حفيدتي حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع: الهروب

 

“إيه؟!”

 

خطف أحمد الهاتف من يدي.

 

وأعاد النظر إلى الإشعار البنكي مرة أخرى.

 

ثم مرة ثالثة.

 

كأن عقله يرفض تصديق ما يراه.

 

رصيد الحساب المشترك اختفى تقريبًا.

 

مئات الآلاف من الجنيهات تم تحويلها خلال دقائق.

 

قال سامي بحدة:

 

“هي بتهرب.”

 

واندفع أحمد نحو السلم.

 

لكنني أمسكت ذراعه.

 

“استنى.”

 

التفت نحوي بعصبية.

 

“أستنى إيه؟!”

 

قلت:

 

“لو واجهتها دلوقتي وهربت، مش هنعرف الحقيقة.”

 

نظر إليّ لثوانٍ.

 

ثم أومأ.

 

كان محقًا في غضبه.

 

لكننا كنا بحاجة إلى إجابات.

 

نزلنا جميعًا إلى الطابق السفلي.

 

أما مريم فكانت قد استيقظت على الأصوات.

 

ووقفت عند باب غرفتها.

 

ترتدي بيجامتها الوردية.

 

وتضم الدبدوب إلى صدرها.

 

وبمجرد أن سمعت اسم ريم…

 

ارتجف جسدها الصغير.

 

شعرت بغصة في حلقي.

 

واحتضنتها بسرعة.

 

في تلك اللحظة…

 

دق جرس الباب مرة أخرى.

 

هذه المرة بعنف.

 

اقترب أحمد.

 

وفتح الباب.

 

كانت ريم تقف في الخارج.

 

وبجانبها حقيبة سفر كبيرة سوداء.

 

لكن الغريب أنها لم تبدُ خائفة.

 

بل بدت وكأنها شخص اتخذ قرارًا نهائيًا.

 

قالت بهدوء:

 

“لازم نتكلم.”

 

رد أحمد ببرود:

 

“اتفضلي.”

 

دخلت.

 

ثم توقفت فجأة عندما رأت سامي.

 

اختفى اللون من وجهها بالكامل.

 

وتراجعت خطوة للخلف.

 

“إنت؟!”

 

نظر إليها سامي طويلًا.

 

ثم قال:

 

“واضح إنكِ ما كنتيش متوقعة تشوفيني.”

 

ارتجفت شفتاها.

 

لكنها لم تجب.

 

أغلق أحمد الباب.

 

ووضع الهاتف أمامها.

 

“فين الفلوس؟”

 

نظرت إلى الشاشة.

 

ثم أغمضت عينيها.

 

وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي.

 

قالت:

 

“أنا أخدتها.”

 

شعرت بالصدمة.

 

حتى سامي نفسه بدا مذهولًا.

 

أما أحمد فحدق فيها غير مصدق.

 

“بتعترفي؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوة.”

 

ساد الصمت.

 

لكن المفاجأة جاءت بعدها مباشرة.

 

لأنها قالت:

 

“وأخدتها عشان أنقذ مريم.”

 

تبادلنا النظرات.

 

لم يفهم أحد شيئًا.

 

حتى أحمد قال:

 

“إنتِ بتقولي إيه؟”

 

أخذت نفسًا عميقًا.

 

ثم جلست على الكرسي.

 

وكأنها تحمل وزن سنوات فوق كتفيها.

 

وقالت:

 

“سلمى ما ماتتش بسبب مرض.”

 

نظر سامي إليها بحدة.

 

“إحنا عارفين.”

 

هزت رأسها.

 

“لأ… أنتم لسه ما تعرفوش كل حاجة.”

 

ثم نظرت إلى مريم.

 

وأخفضت صوتها.

 

“فيه حد كان عايز يموت سلمى.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.

 

وأضافت:

 

“ولما فشل في إنه يلاقي الصندوق… بدأ يدور على مريم.”

 

في تلك اللحظة بالذات…

 

ارتفع صوت سامي.

 

“كفاية كذب!”

 

لكن ريم صرخت لأول مرة:

 

“أنا مش بكذب!”

 

عمّ الصمت.

 

ثم فتحت حقيبة السفر.

 

وأخرجت ملفًا سميكًا.

 

ملفًا مليئًا بالأوراق والصور.

 

ووضعته فوق الطاولة.

 

قالت:

 

“أنا لقيت الصندوق.”

 

توقف الزمن.

 

حتى مريم رفعت رأسها.

 

أما أحمد فحدق في الملف وكأنه يرى شبحًا.

 

سألها بصوت مبحوح:

 

“فين لقيتيه؟”

 

أجابت:

 

“في المكان اللي سلمى كانت مخبياه فيه.”

 

سامي اقترب بسرعة.

 

وخطف الملف.

 

ثم بدأ يقلب الأوراق.

 

وفجأة…

 

تغير وجهه.

 

ثم أكثر.

 

ثم أكثر.

 

حتى أصبح شاحبًا كالموتى.

 

همست:

 

“في إيه؟”

 

لكنه لم يرد.

 

أخذ ورقة من الداخل.

 

ووضعها أمام أحمد.

 

نظر أحمد إليها.

 

ثم سقط جالسًا على الكرسي.

 

كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

 

اقتربت أنا.

 

وأمسكت الورقة.

 

ثم شعرت أن قلبي توقف.

 

لأنها كانت شهادة ميلاد.

 

قديمة.

 

لكن الاسم المكتوب فيها لم يكن اسم سلمى.

 

ولا اسم أحمد.

 

ولا اسم مريم.

 

بل اسم شخص آخر تمامًا.

 

وفي خانة الأب…

 

كان هناك اسم جعل الجميع يتجمد في أماكنهم.

 

اسم رجل نعرفه جميعًا.

 

رجل نحترمه منذ سنوات.

 

رجل كان يدخل بيتنا باستمرار بعد وفاة سلمى.

 

ورجل لم يخطر ببال أحد للحظة واحدة أنه قد يكون مرتبطًا بكل ما حدث.

 

رفعت عيني ببطء.

 

ونظرت إلى سامي.

 

فسألته:

 

“مين ده؟”

 

أجاب بصوت مرتعش:

 

“الشخص اللي سلمى اكتشفت حقيقته قبل ما تموت.”

 

ثم أضاف الجملة التي قلبت كل شيء:

 

“والشخص اللي لو عرف إن الصندوق ظهر… هيحاول يخلص مننا كلنا.”

الفصل الثامن: الاسم الذي غيّر كل شيء

 

ساد الصمت داخل الغرفة.

 

ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الكوارث.

 

كانت الورقة ما تزال بين يدي.

 

وأحمد ينظر إليها وكأنه لا يستطيع استيعاب ما يراه.

 

أما سامي فكان واقفًا بجوار النافذة، شاحب الوجه.

 

قلت أخيرًا:

 

“حد يفهمني… مين الراجل ده؟”

 

رفع سامي رأسه ببطء.

 

وقال:

 

“الدكتور فؤاد.”

 

شعرت بصدمة عنيفة.

 

“دكتور فؤاد؟!”

 

نفس الطبيب الذي تابع علاج سلمى لسنوات.

 

نفس الرجل الذي وقف بجوار أحمد في المستشفى.

 

ونفس الرجل الذي كان يزور مريم في أعياد ميلادها بعد وفاة أمها.

 

الرجل الذي اعتبرناه فردًا من العائلة.

 

قال أحمد بصوت مخنوق:

 

“مستحيل.”

 

لكن سامي دفع ورقة أخرى نحوه.

 

“اقرأ.”

 

أخذ أحمد الورقة.

 

وبدأ يقرأ.

 

ثم شحب وجهه أكثر.

 

ناولني إياها.

 

كانت نسخة من خطاب بخط سلمى.

 

مؤرخ قبل وفاتها بشهر تقريبًا.

 

وجاء فيه:

 

«”لو حصل لي حاجة، أو لو اختفت الأوراق، فاعرفوا إن الدكتور فؤاد هو أول شخص لازم تسألوا عنه. اكتشفت صدفة حاجات ما كانش المفروض أعرفها. ومن يومها وأنا حاسة إن حد بيراقبني.”»

 

ارتجفت يدي.

 

أما ريم فجلست بصمت.

 

واضح أنها قرأت كل هذا من قبل.

 

سألتها:

 

“إنتِ عرفتي الكلام ده إمتى؟”

 

أجابت:

 

“من أسبوعين.”

 

“لما لقيت الصندوق.”

 

نظر إليها أحمد بغضب.

 

“وليه ما قولتيش؟”

 

أخفضت رأسها.

 

وقالت:

 

“لأني كنت خايفة.”

 

“كل اللي قربوا من الموضوع ده حصلهم مصايب.”

 

ولأول مرة منذ بداية الأزمة…

 

بدا الخوف في عينيها حقيقيًا.

 

ليس تمثيلًا.

 

ولا كذبًا.

 

خوف حقيقي.

 

لكن ما زال هناك سؤال أكبر.

 

سألت سامي:

 

“إيه حكاية شهادة الميلاد؟”

 

أخرج نفسًا طويلًا.

 

ثم قال:

 

“دي شهادة ميلادي.”

 

تجمدنا جميعًا.

 

وأضاف:

 

“الاسم المكتوب في خانة الأب… هو اسم الدكتور فؤاد.”

 

شهقت.

 

أما أحمد فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.

 

قال سامي:

 

“أمي ماتت وهي مخبية السر ده.”

 

“وكل عمرنا فاكرين إن أبويا الحقيقي مات قبل ما أولد.”

 

ثم ضحك بمرارة.

 

“طلع عايش طول السنين دي.”

 

“وواحد من أقرب الناس لينا.”

 

بدأت الصورة تتضح ببطء.

 

سلمى اكتشفت الحقيقة.

 

اكتشفت أن الطبيب الذي وثقت به العائلة لعقود كان يخفي سرًا ضخمًا.

 

سرًا قد يدمر سمعته وحياته.

 

لكن هل يكفي هذا لقتلها؟

 

هنا فتح سامي ملفًا آخر.

 

وقال:

 

“لسه فيه.”

 

أخرج صورة.

 

ثم وضعها على الطاولة.

 

اقتربنا جميعًا.

 

وشعرنا بالصدمة.

 

كانت صورة لسلمى.

 

داخل مقهى.

 

تجلس أمام رجل مجهول.

 

وتبدو غاضبة جدًا.

 

أما التاريخ…

 

فكان قبل وفاتها بأيام قليلة.

 

قال سامي:

 

“ده آخر لقاء معروف ليها.”

 

سأله أحمد:

 

“مين الراجل؟”

 

هز رأسه.

 

“معرفش.”

 

ثم أخرج ورقة أخرى.

 

فاتورة مطعم.

 

وفي الخلف كانت هناك ملاحظة بخط سلمى.

 

جملة واحدة فقط.

 

«”لو حصل لي حاجة… اسألوا عن شركة النور الطبية.”»

 

شعرت بالحيرة.

 

شركة النور الطبية؟

 

ما علاقتها بطبيب؟

 

أو بوفاة سلمى؟

 

لكن قبل أن نتحدث أكثر…

 

سمعنا صوتًا غريبًا بالخارج.

 

صوت سيارة توقفت فجأة أمام المنزل.

 

نظر أحمد من النافذة.

 

ثم تغير وجهه.

 

وسحب الستارة بسرعة.

 

سألته:

 

“في إيه؟”

 

أجاب بصوت منخفض:

 

“في عربية سودة واقفة من نص ساعة.”

 

“وفيها راجل بيراقب البيت.”

 

شعرت بالبرد يجتاح جسدي.

 

اقترب سامي من النافذة بحذر.

 

ونظر للحظة.

 

ثم تراجع فجأة.

 

وكأن شبحًا ظهر أمامه.

 

قلت بقلق:

 

“إنت مالك؟”

 

نظر إلينا.

 

وكان الرعب واضحًا في عينيه.

 

ثم قال:

 

“أنا أعرفه.”

 

“وده مش مجرد راجل.”

 

ابتلع ريقه بصعوبة.

 

وأضاف:

 

“ده الحارس الشخصي للدكتور فؤاد.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

رن هاتف مريم الصغير.

 

ذلك الهاتف الذي اشترته لها أمها قبل وفاتها.

 

نظرت مريم للشاشة.

 

ثم شحب وجهها.

 

وقالت بصوت مرتجف:

 

“تيتا…”

 

أخذت الهاتف منها.

 

وكانت هناك رسالة جديدة.

 

من رقم مجهول.

 

مرفق معها صورة حديثة التقطت قبل دقائق.

 

صورة لمنزلنا.

 

ومن تحتها جملة واحدة فقط:

 

«”اقفلوا الملف… قبل ما تخسروا مريم.”»

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *