ندوب حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الخامس: الحقيقة التي أخفاها أحمد

مر شهران على الزواج…

واستقرت حياة سارة وأحمد بشكل لم تكن تتوقعه.

الحاج محمود تغير تمامًا.

أصبح أول من يدافع عنها إذا سمع أي تعليق على ندوبها.

بل كان يقول دائمًا:

“الندبة دي وسام… واللي مش فاهم قيمتها، يبقى عمره ما عرف معنى التضحية.”

لكن أحمد…

كان يخفي سرًا.

—

في إحدى الليالي…

استيقظت سارة لتشرب كوب ماء.

فلاحظت أن أحمد جالس وحده في الشرفة.

كان يحمل هاتفه.

وينظر إلى صورة قديمة.

اقتربت منه بهدوء.

ولم ينتبه إليها إلا عندما وضعت يدها على كتفه.

ابتسم بسرعة وأغلق الهاتف.

لكنها كانت قد لمحت الصورة.

كانت صورة لها…

داخل المستشفى.

بعد الحريق.

قالت باستغراب:

– إنت جبت الصورة دي منين؟

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال:

– فيه حاجة عمري ما قلتها لك.

جلست بجواره.

– قول.

تنهد طويلًا.

– أنا كنت موجود يوم الحادث.

نظرت إليه في دهشة.

– إزاي؟

قال:

– شركتنا كانت مشاركة في تأمين الميناء يومها.

وأنا كنت ضمن فريق الدعم اللوجستي.

تجمدت في مكانها.

بدأت تسترجع ذلك اليوم.

الدخان…

أصوات أجهزة الإنذار…

والمصابين.

لكنها لم تتذكر أنها رأته.

ابتسم أحمد بحزن.

– طبيعي ما تفتكرنيش.

إنتِ وقتها كنتِ بين الحياة والموت.

لكن أنا…

عمري ما نسيت.

—

فتح هاتفه مرة أخرى.

وأخرج مقطع فيديو قصير.

كان مصورًا من بعيد.

يظهر لحظة خروج سارة من وسط الدخان، وهي تحمل أحد زملائها على كتفها.

ثم تسقط على الأرض بعد ثوانٍ.

قال أحمد:

– الفيديو ده اتمنع من النشر وقتها.

لكن أنا احتفظت بيه.

سألته:

– ليه؟

ابتسم.

– لأن من اللحظة دي…

قلت لنفسي…

لو ربنا كتبلي أقابل البنت دي يومًا…

هتمنى تكون شريكة حياتي.

ضحكت سارة وهي تهز رأسها.

– يعني حبيتني قبل ما تعرفني؟

قال:

– حبيت شجاعتك.

ولما عرفتك…

حبيت قلبك.

—

في اليوم التالي…

رن هاتف أحمد.

كان المتصل قائد القاعدة البحرية.

– النقيب أحمد؟

– أفندم.

– عندنا احتفال بمرور خمس سنين على عملية الإنقاذ.

وقررنا نعرض الفيديو لأول مرة.

نظر أحمد إلى سارة.

كانت تستمع للمكالمة.

سألها:

– موافقة؟

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

– لو عرض الفيديو هيخلّي حد بيمر بنفس اللي مريت بيه يرفع راسه…

يبقى موافقة.

—

جاء يوم الاحتفال.

امتلأت القاعة بالضباط وأسرهم.

وانطفأت الأنوار.

وبدأ عرض الفيديو.

ظهرت سارة وهي تدخل ألسنة الدخان.

ثم تخرج بأحد المصابين.

ثم تعود مرة أخرى.

ثم ثالثة.

وفي النهاية…

خرجت وهي تكاد تسقط من شدة الإرهاق.

ساد الصمت.

ثم دوّى تصفيق طويل.

لكن المفاجأة لم تكن الفيديو.

بل الرجل الذي صعد إلى المنصة بعده.

كان أحد الضباط الشباب.

وقف أمام الجميع.

ثم قال:

– أنا كنت وقتها طالب في الكلية البحرية.

ولما شفت اللي عملته النقيب سارة…

قررت أكمل طريقي.

النهارده…

أنا ضابط إنقاذ.

وكل اللي عملته…

كان بسبب المثال اللي شفته اليوم ده.

نظرت سارة إلى أحمد.

ثم همست:

– كنت فاكرة الندوب هي الحاجة الوحيدة اللي الناس هتفتكرها.

ابتسم أحمد.

وقال:

– لا…

الناس بتنسى شكل الجرح…

لكن عمرها ما بتنسى صاحب الموقف.

وفي آخر القاعة…

كان الحاج محمود يقف وصفق طويلًا.

ثم قال بصوت سمعه كل من حوله:

– الحمد لله…

إن ربنا ما حرمنيش من بنت زي دي.

ولأول مرة…

لم تشعر سارة أن الندوب جزء من ماضيها فقط…

بل أصبحت جزءًا من قصة ألهمت آخرين ألا يخافوا من آثار معاركهم.

الفصل السادس: الحريق الثاني

مرت ستة أشهر…

وعادت الحياة إلى هدوئها.

أحمد عاد لعمله.

وسارة أصبحت تشارك في تدريب دفعات جديدة من ضباط الإنقاذ البحري.

أما الحاج محمود…

فلم يعد يمر يوم دون أن يتصل بها.

كان يقول ضاحكًا:

– يا بنتي… لو أحمد زعلك، كلميني قبله.

فتضحك سارة وترد:

– حاضر يا عمي.

فيرد بسرعة:

– لا…

من النهارده تقوليلي يا بابا.

—

في مساء شتوي…

كانت العائلة كلها مجتمعة في منزل الحاج محمود.

ضحكات…

وشاي…

وأحاديث عن حفيد ينتظرونه في المستقبل.

وفجأة…

دوى صوت صراخ في الشارع.

ركض الجميع إلى الشرفة.

كانت شقة في العمارة المقابلة يخرج منها دخان كثيف.

وصوت امرأة يصرخ:

– بنتي…

بنتي لسه جوه!

تجمد الناس في أماكنهم.

أخرج أحدهم هاتفه ليتصل بالمطافئ.

وقال آخر:

– محدش يدخل… النار بتزيد.

لكن سارة…

لم تنتظر.

خلعت حذاءها بكعبه العالي.

وأمسكت بطانية سميكة من غرفة المعيشة.

ركض أحمد خلفها.

– سارة… استني!

التفتت إليه.

كانت تعرف هذه النظرة.

هي نفسها التي رآها يوم العملية.

قالت بهدوء:

– فيه طفلة.

رد أحمد دون تردد:

– وأنا معاكي.

—

وقبل أن يخطو أي منهما…

وقف الحاج محمود أمام الباب.

ساد صمت لثانية.

تذكرت سارة كلماته يوم كتب الكتاب.

“أنا مش هقبل…”

لكن هذه المرة…

أبعد الرجل جسده عن الباب.

ونظر إليها بعينين دامعتين.

وقال:

– خلي بالك من نفسك…

يا بنتي.

ثم التفت إلى أحمد.

– وإوعى تسيب إيدها.

ابتسم أحمد.

وأمسك يد سارة.

ثم اندفعا معًا إلى أسفل.

—

بعد دقائق…

وصلت سيارات الإطفاء والإسعاف.

كان رجال الدفاع المدني يباشرون عملهم.

وسارة لم تتجاوز الحواجز الأمنية، بل أسرعت إلى الضابط المسؤول.

عرّفت بنفسها وقدمت بطاقتها العسكرية، وأخبرته بما تعرفه عن مخطط العمارة من زياراتها السابقة للجيران.

أشار الضابط إليها بالشكر.

وتولى هو وفريقه عملية الإنقاذ.

وقفت سارة وأحمد يساعدان في إبعاد السكان، وتهدئة الأطفال، وإفساح الطريق لسيارات الإسعاف.

وبعد دقائق بدت كأنها ساعات…

خرج أحد رجال الإطفاء يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.

دوّى التصفيق في الشارع.

وانهارت الأم من البكاء وهي تحتضن ابنتها.

—

وقفت سارة تراقب المشهد.

تنفست الصعداء.

ثم شعرت بيد توضع على كتفها.

التفتت.

كان الحاج محمود.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال أمام كل الواقفين:

– فاكرة أول مرة شوفت الندوب دي؟

ابتسمت في هدوء.

– مستحيل أنساها.

أطرق برأسه.

ثم قال:

– النهارده فهمت حاجة.

الناس الشجاعة…

مش بتجري ناحية الخطر لأنها ما بتخافش.

بتجري…

رغم إنها خايفة.

ثم رفع صوته ليسمعه كل من حوله.

– البنت دي علمتني درس عمري ما هنساه…

إن قيمة الإنسان في أفعاله…

مش في شكل جلده.

ساد صمت قصير.

ثم بدأت الجارات يصفقن.

وتقدمت السيدة التي أُنقذت ابنتها.

احتضنت سارة وهي تبكي.

وقالت:

– ربنا يجبر خاطرك…

زي ما جبرتِ خاطري النهارده.

نظرت سارة إلى آثار الحروق التي ظهرت على رقبتها تحت أضواء سيارات الإطفاء.

ثم ابتسمت.

لأنها هذه المرة…

لم ترَ في عيون الناس شفقة.

بل احترامًا.

وأدركت أن الندوب التي كانت سببًا في كسر قلبها يومًا…

أصبحت اليوم رمزًا لقصة يعرف الجميع معناها.
الفصل السابع: الصورة التي علّقها في صدر البيت

مر عام كامل…

عام لم تتغير فيه ندوب سارة.

لكن الذي تغير…

كان كل شيء آخر.

في صباح هادئ من شهر أكتوبر…

كانت سارة تعد الإفطار بينما كان أحمد يقرأ الجريدة.

دخل الحاج محمود المطبخ كعادته دون أن يطرق الباب.

قال وهو يبتسم:

– صباح الخير يا ولاد.

ضحكت سارة.

– يا بابا… أنت بقى عندك نسخة من المفتاح أكتر مننا.

رفع المفتاح وهو يضحك.

– ده امتياز حما مثالي.

جلس الجميع حول المائدة.

وفجأة…

وضع الحاج محمود ظرفًا كبيرًا فوق الطاولة.

قال:

– عندي مفاجأة.

فتحت سارة الظرف.

كان بداخله إطار خشبي كبير.

وفي داخله صورة.

لكنها لم تكن صورة الفرح.

ولا صورة كتب الكتاب.

بل صورة التقطت لها أثناء حفل التكريم العسكري.

كانت ترتدي زيها الرسمي.

والندبة واضحة على رقبتها.

واللواء يعلّق على صدرها وسام الشجاعة.

وتحت الصورة لوحة نحاسية صغيرة كتب عليها:

“الشجاعة لا تترك أصحابها كما كانوا… لكنها تجعلهم أعظم مما كانوا.”

ظلت سارة تنظر إلى الصورة في صمت.

ثم رفعت رأسها.

– جميلة…

بس هتعلقها فين؟

ابتسم الحاج محمود.

– مش عندكم.

استغرب أحمد.

– أومال فين؟

قال وهو يمسح دمعة سقطت من عينه:

– في صدر البيت عندي.

في المكان اللي كنت معلق فيه صورة جدك.

لأن كل واحد يدخل بيتي…

لازم يعرف يعني إيه تضحية.

—

بعد أيام…

دعا الحاج محمود كل أفراد العائلة إلى الغداء.

حضرت دنيا أيضًا.

كانت أكثر شخص تغير خلال العام.

اقتربت من سارة وهي تحمل صندوقًا صغيرًا.

قالت بخجل:

– ممكن نتكلم؟

ابتسمت سارة.

– طبعًا.

فتحت دنيا الصندوق.

كان بداخله إيشارب حريري.

قالت:

– فاكرة يوم ما قلتلك غطي الندبة؟

هزت سارة رأسها.

خفضت دنيا عينيها.

– كنت فاكرة إني بنصحك…

لكن الحقيقة إني كنت بخاف من كلام الناس.

أما إنتِ…

فعلمتِني إن الإنسان ما يستخباش من الحقيقة.

ثم أغلقت الصندوق.

– علشان كده…

الإيشارب ده مش علشان تخبي الندبة.

ده هدية…

ولو لبستيه يبقى علشان يعجبك.

ولو ما لبستيهوش…

يبقى برضه إنتِ جميلة.

احتضنتها سارة.

ولأول مرة…

شعرت دنيا أن الحمل الذي كانت تحمله فوق قلبها اختفى.

—

في المساء…

وقف الحاج محمود أمام الصورة المعلقة في مدخل منزله.

دخل أحد أصدقائه القدامى.

توقف أمام الصورة.

وقال:

– مين الضابط دي؟

ابتسم الحاج محمود بفخر.

ثم قال الجملة التي انتظرها قلب سارة منذ ذلك اليوم المشؤوم:

– دي بنتي.

وسكت لحظة.

ثم أكمل:

– وأشرف إن الناس تعرف إنها بنتي.

كانت سارة تقف في آخر الممر.

سمعت كل كلمة.

ولم تستطع أن تمنع دموعها.

اقتربت من الحاج محمود.

أمسكت يده.

وقالت:

– فاكر أول مرة شفت الندبة؟

ابتسم بحزن.

– للأسف.

قالت:

– وأنا كمان فاكرة.

لكن عارفة إيه الفرق؟

زمان كانت الندبة بتوجعني.

أما النهارده…

بقت بتفكرني إن ربنا بيغيّر القلوب…

زي ما بينجي الأرواح.

—

وفي تلك الليلة…

وقفت سارة أمام المرآة.

رفعت شعرها إلى الخلف.

ونظرت طويلًا إلى آثار الحروق على رقبتها وكتفها.

ابتسمت لنفسها.

ثم همست:

– شكرًا…

لكل ندبة خلتني أعرف قيمتي.

أطفأت نور الغرفة.

وأغلقت الباب.

بينما بقيت الصورة معلقة في صدر بيت الحاج محمود…

تحكي لكل من يراها…

أن البطولة لا تكون دائمًا بلا ثمن.

وأن بعض الندوب…

ليست علامة على ما فقدناه…

بل دليل على أننا نجونا.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *