ياسمين حكايات اسما ×3
الفصل الثالث
ــ إيه يعني اختفى؟!
صوت سليم خرج مرعب لأول مرة.
مدير الأمن كان بيعرق بشكل واضح وهو يحاول يتكلم: ــ الكهربا فصلت ثواني في الجناح الخلفي… والكاميرات وقفت… ولما رجع النور الطفل ماكانش موجود.
نهى صرخت صرخة خلت جسمي كله ينتفض.
ــ آدم!!!
وجريت برا الجناح كالمجنونة.
سليم انطلق وراها فورًا، وأنا خرجت خلفهم بدون تفكير. القصر كله كان مقلوب. الحرس بيجروا. أجهزة اللاسلكي بتصرخ. والخدم واقفين مرعوبين.
نهى كانت بتشد في أي حد يقابلها: ــ ابني فين؟! ابني فين؟!
لكن محدش عنده إجابة.
سليم مسك ذراع مدير الأمن بعنف: ــ البوابات اتقفلت؟
ــ أيوه يا باشا.
ــ أي عربية خرجت؟
ــ لا.
ملامحه ازدادت ظلامًا.
قال بهدوء أخطر من الصريخ: ــ يبقى لسه جوه القصر.
القشعريرة طلعت في ضهري.
القصر ضخم بشكل يخوف. أجنحة. ممرات. حدايق. مخازن قديمة. وأماكن ممكن طفل يضيع فيها بسهولة.
لكن المشكلة الأكبر؟ لو فعلًا فيه حد من عيلة الحديدي بيحاول يخطف آدم…
يبقى الطفل في خطر حقيقي.
نهى كانت شبه منهارة. وقعت على الأرض وهي بتعيط: ــ قلتلك! قلتلك هيعملوها! محدش كان مصدقني!
ركعت جنبها بدون تفكير: ــ اهدي… هنلاقيه.
بصتلي بعينين مليانين رعب: ــ إنتِ ما تعرفيش الناس دي قادرة تعمل إيه.
سليم كان بيتكلم في التليفون بسرعة وغضب: ــ اقفلوا كل مخارج الساحل… محدش يطلع ولا يدخل إلا بإذني.
ثم لف ناحيتي فجأة.
ــ ياسمين… ادخلي الجناح واقفلي الباب.
اتصدمت: ــ إيه؟
ــ حالًا.
ــ مستحيل أسيبكم.
ملامحه قست: ــ دي مش لعبة.
وقفت قدامه بعناد: ــ وأنا مراتك.
الجملة خلت عينيه تهتز للحظة.
واضح إنه مش متعود حد يعارضه وقت الخطر.
لكن قبل ما يرد— صوت صغير خرج من آخر الممر.
بكاء.
كلنا اتلفتنا فورًا.
نهى جريت ناحية الصوت وهي بتصرخ: ــ آدم!
ركضنا وراها. الصوت كان جاي من ممر جانبي قديم قليل الاستخدام.
كل خطوة كانت بتزود دقات قلبي.
لحد ما وصلنا لباب خشبي نص مفتوح.
ومن جواه… كان فيه صوت الطفل.
سليم فتح الباب بعنف.
واتجمدنا كلنا.
آدم كان قاعد على الأرض بيعيط… لكن مش لوحده.
في راجل واقف قدامه.
راجل كبير في الستينات. شعره أبيض بعناية. بدلة رمادية فاخرة. وعصاية سوداء بإيديه.
وأول ما شفته… عرفت فورًا إنه من نفس دم سليم.
الهيبة الباردة نفسها.
ملامح سليم اتقفلت بالكامل: ــ أبي.
أبوه؟
الراجل بصله ببرود. ثم بص لآدم باشمئزاز واضح.
ــ طفل ضعيف… وسبب قذر للفوضى دي كلها.
نهى شهقت: ــ ابعد عنه!
وجريت ناحية ابنها تضمه.
لكن الرجل تجاهلها تمامًا. كان مركز مع سليم فقط.
قال بصوت حاد: ــ سمعت إنك اتجوزت… قلت يمكن أخيرًا عقلك يشتغل. لكن واضح إنك لسه مصر تدمر اسم العيلة.
سليم وقف قدامه بثبات: ــ آدم هيفضل تحت حمايتي.
ضحكة ساخرة خرجت من الأب: ــ حمايتك؟ إنت فاكر نفسك بطل؟ ده ابن أخوك الغبي من ست كانت بتجري وراه علشان الفلوس.
نهى بكت بقهر: ــ حرام عليك!
لكنه لم ينظر لها حتى.
أنا كنت واقفة مصدومة. لأول مرة أشوف الشكل الحقيقي للعالم اللي دخلته.
الفلوس هنا مش رفاهية. الفلوس سلطة. والسلطة تخلي البشر مخيفين.
الأب قرب خطوة من سليم: ــ اسمعني كويس… الولد ده لو فضل موجود، نصيب عيلة الحديدي كله هيتقسم. والصحافة هتنهش فينا. وأنا مش هسمح بده.
همست بدون وعي: ــ ده طفل…
عينيه اتحركت ناحيتي لأول مرة.
باردة جدًا.
بصلي من فوق لتحت كأنني شيء غير مهم. ثم قال: ــ وإنتِ… العروسة الجديدة من طنطا؟
شعرت بالإهانة في نبرته.
لكني تماسكت.
قال بسخرية: ــ واضح إن ابني بقى عنده هوس بجمع الحالات المحتاجة للإنقاذ.
الدم غلى في عروقي.
لكن سليم سبقني. وقف بيني وبينه فورًا.
وصوته خرج منخفض وخطير: ــ كلمة كمان عنها… وهعتبر إنك نسيت إنك أبويا.
الصمت انفجر بين الكل.
حتى الحرس اتوتروا.
أبوه ضحك ببطء. لكن الضحكة كانت مليانة احتقار: ــ شوفت؟ البنت قلبتك ضد عيلتك بعد يومين جواز.
سليم رد بدون تردد: ــ عيلتي عمرها ما كانت اللي في دمّي… العيلة هي اللي بتحميني لما أضعف.
الجملة ضربتني بقوة.
لأن أول مرة أفهم إن سليم نفسه… رغم كل قوته… عمره ما حس فعلًا إن عنده بيت.
الأب هز رأسه بازدراء. ثم قال: ــ هتندم.
واستدار ليمشي.
لكن قبل ما يخرج… وقف فجأة.
ثم قال بدون ما يلف: ــ بالمناسبة… الصحافة عرفت.
اتجمدنا كلنا.
لف أخيرًا بابتسامة باردة: ــ خلال ساعات… البلد كلها هتعرف إن سليم الحديدي متجوز بنت عندها عشرين سنة… وعايش مع ابن أخ غير شرعي تحت نفس السقف.
ثم خرج.
والهواء نفسه حسّيته اختفى من المكان.
نهى حضنت آدم وهي بتعيط. وأنا واقفة مش قادرة أتنفس.
سليم ظل ثابتًا. لكنني بدأت ألاحظ لأول مرة الإرهاق الحقيقي على ملامحه.
همست: ــ الصحافة هتعمل إيه؟
بصلي.
ولأول مرة… شفت خوفًا حقيقيًا في عينيه عليّ أنا.
قال بهدوء: ــ هيحاولوا يدمروا حياتك.
بعد ساعتين…
كنت قاعدة داخل الجناح، والموبايل في إيدي بيرن بدون توقف.
أرقام مجهولة. رسائل. إشعارات.
وأخيرًا… فتحت واحدة.
واتجمدت.
صورتي أنا وسليم ليلة الزفاف كانت متصدرة كل المواقع.
لكن العنوان تحتها كان أسوأ:
“الملياردير سليم الحديدي يتزوج فتاة بعمر ابنته… بينما يخفي فضيحة طفل غير شرعي داخل قصره.”
شهقت وأنا أنزل للمقال.
كل كلمة كانت سم.
“مصادر مقربة تؤكد أن العروس الشابة تنتمي لعائلة فقيرة من طنطا…” “هل تزوجته طمعًا في ثروته؟” “قصة الحب المثالية تخفي أسرارًا قذرة…”
دموعي بدأت تنزل بدون إرادة.
أنا طول عمري كنت بعيدة عن العالم ده. دلوقتي فجأة اسمي وصورتي بقت مادة للناس.
سمعت الباب يفتح.
قفلت الموبايل بسرعة. لكن سليم كان شاف وجهي.
قرب فورًا: ــ وريهالي.
هززت راسي: ــ مفيش حاجة.
لكنّه أخذ الهاتف برفق من يدي.
قرأ العنوان.
وملامحه اظلمت بشكل مرعب.
خلال ثانية… رماه على الحائط بقوة.
الموبايل اتحطم قطع.
شهقت بخضة.
لكنه فورًا رجع بصلي وكأنه ندم إنه خوفني. قرب بسرعة: ــ آسف… آسف.
كنت ببصله بدموع: ــ الناس كلها فاكراني طماعة.
قال بحدة: ــ الناس حيوانات لما يشموا دم.
ثم أمسك وجهي بين إيديه برفق شديد: ــ بصيلي.
بصيت.
قال بثبات: ــ ولا كلمة مكتوبة هناك تعرف مين إنتِ.
دموعي نزلت أكتر: ــ بس العالم هيصدقهم.
سكت لحظة. ثم قال: ــ يبقى هخلي العالم كله يخرس.
في الليل…
القصر كان محاصر بالصحفيين.
فلاشات الكاميرات برا الأسوار كأننا مجرمين.
وأنا واقفة ورا الستارة بتوتر.
سليم دخل الأوضة وهو بيتكلم في التليفون بعصبية: ــ أي صحفي يقرب من البوابة يتمنع فورًا.
ثم قفل الخط.
لاحظ ارتجاف إيديا.
فقرب مني بهدوء: ــ خوفانة؟
همست: ــ أوي.
مد إيده: ــ تعالى.
أخذني للبلكونة الخلفية بعيد عن الصحافة. البحر كان هادي. والهوا بارد.
وقف ورايا مباشرة.
مش لمسني. بس وجوده حواليا كان كفاية يهديني.
قال بصوت منخفض: ــ أول مرة دخلت عالم البيزنس كان عندي ٢٢ سنة… وأول مقال اتكتب عني قال إني مجرد ابن رجل غني عمره ما هينجح لوحده.
لفيت أبصله.
ابتسم بسخرية: ــ وقتها قعدت أسبوع كامل مش بنام من الغضب… بعدين فهمت حاجة مهمة.
ــ إيه؟
بص للبحر: ــ الناس بتتكلم سواء كنتِ ملاك أو شيطان… فاختاري تعيشي لنفسك مش ليهم.
سكت شوية. ثم همس: ــ أنا بس ندمان إنك اتأذيتي بسببي.
قلبي وجعني فورًا.
لأن الراجل ده… حتى وسط الفوضى… كل خوفه كان عليّ.
همست: ــ وأنا ندمانة إني شكيت فيك.
عينيه اتحركت ليا ببطء.
قلت بصوت مكسور: ــ لما شوفت الطفل… حسيت إن كل الناس كانت صح.
اقترب خطوة.
ثم رفع إيدي وباس أطراف صوابعي بهدوء: ــ بس إنتِ رجعتي سمعتي الحقيقة.
في اللحظة دي… كنت هقوله إني بحبه.
فعلاً.
لكن قبل ما أنطق—
صوت طلقة نارية دوّى في القصر.
ثم انفجر الزجاج خلفنا.
يتبع
