جوزي استلف روماني×3

مرّ الأسبوع الأول على غادة وليان داخل الشقة الجديدة وكأنه حلم يخـ . ـافان الاستيقاظ منه. لأول مرة منذ أشهر، نامت الطفلة في سريـ . ـر دافئ، واختفى السعال الجاف من صدرها الصغير بفضل الأدوية المنتظمة والبيئة النظيفة.

أما فهد السالم، فقد انغمس في عمله بمقر الشـ . ـركة، لكن شيئًا ما فيه قد تبدل بشـ . ـكل ملحوظ. لم يعد ذـ . لك المدير الجاف الذي يرى الموظفين كأرقام في آلة إنتاج؛ أصبح يقف للاستماع، ويسأل عن أحوال العمال البسيطين، وكأن عينيه انفتحتا فجأة على عالم موازٍ لم يكن يراه من نافذة سيارته الفارهة.

في صباح يوم الأحد، كان موعد غادة لبدء عملها الجديد في القسـ . ـم الإداري للمجموعة.

وصلت إلى البرج الزجاجي الشاهق وهي ترتدي عباءة سوداء بسيطة لكنها أنيقة ونظيفة، ممسكة بملف يحتوي على أوراقها الثبوتية التي استطاعت استخراجها بدعم من الشؤون القانونية لشـ . ـركة فهد. كانت نبضات قلبها تتسارع وهي تصعد في المصعد الزجاجي نحو الطابق المخصص لها.

استقبلتها مساعدة فهد—التي كانت معهم في محطة المترو—بابتسامة عملانية لكنها حملت هذه المرة احترامًا حقيقيًا. قادتها إلى مكتبها الصغير، وبدأت تشـ . ـرح لها طبيعة عملها في أرشفة البيانات الطبية وتنظيم مواعيد المـ . ـساعدات الإنسانية التي تقدمها الشـ . ـركة للمـ . ـستشفيات الحكومية.

كانت غادة تعمل بجدّ واجتهاد يثيران الدهشة، وكأنها تريد أن تثبت لفهد ولنفسها أنها تستحق هذه الفرصة، وأن المال الذي أُنفق عليها لم يذهب سُدى.

في نهاية الأسبوع الأول من عملها، تلقى فهد تقريرًا من مدير القسـ . ـم الإداري يثني فيه على دقة غادة وسرعة تعلمها. شعر فهد بارتياح عميق، وقرر أن يمر على قسـ . ـمها بنفسه لمتابعة سير العمل ودعمها معنويًا.

لكن، عندما وصل فهد إلى الممر المؤدي لمكتبها، تجمّع عدد من الموظفين في حلقة صغيرة، وكان هناك صوت مرتفع يأتي من الداخل.

أسرع فهد بخطواته، لتنفرج صفوف الموظفين هيبةً لوجوده.

داخل المكتب، كانت تقف سيدة أنيقة ترتدي مجوهرات باهظة الثمن، وتتحدث بعنجهية وصوت حـ . ـاد موجه لغادة التي كانت تقف مطأطئة الرأس، والدمـ . ـوع تحتبس في عينيها.

“أنا لا يهمني أين وجدكِ فهد، وكيف أتيتِ إلى هنا!” قالت السيدة بغضـ . ـب وهي تضـ,ـرب بحقيبتها الفاخرة على سطح المكتب. “أنا نورة السالم، شقيقة فهد، وعضو مجلس الإدارة. هذه الأوراق التي أرسلتِها لقسـ . ـم المحاسبة تعطل مشـ . ـروعي الخاص، ومن غير المقبول أن تتحكم امرأة جُلبت من الشارع في ميزانيات عائلتنا!”

كانت نورة قد علمت بقصة غادة من بعض الشائعات التي تسربت، واستغلت خـ . ـطأً إداريًا بسيطًا في مراجعة الأوراق لتصفية حسابات ضيقة، ولإثبات أن قرار شقيقها فهد بالاعتماد على “مشـ . ـردة” كان قرارًا طائشًا يهدد هيبة العائلة.

تصلب فهد في مكانه، وشعر بنـ . ـار الغضـ . ـب تشتعل في صدره. كانت نورة تتحدث تمامًا بلغة والدهما الراحل.. لغة التعالي والتشـ . ـكيك في ضمائر الناس لمجرد أنهم واجهوا ظروفًا قـ . ـاسية.

“نورة!”

انطلق صوت فهد قويًا حازمًا، دَوّى في أرجاء الممر وجـ . ـعل الجميع يتراجع خطوة إلى الوراء.

التفتت نورة نحوه، وتغيرت ملامحها من الغطرسة إلى المفاجأة، لكنها حاولت الحفاظ على تماسكها. “فهد.. جيد أنك جئت. كنت أشـ . ـرح لهذه…”

“هذه الموظفة اسـ . ـمها غادة،” قاطعها فهد بنبرة حـ . ـادة كالشفرة، وتقدم حتى وقف بين شقيقته وغادة. “وهي تقوم بعملها بناءً على الصلاحيات التي منحتُها لها بنفسي كرئيس تنفيذي للمجموعة. أي اعتراض على تدقيق الحسابات يُناقش في مكتبي أنا، وليس بإهانـ . ـة الموظفين أمام الجميع.”

نظرت إليه نورة بغيظ مكتوم، وهمست بصوت منخفض لكي لا يسـ . ـمعها الموظفون: “هل جـ . ـننت يا فهد؟ تقف مع غريبة ضد شقيقتك؟ لقد أصبحت حديث السوق منذ تلك الليلة في المترو. والدي لو كان حيًا لما سـ . ـمح بهذا الهراء.”

نظر فهد إلى شقيقته بعينين مليئتين بالأسى على العقليّة التي ورثتها. “والدنا عاش ومـ,ـات وهو يخـ . ـاف أن يسـ,ـرقه الناس، فمـ . ـات وحيدًا دون أن يثق بأحد. أما أنا، فلن أعيش في هذا السجـ . ـن الزجاجي بعد اليوم.”

ثم التفت إلى الموظفين وقال بصوت مسـ . ـموع: “الجميع يعود إلى عمله حالًا.”

تفرق الموظفون بسرعة، وسارت نورة مبتعدة وهي تضـ,ـرب الأرض بحذائها ذي الكعب العالي، تتوعد بعقد اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.

التفت فهد إلى غادة. كانت يداها ترتجفان وهي تمسح دمعة فرّت رغماً عنها.

“أنا آسفة يا أستاذ فهد…” قالت بصوت متحشـ . ـرج. “لا أريد أن أكون سببًا في أي خلاف عائلي أو مشاكل في شـ . ـركتكم. إذا كان وجودي سيسبب لك ضغوطًا، يمكنني الانسحاب فورًا.”

نظر فهد إلى الملفات المرتبة بعناية على مكتبها، ثم نظر إلى عينيها التي رأى فيهما الصدق ذاته الذي رآه في محطة المترو.

“أنتِ لن تذهبي إلى أي مكان يا غادة،” قال فهد بهدوء وثقة هبطت كبلسـ . ـم على روعها. “المعركة هنا لم تعد معركتكِ وحدكِ.. بل أصبحت معركتي أنا لإثبات أن الإنسان قيمته بأمانته وعمله، لا برصيده في البنك. واصلي عملكِ، ولا تقلقي من شيء.”

هزت غادة رأسها بامتنان عميق، وعادت لتجلس وراء مكتبها وهي تشعر بالقوة لأول مرة في حياتها.

أما فهد، فقد عاد إلى مكتبه وهو يعلم أن نورة لن تصمت، وأن مجلس الإدارة—المكون من أعمامه وأقارب والده التقليديين—سيحاولون استـ . ـغلال هذا الموقف للضغط عليه والحد من صلاحياته.

جلس خلف مكتبه، شبك أصابعه معًا، ونظر إلى الأفق وهو يستعد للمواجهة الكبرى التي ستحدد مصير المجموعة.. ومصير المبدأ الجديد الذي اختار أن يعيش به.

لم يتأخر رد نورة؛ فقبل نهاية الدوام، تسلم فهد إشعارًا رسـ . ـميًا بطلب عقد اجتماع طارئ لمجلس إدارة مجموعة السالم العالمية في صباح اليوم التالي، بناءً على طلب ثلاثة من كبار المـ . ـساهمين: شقيقته نورة، وعماه خالد ومنصور.

كان فهد يعلم أن هذا الاجتماع ليس لمناقشة ميزانيات أو صفقات متأثرة، بل هو محاكمة علنية لنهجه الجديد، ومحاولة لكسـ . ـر إرادته وإعادة فرض إرث والده الراحل الذي كان يرى في الإدارة قبـ . ـضة حديدية لا مكان فيها للمشاعر أو “المجازفات الإنسانية”.

في المـ . ـساء، اتصل فهد بغادة وطلب منها الحضور إلى قاعة الاجتماعات الكبرى في تمام الساعة العاشـ . ـرة من صباح الغد، حاملةً معها جميع التقارير والملفات الطبية التي قامت بأرشفتها ودراستها خلال الأسبوع. شعرت غادة بعبء كبير وضغط يقيد أنفاسها، لكن نبرة فهد الهادئة والواثقة منحتها الشجاعة للموافقة دون تردد.

حلّ الصباح، وجلس أعضاء مجلس الإدارة حول الطاولة البيضاوية الضخمة. الأجواء كانت مشحونة بالتوتر، والوجوه جادة وصارمة.

افتتح العم الأكبر، خالد السالم، الحديث بنبرة هادئة لكنها مبطنة باللوم:

— فهد، نحن هنا اليوم ليس للتدخل في شؤونك الشخصية، لكن اسـ . ـم “مجموعة السالم” ارتبط دائمًا بالانضباط والجدية. ما نسـ . ـمعه مؤخرًا عن تعيين أشخاص دون خلفيات مهنية، وفقط بناءً على مواقف عاطفية في الشارع، يثير قلق المـ . ـستثمرين ويضر بسـ . ـمعة الشـ . ـركة في السوق..

التفتت نورة نحو فهد وأضافت بحدة:

— والأدهى من ذـ . لك يا فهد، أن هذه الموظفة بدأت تتدخل في ميزانيات المشـ . ـروعات وتعرقل سير المعاملات التي نعتمدها، وكأنها صاحبة القرار هنا!

ظل فهد صامتًا، مستمعًا لجميع الاعتراضات دون أن تبدو على وجهه أي علامة من علامـ . ـات الغـ,ـضب أو التوتر. وعندما انتهوا، أشار لمـ . ـساعدته بفتح الباب.

دخلت غادة بخطوات ثابتة رغم ارتباكها الداخلي، وهي تحمل جهازها اللوحي وبعض الملفات المطبوعة. ألقت التحية وجلست في المقعد المخصص لها بطلب من فهد.

— بما أنكم تتحدثون عن الكفاءة والسـ . ـمعة، قال فهد وهو يلتفت إلى الحضور، فلنترك لغة العواطف والشائعات جانباً، ولنتـ . ـحدث بلغة الأرقام والقرارات التي تحبونها. غادة، تفضلي بعرض التقرير.

وقفت غادة، وأخذت نفسًا عميقاً، ثم بدأت تعرض البيانات على الشاشة الكبرى بثقة فاجأت الجميع:

— طوال الأسبوع الماضي، قمت بمراجعة وتدقيق ملفات المـ . ـساعدات الإنسانية والأجهزة الطبية التي توردها المجموعة للمـ . ـستشفيات كجزء من مساهمـ . ـاتها المجتمعية. وخلال التدقيق، اكتشفت تكرارًا في فواتير الشـ . ـراء لبعض الأجهزة من موردين خارجيين، بنسب زيادة تصل إلى 25% عن السعر الحقيقي في السوق.

ساد صمت مفاجئ وثقيل في القاعة. تغيرت ملامح نورة فجأة، وبدأ التوتر يظهر على وجه العم منصور.

تابعت غادة دون تردد:

— المعاملة التي أوقفتُها بالأمس والتابعة لقطاع السيدة نورة، كانت تحتوي على طلب توريد شحنة أجهزة تنفس اصطناعي من شـ . ـركة وسيطة غير مسجلة رسـ . ـميًا في قوائمنا المعتمدة، وبمبالغ مضاعفة. إيقاف هذه المعاملة والمراجعة الدقيقة وفرا على المجموعة ما يقارب المليونين ونصف المليون درهم في أسبوع واحد فقط.

وضعت غادة الأوراق أمام الأعمام، ونظرت إليهم بأدب وثبات:

— أنا لم آتِ إلى هنا لأتحكم في أموالكم، بل جئت لأحافظ عليها بناءً على الأمانة التي كُلفت بها.

التفت فهد إلى مجلس الإدارة، وكانت عيناه تلتمعان بانتصار هادئ:

— الإنسان الذي كنتم تصفونه بأنه “مُشـ . ـرد” ولا يستحق الثقة، هو الشخص الوحيد في هذا المبنى الذي امتلك الأمانة والشجاعة ليوقف هدر ملايين الدراهم التي كان بعضكم يمررها تحت مسـ . ـمى “مشـ . ـروعات خاصة”.

احمرّ وجه نورة غضـ . ـبًا ولم تستطع الرد، بينما تنحنح العم خالد محاولاً تدارك الموقف وحفظ ماء الوجه:

— نحن… نحن لم نكن نعلم بهذه التفاصيل يا فهد. التدقيق أمر جيد، ونحن نشجع عليه بالتأكيد.

— هذا التدقيق لم يكن ليحدث لو أنني استمعت لنصيحة والدي—رحمه الله—بأن الفقير هو دائماً اللص، قال فهد وهو يقف من مقعده بكبرياء. الجشع لا يرتبط بالفقر يا أعمامي، بل يرتبط بالنفوس. وغادة أثبتت أن كرامتها وأمانتها أكبر من محاولات التشـ . ـكيك.

أنهى فهد الاجتماع لصالحه بالضـ,ـربة القاضية، وغادر الأعضاء القاعة وهم يتبادلون نظرات الخزي والعتاب، بينما بقيت نورة تنظر إلى غادة بحـ . ـقد دفين أظهر أنها لن تتوقف عند هذا الحد.

التفت فهد إلى غادة بعد خروج الجميع، وابتسـ . ـم بامتنان:

— لقد أنقذتِ الموقف اليوم يا غادة.

— بل أنت من أنقذ حياتي وحياة ابنتي أولاً يا أستاذ فهد، وما فعلته هو واجبي فقط، ردت بامتنان.

لكن، بينما كانت الأمور تستقر في الشـ . ـركة، كان هناك خطب آخر يطبخ في الخفاء.

في مساء اليوم نفسه، تلقت غادة اتصالاً هاتفيًا من رقم مجهول. عندما أجابت، جاءها صوت رجولي خشن وجاف، تسبب في تجمد الدـ,ـماء في عروقها وأعاد إليها رعـ . ـبًا ظنت أنها هـ,ـروبها منه قد انتهى:

— غادة… هل ظننتِ حقًا أن الاختباء خلف أبراج السالم وعقاراتهـ . ـم سيحميكِ مني؟ لقد عرفت مكانكِ، وغدًا سآتي لأخذ ليان، ولن يمنعني عنكِ لا مال فهد السالم ولا نفوذه.

سقط الهاتف من يد غادة على الأرض، واهتزت أركان الشقة الدافئة من حولها، ليعود شبـ . ـح الماضي ويهدد بهدم كل شيء من جديد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *