خنت زوجتي حكايات اسما ×4

الفصل الرابع

 

خرجت من شقة ياسمين وأنا حاسس إن القاهرة كلها بقت أضيق من زنزانة.

 

الهوا تقيل.

 

والليل تقيل.

 

وكل دقيقة بتعدي كانت بتقربني من نهاية مش عارف شكلها.

 

ركبت العربية وقعدت شوية من غير ما أدورها.

 

صورة سارة كانت قدامي.

 

رسائل هشام كانت قدامي.

 

وكلام ياسمين بيرن في وداني.

 

“سارة كانت أول حب في حياته.”

 

“عمره ما نسيها.”

 

“هو مستعد يحرق الدنيا عشانها.”

 

حاولت أصدق.

 

ما قدرتش.

 

حاولت أكذب.

 

برضه ما قدرتش.

 

لأن كل قطعة من البازل بدأت تركب مكانها.

 

المراقبة.

 

الملاحقة.

 

معرفة مواعيد المستشفى.

 

الاهتمام المرضي بكل خطوة في حياتها.

 

كل ده ما كانش عشان الشركة.

 

كان عشان سارة.

 

ولأول مرة من سنين طويلة…

 

حسيت بخوف حقيقي عليها.

 

مش خوف الزوج الغيور.

 

خوف إنسانة اتظلمت سنين بسبب أنانيتي.

 

ومع ذلك لسه فيه ناس مستعدة تأذيها أكتر.

 

وصلت البيت.

 

لكن النوم كان مستحيل.

 

فضلت قاعد في الصالة للصبح.

 

أراجع كل تفصيلة مرت في حياتي مع هشام.

 

كل موقف.

 

كل كلمة.

 

كل نظرة.

 

وأكتشف إني كنت أعمى.

 

افتكرت مرة من أربع سنين.

 

كنا قاعدين في فيلا الساحل.

 

وسارة كانت معايا.

 

وقتها هشام فضل يبصلها طول السهرة.

 

افتكرت إنه إعجاب عادي.

 

افتكرت إنه احترام لزوجة صديقه.

 

لكن دلوقتي…

 

كل حاجة بقت مختلفة.

 

افتكرت إنه كان دايمًا يسأل عنها.

 

“عاملة إيه؟”

 

“لسه بتحب الرسم؟”

 

“لسه بتروح نفس النادي؟”

 

أسئلة كتير.

 

زيادة عن الطبيعي.

 

زيادة بسنين.

 

وفجأة…

 

كل الإجابات كانت قدامي.

 

الساعة كانت داخلة على الخامسة صباحًا لما رن موبايلي.

 

أبويا.

 

رديت فورًا.

 

صوته كان متوتر.

 

وده شيء نادر جدًا.

 

قال:

 

ـ تعال حالًا.

 

ـ حصل إيه؟

 

ـ تعال وبس.

 

قفلت الخط.

 

وفي أقل من عشرين دقيقة كنت عنده.

 

دخلت أوضته.

 

لقيته قاعد على الكرسي.

 

وأمامه صندوق خشبي قديم.

 

صندوق عمره عشرات السنين.

 

عمري ما شفته قبل كده.

 

أول ما دخلت قال:

 

ـ اقفل الباب.

 

قفلت.

 

قال:

 

ـ فيه حاجات كنت ناوي أخدها معايا القبر.

 

لكن شكلي غلطت.

 

قعدت قدامه.

 

قلبي بيدق بسرعة.

 

فتح الصندوق.

 

وطلع ملفات قديمة.

 

صور.

 

خطابات.

 

أوراق صفراء أكل الزمن أطرافها.

 

وبعدين طلع صورة.

 

ناولني إياها.

 

بصيت.

 

واتجمدت.

 

الصورة كانت لسارة.

 

لكن صغيرة.

 

يمكن عمرها خمس سنين.

 

واقفة جنب راجل ما أعرفوش.

 

ورجل تاني أعرفه كويس.

 

أبو هشام.

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

ـ دي إيه؟

 

تنهد أبويا.

 

ـ الحقيقة اللي خربت حياة ناس كتير.

 

سكت شوية.

 

وبعدين قال:

 

ـ أبو هشام ما كانش مجرد شريكي.

 

كان صاحبي.

 

وأخويا.

 

بصيت له مستني.

 

قال:

 

ـ وكان في يوم من الأيام خطيب خالة سارة.

 

حسيت إن قلبي وقف.

 

ـ إيه؟

 

هز رأسه.

 

ـ العيلة كلها كانت مرتبطة ببعض زمان.

 

قبل ما إنت حتى تتولد.

 

كل حاجة بدأت من أكتر من تلاتين سنة.

 

وساعتها بدأ يحكي.

 

كان فيه مشروع كبير.

 

أكبر مشروع دخل فيه هو وأبو هشام.

 

استثمروا فيه كل حاجة.

 

فلوس.

 

أراضي.

 

مجهود عمر.

 

لكن المشروع فشل.

 

وخسروا كل شيء تقريبًا.

 

في الوقت ده حصلت مشاكل.

 

اتهامات.

 

خلافات.

 

والكل بدأ يدور على مذنب.

 

أبو هشام اقتنع إن أبويا خدعه.

 

وأبويا اقتنع إن أبو هشام صدق ناس كدابين.

 

الخلاف كبر.

 

والصداقات انتهت.

 

والجوازات اتلغت.

 

والعائلات اتفرقت.

 

قلت:

 

ـ وسارة؟

 

قال:

 

ـ أم سارة تبقى بنت خالة خطيبة أبو هشام القديمة.

 

يعني العيلتين كانوا قريبين جدًا.

 

اتسمرت مكاني.

 

قال:

 

ـ هشام كبر وهو سامع رواية واحدة.

 

إن أبوه اتظلم.

 

وإن عيلتنا سرقت مستقبله.

 

وإن الست اللي كان بيحبها أبوه ضاعت منه بسببنا.

 

سكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

ـ ولما كبر هشام… شاف سارة.

 

وشاف فيها كل الحكاية القديمة.

 

مش مجرد بنت.

 

رمز.

 

ذكرى.

 

خسارة قديمة.

 

حاجة كان لازم يمتلكها بأي تمن.

 

البرودة جرت في جسمي كله.

 

لأن الكلام بقى أقرب للهوس منه للحب.

 

قلت:

 

ـ يعني هو بيحبها؟

 

أبويا هز رأسه ببطء.

 

وقال:

 

ـ لا.

 

اللي عند هشام أخطر من الحب.

 

سكت.

 

وأكمل:

 

ـ الحب بيسيبك لو الطرف التاني رفضك.

 

الهوس بيخليك تدمره لو رفضك.

 

الجملة دي فضلت تدور في دماغي.

 

لأنها كانت تشرح كل شيء.

 

كل شيء.

 

في اللحظة دي بالذات دخلت أمي الأوضة.

 

وشها كان شاحب.

 

وقالت:

 

ـ في راجل تحت بيسأل عليك.

 

استغربت.

 

ـ مين؟

 

قالت:

 

ـ معرفش.

 

بيقول لازم يشوفك حالًا.

 

نزلت.

 

ولقيت راجل واقف جنب عربية قديمة.

 

في الخمسينات من عمره.

 

أول ما شافني قال:

 

ـ أستاذ رامي؟

 

ـ أيوه.

 

مد إيده بمظروف.

 

ـ ده لازم يوصلك.

 

ـ من مين؟

 

قال:

 

ـ مدام سارة.

 

اتجمدت.

 

ـ سارة؟

 

هز رأسه.

 

ـ وأنا ماليش دعوة بأي حاجة. مجرد وصلت أمانة.

 

وأدار ظهره ومشي.

 

فتحت المظروف بسرعة.

 

كان فيه جواب.

 

وخريطة صغيرة.

 

وصورة أشعة حمل.

 

إيدي بدأت ترتعش.

 

فتحت الخطاب.

 

“رامي…

 

لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى فيه احتمال كبير الأمور خرجت عن السيطرة.

 

أنا مش هقولك مكاني.

 

لكن لازم تعرف إن فيه حاجة اكتشفتها من شهور.

 

حاجة كنت ناوية أحكيهالك.

 

لكن كل مرة كنت بأجل.

 

لأني كنت خايفة.

 

مش منك.

 

من هشام.

 

من سنة تقريبًا، بدأت أحس إن حد بيراقبني.

 

في الأول افتكرت إني بتوهم.

 

لكن الموضوع زاد.

 

ورسايل غريبة بدأت توصلني.

 

ورود من غير اسم.

 

هدايا من غير مرسل.

