حلم مؤجل حكايات اسما-3
مترجم وممصر حصري
تظاهرت بأنني شاب للحصول على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يكره النساء لكن كل يوم كانت كذبتي تقترب أكثر من الانهيار
الجزء الثالث
شعرت أن قلبي توقف تمامًا.
عينَا سليم الحديدي ظلتا ثابتتين على بقعة الدم فوق بنطالي الأبيض.
قال بصوته الهادئ المخيف: دي بقعة دم؟
لثانية كاملة أصبح عقلي فارغًا.
ثم تحرك داخلي شيء يشبه غريزة النجاة.
ضحكت بتوتر وقلت بسرعة: آه… جرحت نفسي وأنا بحلق الصبح يا فندم.
عقد حاجبيه وقال: بتحلق؟
ابتلعت ريقي بصعوبة ثم أشرت للأسفل مرتبكة: منطقة… خاصة يعني.
تجمد للحظة. ولأول مرة منذ عرفته بدا عليه الارتباك.
تنحنح سريعًا وأدار وجهه بعيدًا وقال ببرود: دي معلومة مكنتش محتاج أعرفها.
همست: آسفة يا فندم.
عدل أزرار قميصه ثم قال: غيّر البنطلون قبل ما تقدم الفطار.
أومأت بسرعة: حاضر.
وما إن خرج من المطبخ حتى انهارت ركبتاي.
ركضت إلى غرفتي الصغيرة وأغلقت الباب خلفي بقوة. ثم أسندت ظهري إليه وأنا أتنفس بعنف.
همست لنفسي: دي كانت قريبة أوي.
نزعت البنطال بسرعة ومزقت جزءًا من منشفة قديمة حتى أستطيع التصرف مؤقتًا. ثم ارتديت بنطالًا أسود واسعًا وعدت للمطبخ وكأن شيئًا لم يحدث.
عندما دخلت كان سليم جالسًا بالفعل إلى طاولة الطعام.
رفع عينيه نحوي ببطء وقال: اتأخرت.
خفضت رأسي: آسفة يا فندم.
بدأ يتناول إفطاره بصمت. أما أنا فكنت بالكاد قادرة على الوقوف من التوتر.
بعد دقائق أنهى طعامه وغادر القصر.
تنفست أخيرًا براحة.
ثم أسرعت إلى الخارج حتى أشتري ما أحتاجه قبل أن يعود.
في العادة لا يرجع سليم قبل السادسة مساءً. لذلك قررت المرور على المستشفى لرؤية عمر.
قلت لموسى البواب: هخرج شوية وراجع بسرعة.
هز رأسه وقال: أوغا مش في البيت دلوقتي. بس ارجع قبل الليل.
أومأت وغادرت بسرعة.
رائحة المطهرات ضربتني فور دخولي جناح المستشفى.
كل شيء كان كما تركته.
عمر ما يزال مستلقيًا بلا حركة. الأجهزة تتنفس بجانبه. وجهه هادئ كأنه نائم فقط.
أربع سنوات كاملة… وما زلت أرفض تصديق أنه قد لا يستيقظ أبدًا.
كانت أمي جالسة بجواره تمسك يده وتتمتم بالدعاء.
وعندما رأتني امتلأت عيناها بالحزن.
قالت بصوت متعب: بصي لنفسك يا لينا.
حاولت الابتسام: أنا كويسة يا ماما.
هزت رأسها ببطء. ثم لمست وجهي بيد مرتجفة.
قالت: لا يا بنتي… إنتِ مش كويسة. إنتِ شغالة زي العبيد في بيت غريب. مستخبية طول الوقت وعايشة بكذبة. شايلة البيت والمستشفى وكل حاجة فوق كتافك.
اختنق صوتها بالدموع.
أكملت: سيبتي الجامعة. وبعتي عمرك كله عشان أخوكي. وأنا مش قادرة أعملك حاجة.
شعرت بحرقة في عيني.
قلت بهدوء: إحنا محتاجين الفلوس يا ماما.
أومأت بحزن.
ثم قالت: بس كل مرة بتخرجي فيها قلبي بيقع. لو اكتشفوا حقيقتك؟ لو حصلك حاجة إنتِ كمان؟
نظرت نحو عمر وهمست: إحنا معندناش اختيار.
في تلك اللحظة دخل الطبيب يحمل ملفًا بيده.
وقفت أمي بسرعة وسألته: في أي تحسن يا دكتور؟
تنهد الرجل بأسف وقال: للأسف… مفيش استجابة جديدة.
ساد الصمت داخل الغرفة.
غطت أمي فمها وبدأت تبكي بصمت.
أما أنا فاقتربت من سرير عمر. ثم أمسكت يده الباردة وهمست: أرجوك فوق. أنا بعمل كل ده عشانك.
قبلت جبينه وغادرت بسرعة قبل أن أنهار.
عندما عدت إلى القصر كان الليل قد حل.
دخلت المطبخ وبدأت أجهز العشاء بسرعة. وبعد قليل عاد سليم.
تناول طعامه كعادته بصمت. ثم صعد إلى غرفته دون كلمة.
بدأت أنظف المطبخ بينما أحاول تجاهل الإرهاق الذي يسحق جسدي.
وفجأة رن هاتفي.
كانت أمي.
رددت بسرعة: أيوه يا ماما.
قالت بصوت منخفض متعب: وصلتي القصر؟
أجبت: أيوه.
ساد صمت طويل. ثم قالت فجأة: لينا… أنا تعبت.
تجمدت يدي فوق الحوض.
أكملت بصوت مكسور: أخوكي بقاله أربع سنين بين الحياة والموت. كل يوم بنصرف فلوس. كل يوم أمل كداب.
شعرت بانقباض في صدري.
قالت: شفتك النهارده… شكلك مرهق. إنتِ الوحيدة اللي باقية ليا. ومش قادرة أشوفك بتضيعي نفسك بالشكل ده.
بدأت دموعي تنزل بصمت.
لكن الجملة التالية حطمتني بالكامل.
قالت: أنا بفكر أفصل أجهزة عمر. يمكن كفاية عليه كده.
شعرت وكأن الأرض انهارت تحتي.
صرخت هامسة: ماما!
قالت وهي تبكي: مش قادرة أكمل يا بنتي. يمكن لازم نسيبه يرتاح.
اختنقت أنفاسي.
قلت بسرعة: إوعي تعملي كده! أرجوكِ… عمر هيقوم. أنا حاسة بكده.
لكنها لم ترد.
سمعت فقط صوت بكائها. ثم أغلقت الخط.
وقفت في منتصف المطبخ أحدق في الهاتف بصدمة.
لا.
لا يمكن أن يحدث هذا.
كل شيء فعلته… كل كذبة… كل خوف… كل ليلة بكاء…
لا يمكن أن ينتهي بإطفاء جهاز.
شعرت بدوار قوي. فأمسكت بطرف الرخامة حتى لا أسقط.
وفجأة جاء صوت خلفي: إنت كويس؟
شهقت بعنف والتفت.
كان سليم واقفًا عند باب المطبخ.
لم أسمعه يدخل.
كانت عيناه مثبتتين على وجهي الشاحب.
ثم اقترب خطوة وقال: إنت بترتعش.
أبعدت هاتفي بسرعة وقلت: أنا بخير يا فندم.
ظل يحدق بي للحظات طويلة. ثم قال: كنت بتعيط؟
خفضت رأسي فورًا.
قال بحدة أخف: بصلي.
رفعت عيني إليه بصعوبة.
ولأول مرة رأيت شيئًا غريبًا في ملامحه. لم يكن غضبًا. ولا احتقارًا.
كان… قلقًا.
قال: مين كان على التليفون؟
ترددت للحظة. ثم خرجت الكلمات مني دون تفكير: أمي.
سكت قليلًا.
ثم سأل: وأخوكي؟
تجمدت.
لم أكن قد أخبرته شيئًا عن عمر.
كيف عرف؟
قرأ الصدمة على وجهي. ثم قال بهدوء: سمعت جزء من كلامك.
شعرت بالخوف فورًا. ماذا لو بدأ يشك؟ ماذا لو اكتشف حقيقتي الآن؟
لكن سليم فاجأني.
اقترب أكثر ثم قال: هو في مستشفى إيه؟
حدقت به بعدم فهم.
كرر السؤال: اسم المستشفى.
همست بالاسم.
ظل صامتًا للحظة. ثم أخرج هاتفه وأرسل رسالة سريعة لشخص ما.
سألته بتوتر: ليه؟
رفع عيني نحوي وقال: عشان بكرة الصبح هروح معاك هناك.
شعرت بأنفاسي تتوقف.
قلت بسرعة: لا… مفيش داعي يا فندم.
لكنه قاطعني ببرود: ده مش طلب.
ثم أضاف وهو يستدير مغادرًا: والحاجة التانية…
تجمدت مكاني.
قال دون أن يلتفت: إوعى تعيط قدامي تاني.
ثم غادر.
بقيت واقفة في المطبخ أحدق في الباب المغلق وقلبي يضرب بعنف.
لأن شيئًا بداخلي كان يخبرني… أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد.
مترجم وممصر حصري لعيونكم
…….
تظاهرت بأنني شاب للحصول على وظيفة طاهٍ داخل قصر رجل يكره النساء لكن في تلك الليلة لمستُه بالخطأ وحدث ما كنت أخشاه طوال الوقت
الجزء الرابع
تجمدت يدي حول الهاتف.
صرخت بخوف: ماما؟! ماما ردي عليا!
لكن الخط انقطع.
شعرت وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل صدري.
سقط الطبق من يدي وتحطم فوق أرضية المطبخ بصوت مرعب.
ثم ركضت.
خرج موسى من عند البوابة فور رؤيتي.
قال بصدمة: يا عمر في إيه؟
كنت أبكي بالفعل وأنا أصرخ: أمي… لازم أروح المستشفى حالًا!
حدق في وجهي للحظة. ثم فتح البوابة فورًا وقال: اجري بسرعة. وأنا هغطي عليك لو أوغا سأل.
لم أشكره حتى.
ركضت إلى أول سيارة أجرة وجدتها في الشارع.
طوال الطريق كانت يداي ترتجفان بعنف.
كل ثانية شعرت كأنها ساعة كاملة.
أرجوك يا رب… خليني ألحقها.
عندما وصلت إلى المستشفى اندفعت عبر الممرات بأقصى سرعة.
ثم اقتحمت غرفة عمر.
صرخت: ماما!
كانت واقفة بجوار السرير تبكي بحرقة. ويدها المرتجفة فوق جهاز دعم الحياة.
استدارت نحوي. وكان وجهها محطمًا بالكامل.
قالت وهي تبكي: مش قادرة أكمل يا لينا.
ركضت إليها فورًا واحتضنتها بقوة.
صرخت: ماما أرجوكِ لا!
انهارت بين ذراعي وهي تنتحب: أربع سنين يا بنتي! أربع سنين من الوجع والانتظار والفواتير والدعاء! وأخوكي زي ما هو!
شعرت بدموعي تنهمر أنا أيضًا.
قلت بصوت مكسور: عارفة… والله عارفة.
ثم أمسكت وجهها بيدي وهمست: بس لو استسلمنا دلوقتي… هنعيش إزاي بعد كده؟
أغلقت عينيها وهي تبكي أكثر.
قالت: أنا خايفة أخسرك إنتِ كمان.
ضممتها بقوة أكبر.
قلت: مش هتخسرينا. أنا هنا. وعمر لسه هنا برضه.
في تلك اللحظة دخل الطبيب بعدما سمع الأصوات.
نظر إلينا بحزن. ثم اقترب بهدوء وقال: إنتوا الاتنين محتاجين راحة.
أجلس أمي على الكرسي وأعطاها كوب ماء.
ثم قال بلطف: لحد دلوقتي مفيش تحسن جديد… لكن أوقات الأمل بيكون أهم من العلاج نفسه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
اقتربت من سرير عمر ببطء.
ثم أمسكت يده الباردة وهمست: أخي… أرجوك فوق. أنا تعبت أنا كمان… بس لسه بحارب عشانك.
لا شيء.
فقط صوت الأجهزة المنتظم.
قبلت جبينه ووقفت وأنا أحاول منع نفسي من الانهيار.
ذلك الصمت كان مؤلمًا أكثر من أي صراخ.
وبينما كنت أساعد أمي للخروج رن هاتفي فجأة.
كان موسى.
رددت بسرعة: أيوه؟
جاء صوته هامسًا بخوف: إنت فين؟
قلت: لسه في المستشفى.
قال بسرعة: الباشا بيدور عليك في كل مكان! لازم ترجع حالًا.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
أغلقت الهاتف فورًا وركضت خارج المستشفى.
طوال الطريق إلى القصر كان عقلي يعمل بجنون.
ماذا سأقول له؟ هل عرف الحقيقة؟ هل سيطردني؟
عندما وصلت كان القصر هادئًا بشكل مخيف.
هادئ أكثر من المعتاد.
دخلت بحذر شديد.
ثم رأيته.
كان سليم جالسًا في غرفة المعيشة. ساق فوق الأخرى. وجهه جامد تمامًا. لكن عينيه حادتان بشكل مرعب.
قال ببرود: كنت فين؟
جف حلقي فورًا.
قلت بصوت ضعيف: المستشفى يا فندم.
نهض ببطء من مكانه.
وقال: المستشفى؟
تراجعت خطوة لا إراديًا. أيوه يا فندم.
بدأ يقترب مني ببطء.
قال: مين العيان؟
شعرت بقلبي يضرب بعنف.
قلت بسرعة: أمي.
ظل ينظر إلى وجهي طويلًا. كأنه يفتش داخلي عن الكذبة.
ثم قال بهدوء مخيف: متأكد؟
تجمدت.
لم أعرف ماذا أقول.
وقبل أن أجد إجابة أخذ خطوة أخرى نحوي.
تراجعت للخلف بسرعة. لكن قدمي علقت بطرف السجادة.
التوى كاحلي بقوة.
شهقت وسقطت للأمام مباشرة.
ثم حدث أسوأ شيء ممكن.
ارتطمت بسليم.
يدي استقرت فوق صدره.
وذراعاه أمسكتا خصري فورًا حتى لا أسقط.
ساد الصمت.
شعرت بأنفاسي تختفي.
لا…
لا لا لا.
لقد لمسته.
طوال الأشهر الماضية كنت أتجنب الاقتراب منه خوفًا من أن يغمى عليه أو ينهار كما قال موسى.
لكن الآن…
أنا بين ذراعيه حرفيًا.
اتسعت عيناي بصدمة وأنا أحدق فيه.
كنت أنتظر أن يسقط. أن يختنق. أن يدفعني بعيدًا بعنف.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
سليم ظل واقفًا مكانه.
وعيناه مثبتتان على وجهي بطريقة غريبة.
ثم قال ببطء شديد: إنت…
توقفت أنفاسي.
شعرت بيده حول خصري. قوية. دافئة. وثابتة.
ولأول مرة منذ دخلت هذا القصر… لم يبدُ عليه أي أثر للخوف.
بل العكس.
كان يحدق بي وكأنه أدرك شيئًا خطيرًا.
ثم ضيق عينيه فجأة وقال: إنت خفيفة أوي.
تجمد الدم في عروقي.
ابتعدت عنه بسرعة وكأنني احترقت.
قلت بتوتر: آسف يا فندم.
لكنه لم يرد.
ظل يراقبني بصمت مرعب.
ثم اقترب خطوة بطيئة وقال: ارفع وشك.
شعرت بالخوف يلتهمني بالكامل.
لكنني رفعت رأسي ببطء.
كان قريبًا جدًا الآن.
قريبًا لدرجة أنني استطعت رؤية التعب أسفل عينيه.
ثم مد يده فجأة نحو وجهي.
شهقت وتحركت للخلف بسرعة.
لكنه أمسك بطرف القبعة السوداء فوق رأسي.
توقفت أنفاسي.
لا…
لو سقطت القبعة سينتهي كل شيء.
أمسكتها بسرعة قبل أن ينزعها بالكامل.
نظر إلى يدي فوق القبعة. ثم إليّ.
وقال بهدوء مرعب: إيه اللي مستخبيه تحتها يا عمر؟
شعرت بأن العالم كله ينهار حولي.
لكن قبل أن أجيب…
انطفأت الأنوار فجأة.
القصر كله غرق في الظلام.
ثم دوى صوت إنذار حاد في كل مكان.
رفع سليم رأسه فورًا. وتغيرت ملامحه بالكامل.
سمعت موسى يصرخ من الخارج: ! في حد دخل القصر!
هذه القصة من إبداع الكاتب الأصلي Bellacharles Udaga وجميع حقوقها محفوظة له.
