سخريه لاذعه حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع

ظلت سارة تحدق في الصورة عدة ثوانٍ.

كأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.

السائق العجوز كان مقيدًا بالفعل.

ووجهه يحمل آثار ضرب واضحة.

أما ذلك الخاتم…

فكان كافيًا ليجعل الشك يتحول إلى يقين.

حسن الدمنهوري ما زال موجودًا.

وما زال يتحرك.

وما زال مستعدًا لفعل أي شيء حتى تبقى الحقيقة مدفونة.

رفع ياسر رأسه.

وقال بحدة:

“إحنا لازم نبلغ الشرطة.”

لكن سارة هزت رأسها.

ثم أظهرت له الرسالة التالية التي وصلت بعدها مباشرة.

كانت قصيرة جدًا.

“لو الشرطة عرفت… الراجل هيموت.”

ساد الصمت.

بعد ساعة.

كانت سارة تقود سيارتها وحدها.

تنفيذًا لما طلبه الخاطف.

الطريق كان يتجه إلى المنطقة الصناعية القديمة خارج المدينة.

منطقة مليئة بالمخازن المهجورة والمصانع المغلقة.

وكلما اقتربت…

كان قلبها يدق أسرع.

وصلت إلى المخزن المحدد.

مكان مهجور.

صدئ.

مظلم.

كأنه خارج من فيلم قديم.

نزلت من السيارة.

وتقدمت بحذر.

ثم سمعت صوتًا خلفها.

“كنت عارف إنها هتيجي.”

استدارت بسرعة.

واتسعت عيناها.

لأن الرجل الواقف أمامها لم يكن غريبًا.

كان فؤاد السيوفي.

أو بالأحرى…

حسن الدمنهوري.

لم يعد يحاول الاختباء.

ولا الإنكار.

ولا التمثيل.

ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“أخيرًا وصلنا للحظة دي.”

قالت سارة بغضب:

“فين الراجل؟”

ضحك بخفة.

وأشار إلى داخل المخزن.

“عايش.”

“لسه.”

دخلت بحذر.

وكان السائق بالفعل مقيدًا في أحد الأركان.

لكنه بدا سليمًا.

قال حسن:

“أنا ما بحبش أقت..ل حد.”

ثم ضحك.

وأضاف:

“إلا لما أضطر.”

سارة نظرت إليه باشمئزاز.

“ليه عملت كل ده؟”

ساد الصمت للحظات.

ثم تغيرت ملامحه.

وكأن أربعين سنة من الغضب خرجت دفعة واحدة.

وقال:

“لأن الشركة دي كانت نصيبي.”

“وأبو ياسر سرقها مني.”

صرخت:

“كداب.”

لكنه أكمل:

“أنا اللي بنيت المشروع مع محمود.”

“أنا اللي اشتغلت معاه من البداية.”

“وبعدين فجأة بقي هو البطل.”

“وهو العبقري.”

“وهو رجل الأعمال العظيم.”

“وأما أنا…”

“فبقيت مجرد شريك.”

كانت عيناه مليئتين بالحقد.

حقد تراكم عشرات السنين.

ثم قال:

“لما اكتشفت إنه هيورث كل حاجة لابنه.”

“عرفت إن مستقبلي انتهى.”

سارة تجمدت.

“يعني خطفت الطفل؟”

ابتسم.

ابتسامة مخيفة.

وقال:

“ما كنتش ناوي أؤذيه.”

“كنت عايز أبعده.”

“بس الأمور خرجت عن السيطرة.”

ثم اقترب خطوة.

وأضاف:

“لكن المفاجأة الحقيقية…”

“إن محمود صدق إنه مات.”

سارة شعرت بقشعريرة.

تابع حسن:

“بعد الحادث…”

“لقيت فرصة.”

“وسبت الكل يصدق إنه اختفى للأبد.”

ثم ضحك.

“لكن القدر لعب لعبته.”

“والولد رجع قدامي كل يوم.”

“من غير ما يعرفني.”

سارة فهمت فورًا.

كان يقصد ياسر.

لكن قبل أن تتكلم…

سمعوا صوتًا من الخارج.

ثم صوت سيارات.

ثم أضواء قوية اخترقت نوافذ المخزن.

تغير وجه حسن فجأة.

“إنتِ بلغتي الشرطة؟!”

هزت رأسها.

“لا.”

وفي اللحظة التالية…

دخل عشرات الرجال إلى المكان.

لكنهم لم يكونوا شرطة.

كانوا رجال أمن خاص.

وفي مقدمتهم…

ياسر الجندي.

وقف ياسر أمام حسن.

وعيناه مليئتان بالغضب.

وقال:

“خلصت لعب.”

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

ظهر الخوف على وجه حسن الدمنهوري.

نظر إليه.

ثم قال ببطء:

“أنت شبه أبوك أكتر مما كنت فاكر.”

ساد الصمت.

ثم أخرج حسن من جيبه ظرفًا صغيرًا.

وألقاه على الأرض.

وقال:

“قبل ما تسلموني…”

“اقروا ده.”

فتح ياسر الظرف.

وبدأ يقرأ.

ثم شحب وجهه فجأة.

قالت سارة:

“فيه إيه؟”

لكن ياسر لم يرد.

ظل يقرأ.

مرة.

واتنين.

وثلاثة.

ثم رفع رأسه ببطء.

وعيناه مليئتان بالصدمة.

وقال:

“الحاج محمود…”

وتوقف.

“مش أبويا.”

تجمد الجميع.

حتى حسن نفسه.

قالت سارة بصوت مرتجف:

“إيه؟”

ناولها الورقة.

وكانت نتيجة تحليل حمض نووي قديم.

مختوم رسميًا.

وتاريخه يعود لأربعين سنة.

والنتيجة تقول بوضوح:

محمود الجندي ليس الأب البيولوجي للطفل.

ساد صمت مرعب.

لكن حسن بدأ يضحك.

ضحكة عالية.

مجنونة.

وقال:

“أهو ده السر اللي خبيته السنين كلها.”

غير أن الضحكة اختفت فجأة عندما سمعوا صوتًا آخر.

صوت رجل مسن.

صوت يعرفه الجميع.

صوت كان من المفترض أنه مات منذ أسابيع.

“كفاية كذب يا حسن.”

استدار الجميع نحو الباب.

واتسعت العيون من الذهول.

لأن الرجل الذي دخل…

كان نسخة طبق الأصل من الحاج محمود.

لكن أكبر سنًا قليلًا.

وقال بهدوء:

“أنا أخوه التوأم.”

يتبع… الفصل الثامن: ظهور شقيق الحاج محمود التوأم يكشف الحقيقة الكاملة حول ياسر، والخيانة التي بدأت قبل خمسين عامًا.

الفصل الثامن

تجمد الجميع في أماكنهم.

حتى رجال الأمن.

حتى حسن الدمنهوري نفسه.

كل العيون اتجهت ناحية الرجل العجوز الواقف عند باب المخزن.

كان الشبه بينه وبين الحاج محمود مرعبًا.

نفس الملامح.

نفس العينين.

نفس الوقفة الهادئة.

كأن الزمن أعاد الميت إلى الحياة.

همست سارة:

“مستحيل…”

أما ياسر فظل ينظر إليه دون أن يرمش.

كأنه يرى شبحًا.

اقترب الرجل ببطء.

ثم قال:

“اسمي منصور الجندي.”

“وأنا الأخ التوأم لمحمود.”

جلس حسن على أقرب صندوق خشبي.

وكأن الدم انسحب من وجهه.

وقال بصوت مخنوق:

“إنت… إنت المفروض ميت.”

ابتسم منصور.

وقال:

“زي ما خليت الكل يصدق إن ابن أخويا مات؟”

ساد الصمت.

قالت سارة:

“حضرتك فين طول السنين دي؟”

تنهد منصور طويلًا.

ثم قال:

“القصة بدأت من خمسين سنة.”

جلس الجميع.

حتى رجال الأمن.

لأنهم شعروا أن الحقيقة أخيرًا ستظهر.

بدأ منصور يحكي.

“أنا ومحمود اتولدنا في نفس الدقيقة.”

“كبرنا مع بعض.”

“واشتغلنا مع بعض.”

“وحلمنا نبني شركة كبيرة.”

ابتسم بحزن.

“لكن محمود كان الأذكى.”

“وأنا كنت الأكثر تهورًا.”

ثم نظر إلى حسن.

وقال:

“والغلطة الأكبر كانت إننا وثقنا فيه.”

خفض حسن بصره.

لأول مرة.

تابع منصور:

“في بداية المشروع…”

“كان حسن معانا.”

“وكان شريك حقيقي.”

“لكن الطمع دخل قلبه.”

ثم أخرج ملفًا قديمًا من حقيبته.

ووضعه على الطاولة.

فتح الملف.

فظهرت عقود.

وأوراق.

وتوقيعات.

قال:

“حسن حاول يزور عقود الملكية.”

“ولما محمود اكتشف الحقيقة…”

“طرده.”

صرخ حسن فجأة:

“كذاب!”

لكن منصور أكمل بهدوء:

“وعشان كده قرر ينتقم.”

ثم التفت إلى ياسر.

وقال:

“والانتقام بدأ منك.”

شعر ياسر أن قلبه يتوقف.

أكمل منصور:

“في يوم اختفائك…”

“كنت أنا اللي معاك.”

ساد الصمت.

“كنا خارجين من النادي.”

“وفجأة عربية سوداء قطعت الطريق.”

كانت التفاصيل تخرج ببطء.

لكنها كانت كافية لتجمد الدم في العروق.

“رجال حسن خطفوك.”

“وحاولت أوقفهم.”

“لكنهم ضربوني.”

وأشار إلى ندبة طويلة خلف أذنه.

لم ينتبه لها أحد من قبل.

“ولما فقت…”

“كنت في المستشفى.”

“أما أنت…”

“فاختفيت.”

سأل ياسر بصوت مرتعش:

“وبعدين؟”

تنهد منصور.

وقال:

“حسن خاف.”

“لأنه اكتشف إن الشرطة بدأت تقرب منه.”

ثم أشار إليه.

“فقرر يرميك قدام دار أيتام في محافظة تانية.”

اتسعت عينا ياسر.

“اتربيت هناك.”

“واتغير اسمك.”

“وكبرت.”

“وبدأت حياتك من جديد.”

سارة كانت عاجزة عن الكلام.

أما ياسر فشعر أن عمره كله ينهار أمامه.

كل الذكريات.

كل الأسئلة.

كل الفراغ اللي كان جواه.

بدأ يفهمه لأول مرة.

لكن السؤال الأهم ظل موجودًا.

رفع رأسه ببطء.

ونظر إلى منصور.

ثم قال:

“لو محمود مش أبويا…”

“يبقى مين أبويا؟”

ساد الصمت.

حتى حسن رفع رأسه.

وكأنه ينتظر الإجابة هو الآخر.

أغمض منصور عينيه.

ثم قال:

“لأن الحقيقة أصعب مما تتخيل.”

وأخرج صورة قديمة جدًا.

باهتة الأطراف.

في الصورة ظهر محمود.

ومنصور.

وامرأة شابة جميلة.

تحمل طفلًا رضيعًا.

وأشار منصور إلى الطفل.

وقال:

“ده أنت.”

ثم أشار إلى المرأة.

وقال:

“دي أمك.”

أما عندما أشار إلى الرجل الواقف بجوارها…

شحب وجه ياسر بالكامل.

لأنه كان يعرف الرجل.

ويعرفه جيدًا.

بل رآه آلاف المرات.

كان الرجل هو…

والده الحقيقي.

وكان ما يزال حيًا.

وما يزال عضوًا في مجلس إدارة الشركة.

وما يزال يجلس كل أسبوع في نفس القاعة.

همست سارة:

“مين؟”

نظر منصور إلى ياسر.

ثم قال الاسم الذي هز المكان كله:

“عبدالرحمن السيوفي.”

الرئيس الحالي لمجلس الإدارة.

وأقوى رجل في المجموعة كلها.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن هنا.

لأن منصور أكمل بصوت هادئ:

“وعبدالرحمن عارف الحقيقة من أربعين سنة.”

تجمد الجميع.

حتى حسن الدمنهوري فتح عينيه بذهول.

وقال:

“مستحيل…”

ابتسم منصور بحزن.

وقال:

“للأسف.”

“كلنا كنا ضحايا.”

“إلا شخص واحد.”

وفي تلك اللحظة…

رن هاتف سارة.

رقم مجهول.

ردت بحذر.

فسمعت صوتًا باردًا جدًا.

صوت رجل واثق.

قوي.

مخيف.

قال:

“واضح إنكم عرفتم أكتر من اللازم.”

شحب وجه منصور فورًا.

لأنه عرف الصوت من أول كلمة.

صوت عبدالرحمن السيوفي نفسه.

ثم قال الرجل عبر الهاتف:

“أنا مستنيكم في مقر الشركة.”

“تعالوا.”

وسكت لثانية.

ثم أضاف الجملة التي أرعبت الجميع:

“وجيبوا معاكم الوصية الأصلية…”

“عشان الليلة دي هتنتهي بموت آخر واحد يعرف الحقيقة.”

يتبع… الفصل التاسع: المواجهة الأخيرة داخل مقر الشركة، وسقوط السر الذي ظل مدفونًا نصف قرن كامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *