فاخر من الاخر حكايات أسما ×3

بعد أسبوعين…

دخلت مقر الشركة الجديدة.

مبنى زجاجي ضخم في القاهرة الجديدة.

أول يوم شغل.

كنت متوترة شوية.

مش بسبب الوظيفة…

لكن لأن دي كانت أول مرة أبدأ حياة جديدة من غير ما يكون في حد مستنيني أرجع البيت.

الموظفة المسؤولة عن الموارد البشرية أخدتني ألف على الإدارات.

وبعدين وقفت قدام مكتب كبير.

خبطت على الباب.

“اتفضل.”

دخلنا.

كان المدير التنفيذي قاعد بيقلب في ملفات.

رفع عينه.

ابتسم.

وقال:

“أهلًا يا أستاذة سارة.”

صافحته.

وقبل ما أقعد…

سمعت صوت جاي من آخر المكتب.

“سارة؟”

لفيت.

واتصدمت.

كان واقف أستاذ سامح…

المدير المالي السابق لشركة والد كريم.

ابتسم وقال:

“واضح إن الدنيا صغيرة.”

ضحكت لأول مرة من قلبي.

“واضح فعلًا.”

…

بعد الاجتماع…

استأذن المدير وخرج.

فضلت قاعدة مع أستاذ سامح.

قال وهو بيحرك فنجان القهوة:

“أنا سعيد إنك بدأتي من جديد.”

ابتسمت.

“الحمد لله.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“بس في حاجة فضلت مستخبيّة سنين.”

بصيت له باستغراب.

“إيه هي؟”

قال:

“إنتِ فاكرة إن أم كريم بدأت تتحكم فيه بعد الجواز؟”

هزيت راسي.

“لأ.”

“هي كانت بتتحكم فيه من وهو طفل.”

استغربت.

قال:

“والده كان كل ما ياخد قرار…”

كانت تعترض.

ولو وافق على حاجة…

كانت تغيرها.

وكريم كبر وهو فاكر إن إرضاء أمه أهم من أي حاجة.”

سكت لحظة.

وأضاف:

“حتى لما والده كان يحاول يعلمه يعتمد على نفسه…”

كانت تقول له:

‘اسمع كلامي أنا… أبوك مش فاهم.'”

تنهد.

“لحد ما الراجل مات وهو شايف ابنه بيبعد عنه يوم بعد يوم.”

…

رجعت البيت وأنا بفكر.

لأول مرة…

بقيت أشوف الصورة كاملة.

كريم ظلمني.

وده عمره ما هيتغير.

لكن كمان…

كريم نفسه اتربى غلط.

وده بيفسر…

مش بيبرر.

وفي فرق كبير بين الاتنين.

…

بعد شهر…

كنت ماشية في مول.

بشتري شوية حاجات.

ولقيت محل بدلات رجالي.

بصيت بالغلط ناحية الإزاز.

ولقيت كريم.

كان واقف لوحده.

أنحف من آخر مرة شفته.

ولحيته طالعة.

ولابس هدوم بسيطة.

هو كمان لمحني.

وقف مكانه.

اتردد ثواني.

وبعدين قرب.

وقف على مسافة محترمة.

وقال:

“السلام عليكم.”

“وعليكم السلام.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“شكلك بخير.”

“الحمد لله.”

هز راسه.

“أنا كمان بقيت أحسن.”

استغربت.

قال:

“نقلت من بيت أمي.”

بصيت له في هدوء.

كمل:

“استأجرت شقة صغيرة.”

“وبقيت أزورها مرة في الأسبوع.”

سكت.

وبعدين قال:

“أول مرة في حياتي أعرف يعني إيه أعيش بقراراتي.”

ماعرفتش أرد.

قال:

“متقلقيش.”

“أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.”

“أنا بس…”

اتنهد.

“كنت عايزك تعرفي إن الدرس وصل.”

بصيت له ثواني.

وقلت:

“أتمنى فعلًا يكون وصل.”

ابتسم.

“وصل.”

لف يمشي.

وبعدين وقف.

ومن غير ما يبصلي قال:

“شكرًا.”

استغربت.

“على إيه؟”

قال بصوت واطي:

“لأنك أول واحدة في حياتي قالتلي لأ.”

“ولو ماكنتيش عملتي كده…”

“كنت هفضل طول عمري فاكر إن اللي عملته طبيعي.”

ومشي.

فضلت أبص وراه لحد ما اختفى وسط الناس.

وأنا ماشية ناحية باب المول…

ابتسمت بهدوء.

لأن بعض النهايات…

مش لازم يكون فيها رجوع.

يكفي إن كل واحد فينا…

خرج منها إنسانًا مختلفًا.

لكن القدر كان لسه مخبي مفاجأة أخيرة…

لأن بعد ثلاثة أشهر بالضبط…

وصلني ظرف من المحكمة.

ولما فتحته…

لقيت اسم كريم مكتوب فيه من جديد، لكن المرة دي…

بصفة لم أتوقعها أبدًا.

بصيت للظرف أكتر من مرة.

كان مختوم بختم المحكمة.

وقلبي دق بسرعة.

أول حاجة جت في بالي…

“هو رفع قضية؟”

فتحت الظرف.

إيدي كانت بتترعش.

لقيت استدعاء لحضور جلسة…

لكن مش كمدعى عليها.

ولا كشاهدة.

كان اسمي مكتوب تحت كلمة:

“صاحبة حق.”

استغربت.

قرأت باقي الورق.

واتضح إن كريم هو اللي رفع قضية…

ضد أمه وأخته.

فضلت أقرا السطور أكتر من مرة.

مش مصدقة.

في القضية كان بيطالب باسترداد مبلغ كبير من الفلوس اللي كانوا أخدوه منه على مدار سنين، وكمان إخلاء الشقة اللي كان مأجرها ليهم باسمه بعد ما رفضوا يسيبوها.

وقفت مكاني.

ده نفس كريم…

اللي كان بيقول:

“دول أهلي… يعملوا اللي هما عايزينه.”

إيه اللي حصل؟

…

يوم الجلسة…

دخلت المحكمة.

ماكنتش عارفة أنا ليه مطلوبة.

لكن أول ما دخلت القاعة…

شفت كريم.

كان لابس بدلة بسيطة.

وشكله أهدى بكتير من زمان.

أول ما شافني…

اكتفى بهزة راس محترمة.

من غير ما يقرب.

ولا يحاول يكلمني.

…

القاضي بدأ الجلسة.

ومحامي كريم وقف وقال:

“موكلي لا يخاصم والدته لأنها والدته.”

“لكنه يرفض استمرار استغلاله ماديًا.”

حماته قامت تصرخ.

“بعد ما ربيتـك… تجرجرني المحاكم؟”

كريم رد بهدوء لأول مرة:

“أنا مجرتش حد.”

“أنا بس قررت أحط حدود.”

الجملة دي…

خلتني أفتكر نفسي.

افتكرت كل مرة كنت أقوله فيها:

“لازم يبقى في حدود.”

وكان يرد:

“إنتِ مكبرة الموضوع.”

…

بعد انتهاء الجلسة…

خرجت من المحكمة.

ولقيته واقف بعيد.

قرب خطوة وقال:

“ممكن دقيقة؟”

وافقت.

قال وهو باصص في الأرض:

“أنا عارف إن ده مش هيفرق بالنسبة لك.”

“بس كنت حابب تعرفي إن أول درس اتعلمته بعد طلاقنا…”

“إن بر الوالدين غير إن الإنسان يسمح لحد يهين حياته.”

سكت لحظة.

وكمل:

“كنت فاكر الطاعة معناها أوافق على كل حاجة.”

“طلعت غلط.”

بصيتله بهدوء.

وقلت:

“الحدود لو كانت اتحطت من أول يوم…”

“مكنّاش وقفنا هنا.”

هز راسه.

“عارف.”

“وعارف إن الاعتراف ده جه متأخر.”

…

قبل ما أمشي…

ناداني.

“سارة.”

لفيت.

ابتسم ابتسامة هادية وقال:

“متخافيش.”

“أنا مش هحاول أرجع الماضي.”

“أنا بس بتمنى إن أي بنت تتجوز بعد كده…”

“تلاقي راجل اتعلم من غلطي… مش يكرر غلطي.”

سيبته ومشيت.

وأنا خارجة من المحكمة…

حسيت إن آخر خيط كان بيربطني بالقصة دي اتقطع.

ماعدتش غضبانة.

ولا حزينة.

ولا حتى مستنية اعتذار.

لأن في بعض العلاقات…

الانتصار الحقيقي فيها…

مش إن الطرف التاني يندم.

