بعد الفراق حكايات اسما ×5
الفصل الخامس عشر
ظل سيف يحدق في شاشة الهاتف بعد انقطاع الفيديو.
أعاد تشغيله مرة…
ثم مرتين…
ثم ثلاث مرات.
كان يبحث عن أي تفصيلة فاتته.
وفجأة قال لخبير التقنية:
“وقف الفيديو عند الثانية سبعة.”
نفذ الرجل الطلب.
ظهرت خلف كريم لوحة معدنية صغيرة معلقة على الحائط.
رغم أنها كانت خارج نطاق التركيز…
استطاع الخبير تكبيرها.
ابتسم فجأة.
“لقيتها.”
اقترب سيف.
“إيه دي؟”
قال الخبير:
“دي لوحة قديمة كانت بتستخدمها هيئة المساحة.”
“يعني؟”
“كل مزرعة كان ليها رقم.”
كبر الصورة أكثر.
وظهر الرقم بوضوح:
17 – وادي النخيل
قال سيف بحسم:
“اعرفلي المكان.”
لم تمر سوى دقيقة حتى ظهر الموقع على الخريطة.
يبعد أقل من ساعة ونصف عن القاهرة.
وقف سيف فورًا.
“جهزوا العربيات.”
قال أحد الضباط:
“ولو كان فخ؟”
رد سيف دون تردد:
“حتى لو.”
—
في الوقت نفسه…
كان كريم يقود سيارته عبر طريق ترابي ضيق.
نظر في المرآة.
ثلاث سيارات سوداء ما زالت تطارده.
قال لأم حسن:
“امسكي آدم كويس.”
ضمت الطفل إليها.
وفي اللحظة التالية…
لف كريم المقود بعنف.
دخل طريقًا زراعيًا ضيقًا لا تعرفه إلا قلة من الناس.
السيارة الأولى حاولت تلحقه…
لكنها غرقت في حفرة كبيرة.
أما السيارتان الأخريان…
فأكملتا المطاردة.
—
داخل السيارة…
بدأ آدم يبكي.
أخذت أم حسن تهدهده.
لكن الطفل لم يهدأ.
نظر كريم إليه من المرآة.
ثم قال بهدوء:
“هو حاسس.”
“حاسس بإيه؟”
“إن أبوه قريب.”
—
بعد ساعة…
وصل سيف إلى المزرعة.
لكن المكان كان خاليًا.
أثر الرصاص في كل مكان.
والنوافذ محطمة.
ودخان خفيف ما زال يتصاعد من المنزل.
دخل بسرعة.
وجد ج..ثة الدكتور سامح.
أغمض عينيه احترامًا.
ثم بدأ يفتش المكان.
وفجأة…
وجد تحت المكتب جهاز تسجيل صغيرًا.
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت الدكتور سامح:
«”لو سيف الحديدي بيسمعني… يبقى أنا غالبًا مت.”»
ساد الصمت.
ثم أكمل التسجيل:
«”يا سيف… سامحني. أنا شاركت في أكبر كذبة في حياتي.”»
توقف التسجيل لثانية.
ثم عاد.
«”لكن أقسم بالله… ليلى ما خانتكش أبدًا.”»
شهقت ليلى التي كانت تقف خلف سيف.
أما هو…
فأغلق عينيه للحظة.
وأكمل التسجيل:
«”آدم ابنك… ودي حقيقة لا تقبل الشك.”»
نزلت دموع ليلى لأول مرة منذ أيام.
لكن الدكتور لم ينته.
«”أما كريم… فخطف آدم علشان ينقذه، مش علشان ينتقم منك.”»
قبض سيف على جهاز التسجيل.
وقال بصوت مبحوح:
“كنت عارف…”
جاءه صوت الدكتور للمرة الأخيرة:
«”الخطر الحقيقي… هيبدأ أول ما تلاقوا الخزنة.”»
ثم انتهى التسجيل.
—
في تلك اللحظة…
كان أحد رجال الأمن يفتش غرفة النوم.
صرخ فجأة:
“يا باشا!”
دخل الجميع.
أشار الرجل إلى الأرض.
كانت هناك بلاطة إسمنتية مختلفة عن باقي الأرضية.
رفعها.
فظهر صندوق حديدي قديم.
وضعه سيف على الطاولة.
كان مغلقًا بقفل دائري.
لكن أغرب ما فيه…
أنه لم يكن يحتاج إلى مفتاح.
بل إلى بصمة يد.
وعلى الغطاء…
كانت محفورة عبارة واحدة:
“لا تُفتح إلا بحضور الأخوين معًا.”
رفع سيف رأسه ببطء.
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة قصيرة إلى هاتفه من رقم مجهول:
“لو عايز تفتح الخزنة… تعالى لوحدك. كريم مستنيك.”
وانتهى الفصل، بينما كان سيف يدرك أن اللقاء الأول بينه وبين أخيه بعد خمس سنوات… أصبح أقرب من أي وقت مضى.
الفصل السادس عشر
نظر سيف إلى الرسالة طويلًا.
ثم أغلق الهاتف ووضعه في جيبه.
قال قائد الحراسة:
“يا باشا… أكيد فخ.”
رد سيف بهدوء:
“عارف.”
“يبقى منروحش.”
ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أيام.
“في فرق بين إني أعرف إنه فخ… وإني أسيب ابني.”
ثم التفت إلى ليلى.
“هتيجي؟”
هزت رأسها بالنفي.
“أنا هعطلك.”
اقترب منها.
“لا.”
“أنا محتاجك.”
نظرت إليه باستغراب.
“ليه؟”
تنهد وقال:
“لأن آدم أول ما يرجع… أول حاجة هيدور عليها أمه.”
اغرورقت عيناها بالدموع.
لأول مرة منذ سنة وثلاثة أشهر…
شعرت أن سيف لم يعد يرى فيها المرأة التي هربت بابنه…
بل الأم التي حاولت حمايته.
—
بعد ساعة…
وصلت سيارة واحدة فقط إلى المكان المحدد في الرسالة.
مصنع قديم للغزل والنسيج، متوقف عن العمل منذ أكثر من عشر سنوات.
ترجل سيف وحده.
كما طُلب منه.
لكنه كان يعلم أن قناصة الحراسة يراقبون المكان من مسافات بعيدة.
دخل المصنع.
كل شيء كان مغطى بالغبار.
صوت خطواته يتردد في الصالة الواسعة.
وفجأة…
جاءه صوت مألوف.
“لسه بتمشي بنفس الطريقة.”
استدار ببطء.
كان كريم يقف أمامه.
حيًا.
بوجه أكثر قسوة مما يتذكره.
ولحية خفيفة.
لكن الابتسامة…
كانت نفس ابتسامة أخيه الكبير.
وقف الاثنان ينظران إلى بعضهما.
خمس سنوات من الغياب…
وألف سؤال.
كان أول من تكلم هو سيف.
“إنت حي.”
ابتسم كريم.
“أيوه.”
“ليه؟”
“علشان لو كنت مت…
إنت كمان كنت هتموت.”
قطب سيف حاجبيه.
“مش فاهم.”
اقترب كريم خطوة.
“الحادث اللي الناس قالت إني مت فيه…”
“…كان معمول لي.”
“لكن اللي خطط له اكتشف في آخر لحظة إنك كنت راكب العربية قبلي.”
اتسعت عينا سيف.
“يعني…”
“كانوا عايزين يقتلونا إحنا الاتنين.”
ساد الصمت.
ثم سأل سيف السؤال الذي ظل يحرقه منذ سنوات.
“مين؟”
أجاب كريم مباشرة:
“مش فؤاد.”
“أمال مين؟”
نظر كريم حوله.
ثم قال بصوت منخفض:
“مجلس الأمناء.”
استغرب سيف.
“إيه ده؟”
تنهد كريم.
“مش شركة.”
“ولا عيلة.”
“دي منظمة اتأسست من أيام جدي.”
“كانت بتدير ثروة الحديدي في السر.”
“ولما أبويا قرر يحلها…”
“…حكموا عليه بالموت.”
تراجع سيف خطوة.
“يعني أبويا…”
هز كريم رأسه.
“اتقتل.”
“مش مات.”
—
في تلك اللحظة…
دخلت ليلى من باب المصنع.
كانت قد خالفت أوامر سيف، وتبعته في سيارة أخرى.
وأول ما رأت كريم…
ثبتت مكانها.
قالت بصوت مرتعش:
“آدم فين؟”
ابتسم كريم لأول مرة.
“بخير.”
“عايزة أشوفه.”
“هتشوفيه.”
ثم صفق بيديه مرة واحدة.
فتح باب جانبي.
خرجت أم حسن…
وهي تحمل آدم.
ما إن رأت ليلى ابنها…
حتى ركضت نحوه.
ضمته إلى صدرها وهي تبكي.
وأخذت تقبل رأسه ويديه.
كان الطفل بخير.
بل بدا أكثر هدوءًا مما كان عليه في المستشفى.
اقترب سيف ببطء.
مد إصبعه.
فقبض آدم على إصبعه الصغير…
تمامًا كما فعل أول مرة في غرفة العناية.
ابتسم سيف واغرورقت عيناه.
وللحظة قصيرة…
نسي الجميع الحرب.
—
لكن تلك اللحظة لم تستمر.
فجأة…
دوى صوت إطلاق نار من أعلى المصنع.
انفجرت النوافذ.
وسقط أحد رجال كريم مصابًا.
ثم انطلقت عشرات الرصاصات.
صرخ كريم:
“انبطحوا!”
احتضن سيف ليلى وآدم بجسده.
واختبأ الجميع خلف ماكينة ضخمة.
ثم جاء صوت عبر مكبرات الصوت:
“انتهى وقت الهروب يا كريم.”
“وسيف…”
“إنت كمان.”
رفع كريم رأسه ببطء.
وعرف الصوت فورًا.
همس:
“خالد…”
نظر إليه سيف.
“مين خالد؟”
أجاب كريم وهو يجهز سلا..حه:
“الرجل اللي الناس كلها فاكرة إنه مات قبل عشرين سنة…”
“…لكنه الرئيس الحقيقي لمجلس الأمناء.”
وانتهى الفصل على وقع الرصاص الذي حاصر الإخوة لأول مرة وهم يقفون في خندق واحد، بعدما أدرك كل منهما أن عدوه الحقيقي لم يكن الآخر… بل الرجل الذي كان يدير كل شيء من الظل.
الفصل السابع عشر
انهمر الرصاص على الماكينات الحديدية القديمة، فتطاير الشرر في كل اتجاه.
ضمَّ سيف ليلى وآدم أكثر إلى الأرض.
أما كريم فكان يراقب النوافذ المكسورة بعينين ثابتتين.
همس:
“لا تضرب.”
نظر إليه سيف باستغراب.
“إنت اتجننت؟”
“هما مستنيين نرد.”
“ليه؟”
“علشان يبقى عندهم مبرر يخلصوا علينا كلنا.”
في تلك اللحظة دوى صوت خالد عبر مكبرات الصوت مرة أخرى.
“سيف الحديدي…”
“طول عمرك كنت فاكر إنك صاحب الإمبراطورية.”
“لكن الحقيقة…”
“…إنك مجرد مدير مؤقت.”
قبض سيف على سلا…حه.
“اخرج واجهني.”
ضحك خالد.
“أنا ما بحاربش بنفسي.”
وفجأة…
دخل عشرات الرجال من كل مداخل المصنع.
لكن الغريب…
أن أسلحتهم كانت موجهة إلى كريم فقط.
ابتسم كريم.
وقال لأخيه:
“شايف؟”
“قلتلك.”
“هم عايزني أنا.”
سأل سيف:
“ليه؟”
أخرج كريم من جيبه فلاشة صغيرة.
ووضعها في يد سيف.
“دي نسخة من كل ملفات مجلس الأمناء.”
“لو أنا مت…”
“…انشرها.”
رد سيف بغضب:
“مش هتموت.”
ابتسم كريم.
“كنت عارف إنك هتقول كده.”
—
في الخارج…
وصلت سيارات الشرطة.
لكنها لم تدخل.
وقفت بعيدًا.
وكأنها تنتظر أوامر.
نظر سيف من ثقب في الجدار.
وتغير وجهه.
“إيه ده؟”
اقترب كريم.
فرأى ضابطًا كبيرًا يصافح أحد رجال خالد.
همس:
“حتى الشرطة مخترقة.”
—
داخل المصنع…
بدأ خالد يعد.
“عشرة…”
“تسعة…”
“تمنية…”
قالت ليلى وهي تضم آدم:
“هو بيعد ليه؟”
رد كريم:
“علشان بعد الصفر…”
“…هيفجر المصنع.”
تجمد الجميع.
نظر سيف حوله بسرعة.
لاحظ أن الأعمدة القديمة مزروعة بعبوات ناسفة.
قال:
“في مخرج؟”
أشار كريم إلى نفق ضيق أسفل إحدى الماكينات.
“ده يوصل للنهر.”
“إنت عرفته منين؟”
ابتسم.
“أنا اللي بنيته لما كنت مستخبي.”
قال سيف:
“طيب يلا.”
لكن كريم لم يتحرك.
نظر إليه سيف.
“واقف ليه؟”
قال بهدوء:
“حد لازم يفضل.”
“لا.”
“القنبلة لازم تتفك.”
“سيبها.”
هز كريم رأسه.
“لو انفجرت…”
“…كل الأدلة هتضيع.”
—
وصل خالد إلى العد الأخير.
“واحد…”
ثم ضغط الزر.
لكن…
لم يحدث شيء.
نظر إلى الجهاز في يده بدهشة.
ضغط مرة ثانية.
ولا شيء.
في تلك اللحظة…
أضاءت شاشة صغيرة خلفه.
وظهر عليها وجه فؤاد الحديدي.
قال بابتسامة هادئة:
“واضح إنك نسيت إن اللي ركب المتفجرات…”
“…كان رجالي.”
اتسعت عينا خالد.
“إنت خنتني؟”
رد فؤاد:
“أنا بخون أي حد يحاول يورث الإمبراطورية من غير اسمي.”
وفي اللحظة نفسها…
انطلقت رصاصة من مكان مجهول.
استقرت في صدر فؤاد وهو ما زال على شاشة البث المباشر.
سقط على الأرض.
وقبل أن تنقطع الصورة…
نظر إلى الكاميرا بصعوبة.
وهمس بكلمة واحدة:
“الخزنة…”
ثم انقطع البث.
ساد الصمت.
نظر سيف إلى كريم.
وقال:
“حتى فؤاد…”
أجابه كريم:
“كان مجرد قطعة شطرنج.”
وفي اللحظة نفسها…
اهتز المصنع كله بعنف.
لكن هذه المرة…
لم يكن بسبب القنابل.
بل بسبب حفار ضخم اخترق الجدار الخارجي، ودخلت خلفه عربات مدرعة لا تحمل أي شعار.
همس كريم:
“وصلوا…”
سأل سيف:
“مين؟”
رد وهو يرفع سلا..حه للمرة الأخيرة:
“مجلس الأمناء بنفسه.”
وانتهى الفصل على دخول القوة الغامضة التي لم يرها أحد من قبل، لتبدأ المواجهة الحاسمة التي ستحدد مصير عائلة الحديدي وإمبراطوريتها.
يتبع