
الكلمات دي كانت مؤلمة…
لكنها كانت الحقيقة.
وأنا خارج، لفت نظري عشرات الموظفين داخل مقر الشركة الملحق بالفيلا.
شباب.
وبنات.
ورجال كبار في السن.
كل واحد فيهم كان بيناديها:
“أستاذة سارة.”
ولاحظت إنها تعرف أسماءهم واحدًا واحدًا.
تسأل عن مريض.
وتبارك لواحدة اتخطبت.
وتدي مكافأة لعامل اجتهد.
وقتها فهمت سر نجاحها.
هي عمرها ما بنت شركة تنظيف.
هي بنت أسرة كبيرة، أساسها الاحترام.
—
مرت ثلاث سنوات.
اشتغلت في وظائف بسيطة.
وبدأت من جديد.
المرة دي من غير غرور.
بقيت أتعامل مع الناس بطريقة مختلفة.
وأول مرتب أخدته، افتكرت جارتنا الأرملة اللي سارة كانت بتساعدها.
رحت أدور عليها.
وعرفت إنها ما زالت محتاجة.
ساعدتها.
وأول مرة عملت كده…
افتكرت ابتسامة سارة.
بعدها بشهور، أسست مشروعًا صغيرًا جدًا.
كان متواضعًا.
لكن كنت راضي.
لأني أخيرًا بقيت ببني حاجة بإيدي.
وفي أحد المعارض الخاصة بالشركات الصغيرة، قابلت سارة صدفة.
كانت لسه ناجحة.
لكنها كانت أبسط مما كانت.
ابتسمت وقالت:
“إزيك يا كريم؟”
ابتسمت وأنا برد:
“الحمد لله.”
قالت:
“سمعت إن عندك مشروع.”
قلت:
“صغير جدًا.”
ردت بابتسامة صادقة:
“كل حاجة كبيرة بدأت صغيرة.”
هي نفس الجملة اللي قالتها لنفسها يوم بدأت.
صافحتني.
ودعتلي بالتوفيق.
ومشيت.
فضلت أبص عليها وهي ماشية.
لكن المرة دي…
ماكنتش ببص على المرأة اللي خسرتها.
كنت ببص على الدرس اللي اتعلمته متأخر.
عرفت إن الإنسان ممكن يخسر المال ويعوضه.
وممكن يخسر الوظيفة ويلاقي غيرها.
لكن لما يخسر إنسانًا صادقًا أحبه بصدق…
نادراً ما تمنحه الحياة فرصة ثانية.
رجعت بيتي في اليوم ده وأنا حاسس براحة لأول مرة.
مش لأن سارة رجعت.
هي عمرها ما رجعت.
لكن لأني أخيرًا اتغيرت.
وأدركت إن قيمة الإنسان مش في أصله…
ولا في فلوسه…
ولا في عنوان بيته…
قيمة الإنسان الحقيقية في أخلاقه، واجتهاده، والطريقة اللي بيعامل بيها الناس.
ومن يومها، كل ما أشوف حد بيبدأ من الصفر…
مابضحكش عليه.
لأني بقيت عارف…
إن أول درجة في السلم…
ممكن تكون بداية الوصول للقمة.