الانتصار الحقيقي…

إنك تخرج منها من غير ما تخسر احترامك لنفسك.

ولما ركبت عربيتي…

رن الموبايل.

كان رقم الشركة.

المدير قال بابتسامة:

“أستاذة سارة… عندنا خبر حلو.”

“مجلس الإدارة وافق على ترقيتك.”

ابتسمت وأنا ببص للطريق قدامي.

وافتكرت الليلة اللي كنت واقفة فيها قدام الفندق…

وحيدة…

وشايلة شنطتي.

وقتها افتكرت إن حياتي انتهت.

لكن الحقيقة…

إنها كانت أول ليلة…

في حياتي الجديدة.
مرّت ستة شهور.

الحياة اتغيرت بشكل ماكنتش أتخيله.

الشقة الصغيرة اللي كنت شايفاها مجرد محطة مؤقتة…

بقت أول مكان أحس فيه بالأمان.

كنت برجع من الشغل، أفتح الباب، وأقعد أشرب قهوتي في البلكونة من غير ما حد يسألني:

“عملتي إيه؟”

أو يقول:

“ماما قالت…”

أو:

“دنيا عايزة…”

لأول مرة…

كان البيت ساكت.

والسكوت كان مريح.

…

في الشركة…

الترقية الجديدة خلت مسؤوليتي تكبر.

وفي يوم، المدير استدعاني مكتبه.

قال بابتسامة:

“في مشروع كبير هنشتغل عليه.”

سألته:

“مع مين؟”

ناولني الملف.

فتحت أول صفحة.

واتجمدت.

اسم الشركة المقابلة كان:

“مجموعة الشاذلي للاستثمار.”

رفعت عيني بسرعة.

“دي شركة…”

ابتسم المدير.

“أيوه… الشركة اللي كان كريم شغال فيها.”

حسيت قلبي دق.

قال بسرعة:

“اطمني، هو مش مسؤول عن المشروع.”

وافقت.

وأخدت الملف.

لكن جوايا كان في إحساس غريب.

…

بعد أسبوع.

اجتماع رسمي.

دخلت قاعة الاجتماعات.

كان فيها حوالي عشرين شخص.

وأنا بقلب في الأوراق…

سمعت صوت مألوف.

“صباح الخير.”

رفعت عيني.

كان كريم.

لكن مش قاعد على رأس الترابيزة زي زمان.

كان قاعد في آخر الصف.

مجرد مدير إدارة.

أول ما شافني…

اكتفى بابتسامة خفيفة.

ولا حاول يكلمني.

ولا حتى يقرب.

خلص الاجتماع كله باحتراف.

وكأننا عمرنا ما عرفنا بعض.

…

بعد الاجتماع…

وأنا بجمع أوراقي…

سمعت حد بيقول:

“مدام سارة.”

لفيت.

كان كريم.

وقف على بعد مترين.

وقال:

“متقلقيش.”

“أنا طلبت من الإدارة إن أي تعامل بينا يبقى رسمي بس.”

استغربت.

قال:

“علشان محدش يحطك في موقف محرج.”

ابتسمت لأول مرة.

“شكرًا.”

هز راسه.

ومشي.

من غير ما يزود كلمة.

…

بعد كام يوم…

سمعت اتنين من الموظفين بيتكلموا.

واحد بيقول:

“كريم زمان كان داخل على منصب الرئيس التنفيذي.”

التاني رد:

“بس هو بنفسه رفض يرجع المنصب.”

استغربت.

سألت زميلة ليا.

قالت:

“أيوه.”

“قال إنه مش هيمسك مسؤولية أكبر قبل ما يثبت لنفسه إنه اتغير فعلًا.”

فضلت ساكتة.

لأول مرة…

حسيت إن التغيير اللي كنت بسمع عنه…

بقى أفعال.

مش كلام.

…

بعد شهر…

وصلني إيميل من الموارد البشرية.

فيه دعوة لحفل تكريم الموظفين.

رحت.

الحفل كان بسيط.

وفي آخره…

المدير العام طلع على المسرح وقال:

“السنة دي عندنا جائزة خاصة.”

“لشخص اعترف بأخطائه، واشتغل على تطوير نفسه، وحافظ على احترافيته رغم ظروفه الشخصية.”

بدأ الحضور يسقف.

واستدعوا كريم.

طلع بهدوء.

استلم الدرع.

ومسك الميكروفون.

قال:

“أنا مش هطول.”

“بس في شخص علمني أهم درس في حياتي.”

قلبي انقبض.

عرفت إنه يقصدني.

لكن المفاجأة…

إنه ماقالش اسمي.

اكتفى وقال:

“علمني إن احترام الزوجة مش هدية.”

“ولا معروف.”

“ده واجب.”

“ولو الإنسان فرّط فيه…”

“ممكن يخسر إنسانة عمره كله.”

حط الميكروفون.

ونزل.

من غير ما يبص ناحيتي.

ومن غير ما يحاول يكسب تعاطف حد.

وفي اللحظة دي…

عرفت إن القصة بينا انتهت فعلًا.

مش لأننا رجعنا لبعض…

لكن لأن كل واحد فينا أخيرًا بقى الشخص اللي كان المفروض يبقى عليه من البداية.

خرجت من القاعة.

وقفت أبص للسماء.

وابتسمت.

لأن بعض النهايات السعيدة…

مش بتكون برجوع الناس لبعض.

بتكون لما كل واحد فيهم يلاقي نفسه من جديد.

عدى سنتين.

السنة الأولى عدت بسرعة.

أما السنة التانية…

فعدت بهدوء لأول مرة من سنين.

بقيت مديرة قطاع في الشركة.

اشتريت شقة جديدة.

أصغر من الأولى…

لكن كل ركن فيها كان بيحكي عن قرار أخدته بإرادتي.

مافيش حد فرض عليا لون الحيطان.

ولا مكان السفرة.

ولا مين يبات في أوضة الضيوف.

كل حاجة كانت بتقول…

“ده بيت سارة.”

…

في يوم الجمعة.

وأنا قاعدة في البلكونة بسقي الزرع.

الموبايل رن.

رقم غير مسجل.

رديت.

“السلام عليكم.”

“وعليكم السلام… مدام سارة؟”

“أيوه.”

“أنا مصطفى… ابن عم كريم.”

افتكرت اسمه بالعافية.

قال:

“أنا آسف لو اتصلت في وقت مش مناسب.”

“خير؟”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“عمي… والده كريم… كان عنده عادة.”

“إيه هي؟”

“كان كل سنة في ذكرى جوازه يروح يوزع أكل على دار أيتام.”

استغربت.

“وده إيه علاقته بيا؟”

قال:

“كريم بقاله سنتين بيعمل نفس الحاجة.”

“كل سنة.”

“وفي كل مرة يكتب على الكراتين…”

‘ادعوا لكل بيت يحافظ على الاحترام قبل الحب.’

فضلت ساكتة.

قال بسرعة:

“أنا مش بكلمك علشان ترجعوا.”

“أنا عارف إن كل حاجة انتهت.”

“بس حسيت إن من حقك تعرفي إنه فعلًا اتغير.”

شكرته وقفلت.

بصيت قدامي شوية.

وحسيت براحة.

مش لأن كريم اتغير…

لكن لأني بطلت أحمل في قلبي أي غضب.

…

بعد شهر.

كنت مدعوة لافتتاح فرع جديد للشركة.

وأنا داخلة…

لمحت شخص واقف بعيد.

كان كريم.

لكن المرة دي…

كان معاه مجموعة من الشباب الصغير.

بيشرح لهم حاجة في الشغل.

واحد منهم قال:

“يا فندم… لو والدتي طلبت مني أسيب مراتي لوحدها علشانها، أعمل إيه؟”

ابتسم كريم ابتسامة هادئة.

وقال من غير تردد:

“احترم والدتك.”

“واخدمها.”

“لكن عمرك ما تظلم زوجتك علشان ترضي أي حد.”

“العدل مش عقوق.”

“والاحترام مايتقسمش.”

وقفت مكاني.

سمعت الجملة.

واتحركت بهدوء من غير ما يشوفني.

ابتسمت.

وقلت لنفسي:

“الدرس وصل.”

…

رجعت البيت.

فتحت درج المكتب.

كان فيه صندوق صغير.

نفس الصندوق اللي حطيت فيه زمان رسالة كريم.

فتحته.

قريت الرسالة للمرة الأخيرة.

قفلتها.

طلعت ولاعة صغيرة.

وحطيت الرسالة في طبق معدني.

ولعت فيها.

فضلت أبص وهي بتتحول لرماد.

مش علشان بكرهه.

لكن لأن الذكرى خلصت.

شلت الرماد.

ورميته.

وقفلت الدرج.

وفي اللحظة دي…

حسيت إن آخر صفحة من الحكاية اتقفلت.

…

وبعد سنين…

لما كانت أي بنت صغيرة في العيلة تسألني:

“يا طنط سارة… إزاي أعرف الراجل الصح؟”

كنت أبتسم وأقول:

“بصي على طريقة معاملته ليكي لما يكون مضغوط.”

“وبصي هيحطك فين وسط أولوياته.”

“الراجل اللي يشوف كرامتك جزء من كرامته…”

“هو الراجل اللي يستحق تبني معاه بيت.”

أما اللي يطلب منك تتنازلي عن نفسك من أول الطريق…

فافتكري إن التنازل الأول…

نادراً بيكون الأخير.

وهكذا انتهت حكايتي.

مش بخسارة جواز.

ولا ببيع شقة.

لكن بكسب أهم حاجة في حياتي…

نفسي.

الخاتمة

بعد خمس سنوات…

كنت واقفة قدام شباك مكتبي في الدور الأخير من الشركة.

القاهرة تحت رجليا كانت زحمة كعادتها.

عربيات.

ناس.

حياة ماشية.

أما أنا…

فكنت ببص لانعكاس صورتي على الزجاج.

وافتكرت البنت اللي كانت واقفة قدام فندق في الساحل، شايلة شنطة سفر، ومش عارفة هتروح فين.

لو حد قالها وقتها:

“بعد خمس سنين هتبقي هنا.”

ماكنتش هتصدقه.

…

رن الموبايل.

كانت بنت خالتي.

قالت وهي بتضحك:

“إحنا كلنا مستنيينك.”

ضحكت.

“جاية.”

كان عندنا تجمع عائلي.

دخلت البيت.

ولقيت بنات العيلة قاعدين بيتكلموا عن الخطوبة والجواز.

واحدة منهم سألتني:

“يا سارة…

إنتِ ندمانة إن جوازك الأول فشل؟”

ابتسمت.

كلهم سكتوا مستنيين الرد.

قلت بهدوء:

“أنا ندمت على حاجة واحدة.”

“إني حاولت أقنع نفسي إن قلة الاحترام حاجة بسيطة.”

“لكن الجواز نفسه؟”

هزيت راسي.

“لأ.”

“لأنه علمني أختار نفسي.”

…

في نفس الوقت…

كان كريم خارج من مسجد بعد صلاة المغرب.

لمح شاب بيزعق لمراته قدام الناس.

قرب منه بهدوء.

وقال:

“متزعلش مني…

بس متكسرش خاطر مراتك قدام حد.”

الشاب رد بعصبية:

“دي مراتي.”

ابتسم كريم.

وقال الجملة اللي بقت مبدأ حياته:

“علشان كده…

هي أول واحدة لازم تحافظ على كرامتها.”

ومشي.

من غير ما يعرف الشاب اسمه.

…

بعدها بشهور…

وصلتني دعوة لحضور ندوة عن العلاقات الأسرية.

دخلت القاعة.

وكان من ضمن المتحدثين…

كريم.

اتكلم عن الأخطاء اللي بتدمر البيوت.

ومن غير ما يذكر اسمي.

قال:

“في ناس بتخسر شريك حياتها…

مش بسبب الخيانة.

لكن بسبب إنها كل مرة تطلب منه يصبر.

ولما يخلص صبره…

يكون الوقت خلص.”

القاعة كلها سكتت.

وأنا كمان.

لأني عرفت إن الكلام ده خارج من تجربة حقيقية.

بعد الندوة…

شافني.

ابتسم من بعيد.

وأنا كمان ابتسمت.

لا حب.

ولا كره.

ولا ندم.

مجرد سلام بين شخصين…

كانوا يومًا جزءًا من حياة بعض.

…

وأنا راجعة عربيتي…

بصيت للسماء.

وافتكرت أول ليلة.

ليلة ما طلب مني أنام في ريسبشن الفندق.

لو كنت وافقت…

كان يمكن أفضل طول عمري أتنازل.

لكن الليلة دي…

لما ركبت التاكسي ورجعت لوحدي…

ماكنتش بهرب.

كنت برجع لنفسي.

وده كان أحسن قرار أخدته في حياتي.

تمت بحمد الله. ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *