النمر الذي لم يق*تل أسما السيد ×2
الفصل الثاني — سرّ الندبة
لم يستطع رامي السيوفي أن يرفع عينيه عن تلك الندبة.
كانت صغيرة، مائلة قليلًا فوق العين اليسرى، لكنها لم تكن مجرد أثر جرح عادي. كانت علامة محفورة في ذاكرته قبل أن تكون محفورة في جلد النمر الأسود.
نفس الندبة.
نفس المكان.
نفس الشكل.
قبل عشرين سنة، كان شقيقه الأصغر “آسر” قد أصيب بها وهو طفل، عندما سقط من فوق سور بيت العائلة القديم وهو يركض خلف رامي. يومها بكى آسر بشدة، بينما وقف رامي مذعورًا لا يعرف ماذا يفعل، ووالدتهما تضغط بقطعة قماش على الجرح وهي تردد: “مش مهم الجرح… المهم إنكم تفضلوا مع بعض.”
لكنهم لم يظلوا معًا.
في تلك الليلة المشؤومة منذ عشرين عامًا، اختفى آسر داخل هذه الغابة نفسها.
قالوا إنه مات.
قالوا إن الوحوش افترسته.
قالوا إن البحث توقف لأن الأمل انتهى.
ورامي صدقهم… أو أقنع نفسه أنه صدقهم، لأن الحقيقة كانت أثقل من أن يحملها طفل في الخامسة عشرة.
أما الآن… فالحقيقة تقف أمامه بعينين صفراوين، وجسد مفترس، وندبة لا يمكن أن تكون صدفة.
تراجع رامي خطوة وهو يهمس بصوت مخنوق:
— لا… مستحيل.
العجوز التي وقفت أمام باب الكوخ لم تبدُ متفاجئة من انهياره. كانت تنظر إليه كما ينظر طبيب إلى جرح قديم انفتح أخيرًا.
قالت بهدوء:
— المستحيل كلمة بيقولها الناس لما الحقيقة تكون أكبر من عقلهم.
ابتلع رامي ريقه بصعوبة. كان يشعر أن الهواء حوله صار أثقل من الدخان. الغابة خلفه مظلمة، والكوخ أمامه مضاء بضوء أصفر خافت، والنمر الأسود جالس بينهما كحارس لسرّ لا يُقال بسهولة.
— إنتِ مين؟ قالها رامي بعصبية ممزوجة بالخوف. وإزاي تعرفي اسمي؟ وإزاي… إزاي النمر ده عنده نفس ندبة أخويا؟
العجوز لم تجب فورًا. التفتت ودخلت الكوخ، ثم قالت من الداخل:
— ادخل قبل ما الدم اللي في إيدك ينشف على الجرح.
نظر رامي إلى يديه. لم يكن قد انتبه أن الحبال مزقت جلده حتى سال الدم بين أصابعه. كان الألم موجودًا، لكنه كان ضائعًا تحت صدمة أكبر.
تردد لحظة، ثم نظر إلى النمر.
النمر لم يتحرك. فقط حدق فيه وكأنه ينتظر قراره.
خطا رامي نحو الكوخ بحذر.
من الداخل، كان المكان غريبًا. ليس كوخًا فقيرًا كما بدا من الخارج، بل أشبه بمخبأ قديم. جدران خشبية، رفوف مليئة بزجاجات أعشاب، خرائط معلقة للمحمية، صور لحيوانات، ودفاتر كثيرة مكدسة فوق طاولة عريضة. في الزاوية موقد صغير فوقه إناء يغلي، ورائحة أعشاب مرة تملأ المكان.
جلست العجوز على كرسي خشبي، وأشارت إلى مقعد أمامها.
— اقعد.
— أنا مش هقعد غير لما أفهم.
رفعت عينيها إليه وقالت:
— هتفهم… بس الحقيقة لما تيجي مرة واحدة، بتكسر صاحبها.
ضحك رامي بمرارة.
— أنا كنت مربوط في شجرة ومستني نمور تاكلني، وبعدها نمر أنقذني، وبعدها لقيت واحدة غريبة بتقولي إنه يعرفني. أظن مفيش حاجة تقدر تكسرني أكتر من كده.
سكتت العجوز لحظة، ثم قالت:
— اسمها الحاجة راوية. كنت طبيبة بيطرية في المحمية دي من زمان. قبل ما تتحول المحمية لساحة صيد سرية لناس أغنى من القانون.
تجمد وجه رامي.
— صيد سرية؟
— أيوه. واللي حاولت أبلغ عنه اتدفن. واللي حاول يمنعه اختفى. واللي عرف زيادة عن اللزوم… مات.
قال رامي بصوت حاد:
— أنا صاحب الشركة اللي بتمول المحمية. مستحيل يحصل ده من غير ما أعرف.
نظرت إليه راوية نظرة جعلته يصمت.
— وده بالضبط سبب المصيبة يا رامي بيه. إنك فاكر إن توقيعك على الشيكات معناه إنك عارف الحقيقة.
ضربت كلماتها صدره كصفعة.
كان طوال عمره يظن أنه يحمي الغابة بالأموال والمشروعات واللافتات الكبيرة التي تحمل اسمه. محمية السيوفي الطبيعية. مشروع الحفاظ على الحياة البرية. لكن هل كان كل ذلك واجهة فقط؟ هل كانت الغابة تُذبح تحت اسمه وهو لا يرى؟
اقترب النمر من الباب ودخل الكوخ بهدوء. كان حجمه داخل المكان أكبر وأكثر رهبة. جلس في الظل، وعيناه لا تفارقان رامي.
قال رامي بصوت منخفض:
— والنمر ده؟ علاقته بإيه بكل ده؟
راوية مدت يدها إلى درج قديم، وأخرجت صورة باهتة. وضعتها على الطاولة ودفعتها نحوه.
التقطها رامي بيد مرتجفة.
كانت الصورة قديمة جدًا. يظهر فيها طفلان واقفان قرب سور حجري. أحدهما هو رامي، في الخامسة عشرة تقريبًا، نحيف، متكبر قليلًا، يضع يده في جيبه. وبجانبه طفل أصغر، يضحك بفم مفتوح، وعلى حاجبه الأيسر ضمادة صغيرة.
آسر.
شعر رامي أن ركبتيه تضعفان.
— منين الصورة دي؟
قالت راوية:
— أمك ادتهالي.
رفع رأسه بسرعة.
— أمي؟
— قبل ما تموت بشهور، جات هنا. كانت عارفة إن ابنها ما ماتش بالطريقة اللي الناس قالوا عليها.
حبس رامي أنفاسه.
— أمي كانت عارفة إن آسر عايش؟
— كانت حاسة. الأم قلبها بيشوف اللي العيون ما تشوفوش. بس مكنتش تعرف توصله.
ضغط رامي على الصورة حتى كادت تتمزق.
— قولي الحقيقة.
تنهدت راوية طويلًا.
— ليلة اختفاء آسر، ماكنتش حادثة. كان فيه ناس دخلوا الغابة يصطادوا حيوان نادر. آسر شافهم. كان طفل، لكنه كان شجاع وغبي زي كل الأطفال الطيبين. حاول يجري يبلغ الحراس. الصيادين مسكوه.
شعر رامي أن شيئًا باردًا يزحف في عروقه.
— وبعدين؟
— واحد فيهم ضربه على رأسه. افتكروا إنه مات. رموه في منطقة بعيدة من الغابة عشان الوحوش تخلص الباقي.
ارتجف رامي.
— لا…
— لكن الوحوش ما قت*لتوش. أنثى نمر سوداء لقيته. كانت فقدت صغيرها قبلها بيومين بسبب نفس الصيادين. بدل ما تفترسه… احتضنته.
غاص رامي في صمت مروّع.
راوية تابعت بصوت أخفض:
— أنا لقيته بعدها بأيام. كان عايش، لكنه بين الموت والحياة. حاولت أخده للمستشفى، لكن الناس اللي كانت ورا الصيد كانت أقوى من أي بلاغ. لو ظهر الطفل حي، كان هيفضحهم. خبّيته هنا. عالجته. لكن الصدمة كانت شديدة. آسر ما رجعش زي الأول.
نظر رامي نحو النمر الأسود.
النمر كان ساكنًا.
— بتقولي إن ده… آسر؟
لم ترد راوية بسرعة. نهضت ببطء، وأخذت من الرف دفترًا جلديًا قديمًا.
— لا. مش بالطريقة اللي عقلك عايز يفهمها. آسر إنسان. كان إنسان. لكن اللي حصل له جوه الغابة غيّر كل حاجة. سنوات عاشها بين الحيوان والبشر. قلبه اتربى على لغة مختلفة. الخوف، الرائحة، الذاكرة، الألم. وبعد حادثة معينة… اختفى الإنسان أكتر، وظهر الوحش أكتر.
صرخ رامي فجأة:
— كفاية ألغاز! أخويا فين؟ حي ولا ميت؟
ارتجف الهواء داخل الكوخ من صوته.
النمر نهض فجأة، وأطلق زمجرة منخفضة.
تراجع رامي لا إراديًا.
رفعت راوية يدها بهدوء نحو النمر.
— اهدى يا آسر.
تجمد رامي.
الكلمة سقطت كالرصاصة.
آسر.
النمر هدأ فعلًا.
جلس من جديد.
أما رامي فظل واقفًا، شاحب الوجه، عيناه تتسعان في رعب لا يوصف.
— لا… لا… إنتِ مجنونة.
قالت راوية بحزن:
— ياريتني كنت مجنونة. الجنون أرحم من الحقيقة دي.
اقترب رامي من النمر خطوة، ثم توقف. كان جسده كله يرتجف. أراد أن يرى أخاه، لكنه لم يرَ إلا مفترسًا ضخمًا يمكن أن يمزقه في لحظة. أراد أن يصدق، لكنه كان يخاف من التصديق.
همس:
— آسر؟
تحركت أذنا النمر.
لم يكن ذلك دليلًا، لكنه كان كافيًا ليهزّ قلب رامي.
قال مرة أخرى، بصوت مكسور:
— آسر… أنا رامي.
ظل النمر ينظر إليه طويلًا.
ثم حدث شيء صغير جدًا… لكنه مزق روح رامي.
اقترب النمر ببطء، ثم خفض رأسه، ولمس بجبينه يد رامي المعلقة إلى جانبه.
كما كان آسر يفعل وهو طفل عندما يريد أن يعتذر دون كلام.
شهق رامي وغطى فمه بيده.
كل جدار بناه داخله خلال عشرين عامًا انهار دفعة واحدة.
سقط على ركبتيه أمام النمر، لا يعرف هل يبكي خوفًا أم ندمًا أم فرحًا مستحيلًا.
— أنا آسف… أنا آسف يا آسر… أنا اللي سيبتك يومها… أنا اللي قلت لك امشي ورايا… أنا اللي خوفت ورجعت أجري لما سمعت صوت الرصاص… أنا آسف…
لم يكن النمر يفهم الكلمات كما يفهمها البشر، أو ربما كان يفهم أكثر مما يظنون. لكنه ظل ثابتًا أمامه، ثم مد رأسه أكثر، فاحتضنه رامي بذراعين مرتجفتين.
احتضن أخاه الذي عاد إليه في صورة وحش.
وبكى كما لم يبكِ منذ طفولته.
راوية وقفت في صمت، عيناها تلمعان بدموع قديمة. كانت تعرف أن هذه اللحظة تأخرت عشرين عامًا، وأنها رغم جمالها تحمل خطرًا مرعبًا.
لأن الصيادين الذين ظهروا الليلة لم يكونوا مجرد رجال عشوائيين.
كانوا يبحثون عن النمر الأسود.
وكانوا يعرفون قيمته.
بعد وقت طويل، رفع رامي رأسه بصعوبة.
— مين اللي عمل كده؟ مين اللي كان ورا الصيد زمان؟ ومين اللي رجّع الصيادين دلوقتي؟
لم تجب راوية. ذهبت إلى صندوق حديدي قديم تحت السرير، فتحته بمفتاح معلق في رقبتها، وأخرجت ملفًا أسود.
وضعته أمامه.
— كنت مستنية اليوم اللي ترجع فيه. أمك طلبت مني لو حصل حاجة… أديك ده.
فتح رامي الملف بيدين مرتجفتين.
في الداخل صور، مستندات، أسماء، تحويلات مالية، وتصاريح مزورة.
قرأ الاسم الأول… وتجمد.
“كمال السيوفي.”
عمه.
الرجل الذي رباه بعد موت والده.
الرجل الذي وثق به أكثر من نفسه.
رئيس مجلس إدارة مؤسسة العائلة السابق.
شعر رامي كأن الأرض اختفت من تحته.
— عمي؟ مستحيل.
قالت راوية:
— هو اللي غطّى على اختفاء آسر. وهو اللي حوّل المحمية من مكان للحماية لمكان للصيد السري. وهو اللي عارف إن آسر لسه موجود هنا.
رفع رامي عينيه ببطء.
— ليه؟
قالت راوية:
— لأن آسر شافه ليلة الحادثة.
ساد صمت قاتل.
حتى النمر نفسه رفع رأسه كأنه تذكر شيئًا بعيدًا.
تابعت راوية:
— آسر شاف عمك وهو بيسلّم الصيادين خرائط الغابة. كان طفل، لكنه كان ذكي. عرف إن اللي بيحصل غلط. عشان كده كان لازم يختفي.
قبض رامي على الملف حتى ابيضت أصابعه.
كل حياته كانت كذبة.
كل حب تلقاه من عمه… ربما كان خوفًا من انكشاف السر.
كل مرة قال له عمه: “انسَ آسر، الموت قضاء وقدر”… كانت دفنًا جديدًا للحقيقة.
وفجأة، سمعوا صوتًا خارج الكوخ.
فرع شجرة انكسر.
النمر نهض فورًا، جسده توتر، وأنيابه ظهرت.
أطفأت راوية المصباح بسرعة.
همست:
— أوطوا.
انحنى رامي خلف الطاولة.
من الخارج جاءت أصوات رجال.
واحد منهم قال:
— الدم واصل لحد هنا.
آخر رد:
— الباشا قال لازم الحيوان يتجاب حي لو نقدر. جلده لوحده يساوي ملايين.
تجمد رامي.
ثم جاء صوت ثالث يعرفه جيدًا. صوت سمعه في اجتماعات الشركة عشرات المرات.
صوت سامح، مدير أمنه الخاص.
— دوروا حوالين الكوخ. رامي بيه لو عايش، يبقى دخل هنا.
شعر رامي بطعنة في قلبه.
حتى أمنه الشخصي متورط.
نظر إلى راوية في الظلام، فوجدها تشير له ألا يتحرك.
لكن الباب الخشبي بدأ يُدفع من الخارج.
النمر انخفض بجسده، مستعدًا للانقضاض.
همس رامي:
— لا… لو هجم عليهم هيق*تلوه.
راوية قالت بصوت لا يكاد يسمع:
— ولو ما هجمش، هيق*تلونا كلنا.
الباب انفتح بعنف.
دخل رجل يحمل كشافًا وبندقية.
قبل أن يصرخ، كان النمر فوقه.
لكن رامي قفز فجأة وصرخ:
— محدش يضرب نار!
تجمد الرجال للحظة عندما رأوه.
سامح وقف خارج الباب، مصدومًا.
— رامي بيه… إنت عايش؟
خرج رامي من الظل، وجهه ملطخ بالدم والتراب، لكنه وقف باستقامة غريبة.
— واضح إن ده خيّب أمل ناس كتير.
ارتبك سامح، لكنه حاول التماسك.
— إحنا جايين ننقذك يا فندم.
ضحك رامي ضحكة قصيرة باردة.
— ببنادق صيد؟ ومن غير ما تبلغوا الشرطة؟ ومع نفس الرجالة اللي ربطوني في الشجرة؟
لم يرد سامح.
في تلك اللحظة عرف رامي أن زمن الغفلة انتهى.
قال بصوت منخفض:
— مين بعتك؟
رفع سامح بندقيته قليلًا.
— حضرتك تعبان ومصدوم. الأفضل تيجي معانا بهدوء.
تحرك النمر خطوة للأمام، فارتجف الرجال.
صرخ أحدهم:
— اضربه يا سامح!
لكن سامح لم يطلق النار. كان يعرف أن وجود رامي حيًّا يغيّر كل الحسابات.
قال رامي:
— بلغ كمال السيوفي إن اللعبة خلصت.
تغير وجه سامح تمامًا.
لم يعد يمثل.
قال ببرود:
— كنت أتمنى تموت في الغابة بدل ما توصل للمرحلة دي.
رفع بندقيته نحو رامي.
وفي اللحظة نفسها، انطفأ الكشاف فجأة.
راوية كانت قد رمت عليه زجاجة زيت من خلف الباب.
اشتعل المكان بالفوضى.
زئير النمر شق الليل.
طلقات عشوائية مزقت جدار الكوخ.
رامي أمسك راوية من ذراعها وسحبها للخلف بينما النمر اندفع بين الرجال كظل من جحيم.
صرخات.
ركض.
رصاص.
ثم صمت مفاجئ.
خرج رامي من الباب الخلفي مع راوية، وقلبه يدق كطبول حرب.
بعد لحظات، لحق بهما النمر الأسود.
كان يعرج قليلًا.
صرخ رامي:
— هو اتصاب!
انحنت راوية بسرعة، ولمست كتفه.
— رصاصة سطحية… بس لازم نتحرك. هيجيبوا ناس أكتر.
قال رامي وهو يلهث:
— نروح فين؟
نظرت راوية إلى عمق الغابة.
— للمكان الوحيد اللي كمال السيوفي عمره ما قدر يوصله.
— فين؟
قالت وهي تبدأ السير:
— عرين النمور.
تبعها رامي مضطرًا، والنمر يسير بجانبه رغم ألمه.
كان الفجر بعيدًا، والغابة تزداد ظلامًا. لكن داخل رامي، ولأول مرة منذ عشرين عامًا، لم يكن الخوف وحده يتحرك.
كان هناك غضب.
غضب على عمه.
غضب على نفسه.
وغضب على عالم يق*تل البراءة ثم يبيع جلدها بالملايين.
بعد مسير طويل، وصلوا إلى وادٍ خفي خلف شلال صغير. كانت الصخور تحيط بالمكان من كل جهة، والأشجار متشابكة فوقه كأنها سقف طبيعي.
هناك، تحت ضوء القمر، رأى رامي شيئًا لم يتخيله.
آثار أقدام كثيرة.
عظام حيوانات.
مكان دافئ مخفي بين الصخور.
وعلى الجدار الصخري… رسوم قديمة محفورة بمخالب.
لكن ما جعله يتوقف حقًا كان شيئًا آخر.
في زاوية العرين، فوق قطعة قماش قديمة، كانت هناك أشياء بشرية محفوظة بعناية.
سيارة لعبة صغيرة.
زر قميص أزرق.
وسوار طفل مكتوب عليه: “آسر السيوفي.”
انكسر رامي من الداخل مرة أخرى.
اقترب ببطء، وحمل السوار بين يديه.
قالت راوية من خلفه:
— احتفظ بيهم طول السنين. كان يرجع لهم كل ما يسمع اسمك.
استدار رامي نحو النمر.
كان آسر واقفًا عند مدخل العرين، صامتًا، شامخًا، جريحًا، وموجوعًا بطريقة لا يفهمها إلا من سُرق منه عمر كامل.
اقترب رامي منه ببطء.
— أنا هرجعلك حقك… حتى لو كان اللي قدامي عمي… حتى لو كانت البلد كلها ضدي.
نظر النمر إليه بعينيه الصفراوين.
ثم رفع رأسه وأطلق زئيرًا طويلًا.
زئيرًا لم يكن تهديدًا هذه المرة.
بل عهدًا.
وفي قصر السيوفي، على بعد عشرات الكيلومترات، كان كمال السيوفي يقف أمام نافذة مكتبه، يمسك كأسًا من الزجاج، بينما يستمع إلى صوت سامح المرتجف في الهاتف.
— رامي بيه عايش… ومعاه النمر.
تجمد وجه كمال.
ثم أغمض عينيه وقال ببرود:
— إذن اقت*لوهما معًا.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— وقبل الفجر… احرقوا الغابة.
يتبع