 

وصور ليا وأنا في أماكن مختلفة.

 

كنت فاكرة إنها صدفة.

 

لحد ما شفت الحقيقة.”

 

وقفت أتنفس بصعوبة.

 

وكملت.

 

“شفت هشام.”

 

الورقة كادت تقع من إيدي.

 

“شوفته بعيني خارج من العيادة اللي كنت بتابع فيها.

 

وساعتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد إعجاب قديم.

 

ومن يومها بدأت أجمع كل حاجة.”

 

قلبي بدأ يدق أسرع.

 

أكملت.

 

“في المكان اللي الخريطة بتوصلك له هتلاقي نسخة من كل الأدلة.”

 

رفعت الخريطة.

 

كانت بتشير لمخزن قديم في أطراف القاهرة.

 

لكن قبل ما أكمل القراءة…

 

لقيت سطر أخير.

 

سطر واحد.

 

هو اللي خلاني أتجمد بالكامل.

 

“وفيه حاجة تانية لازم تعرفها…

 

هشام مش أول واحد حاول يدمر حياتنا.”

 

وقفت.

 

وقريت السطر تاني.

 

وتالت.

 

ورابع.

 

مش أول واحد؟

 

يعني فيه شخص تاني؟

 

مين؟

 

وليه؟

 

قبل ما أستوعب…

 

رن موبايلي.

 

المحامي عادل.

 

رديت فورًا.

 

جالي صوته متوتر لأول مرة.

 

قال:

 

ـ فينك؟

 

ـ عند بيت أبويا.

 

ـ اسمعني كويس.

 

متروحش أي مكان لوحدك.

 

ـ ليه؟

 

قال:

 

ـ لأن فيه مصيبة.

 

قلبي انقبض.

 

ـ إيه اللي حصل؟

 

سكت ثانية.

 

وبعدين قال:

 

ـ ندى اختفت.

 

اتجمدت.

 

ـ اختفت؟

 

ـ من ساعة ما سلمتنا الرسائل.

 

وشقتها متقلبة بالكامل.

 

وفيه آثار اقتحام.

 

حسيت ببرودة في أطرافي.

 

ـ تقصد هشام؟

 

قال:

 

ـ معرفش.

 

بس ده مش كل حاجة.

 

ـ فيه إيه تاني؟

 

قال:

 

ـ حد حاول يدخل على أرشيف الشركة الليلة.

 

ولولا الحراسة كان أخد كل المستندات.

 

سكت.

 

ثم أضاف:

 

ـ واضح إن حد بينضف وراه.

 

قفلت المكالمة.

 

وبصيت للجواب في إيدي.

 

الخريطة.

 

الأدلة.

 

اختفاء ندى.

 

التهديدات.

 

كل الخيوط بدأت تتجمع في نقطة واحدة.

 

لكن قبل ما أتحرك…

 

وصلت رسالة جديدة.

 

من رقم هشام.

 

فتحتها.

 

وكان فيها فيديو قصير.

 

ثواني معدودة.

 

لكنها كانت كافية تخلي الدم يتجمد في عروقي.

 

الفيديو أظهر باب بيت صغير.

 

ثم تحركت الكاميرا ببطء.

 

لحد ما ظهرت سارة.

 

واقفة جوه البيت.

 

حية.

 

لكنها مرعوبة.

 

وبعدين ظهر صوت هشام من خلف الكاميرا.

 

هادئ.

 

مرعب.

 

وقال:

 

“قلتلك عندك وقت محدود يا رامي.”

 

وتوقفت الصورة.

 

لكن قبل ما ينتهي الفيديو بثانية واحدة…

 

لمحت شيئًا خلف سارة.

 

شيئًا صغيرًا جدًا.

 

تفصيلة ما كانش المفروض حد يلاحظها.

 

لكنني عرفتها فورًا.

 

لأنني رأيتها من قبل.

 

علامة قديمة محفورة على الحائط.

 

نفس العلامة الموجودة في المخزن المشار إليه على الخريطة.

 

وفي تلك اللحظة فقط…

 

أدركت أن سارة ليست بعيدة كما كنت أظن.

 

وأدركت أيضًا أن هشام يريدني أن أجدها.

 

لكن السؤال المخيف كان:

 

هل يريدني أن أجدها لأن عندي فرصة لإنقاذها…

 

أم لأنه جهّز لي المصيدة الأخيرة؟

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *