طليقة جوزي حكـايـات روماني×2
قعدت على السرير والموبايل في إيدي زي القنبلة الموقوتة، رسايل عصام بتنزِل ورا بعضها، كلها استعطاف وكلام عن العيال، وفي نفس الوقت كلام أمي عن إنه جاب ناس كبار وجاي يضغط بيهم كان بيحسسني بالخناق بيضيق حوالين رقبتي. عصام مش ناوي يستسلم، وفكرة إنه مستعد يوافق على “محلل” بس عشان يرجعني، خلتني أحس بالرخص والإهانة.. الراجل اللي يرضى لكرامته وكرامة مراته وأم ولاده حل زي ده عشان يصلح غلطة طيشه، ميبقاش راجل يتأمن عليه تاني.
بصيت لاسم “ياسر” على الشاشة. كلامه كان لسه بيرن في ودني، رجولته، شهامته، وطريقته اللي حسستني إني غالية وليا قيمة بعد سنين القهر والمهانة مع عصام. خدت نفس طويل، ولقيت صوابعي بتتحرك لوحدها وكتبتله:
* “ياسر.. أنا استخرت ربنا، وأنا موافقة. بس أرجوك، الخطوة دي محتاجة نكون جاهزين ليها، لأن عصام مش هيعدي الموضوع بالساهل.”
الرد مجاش في ساعتها، بس بعد عشر دقائق لقيت تليفوني بيرن.. كان هو. رديت وصوتي بيترعش:
* “أهلاً يا ياسر.”
جاني صوته الرزين الهادي اللي بيطمن:
* “مبروك عليا يا رانيا.. ومتقلقيش من أي حاجة خالص. أنا كلمتك وأنا راجل وقد كلامي وعارف خطوتي رايحة فين. بكره بعد صلاة العصر، أنا هكون عندك في البيت أنا وعمي، هنيجي نقابل والدك رسمي. جهزي نفسك، وقولي لوالدك إن فيه عريس متقدملك، وسيب الباقي عليا.”
قفلت السكة وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الفرحة والخوف مع بعض. خرجت الصالة، لقيت أبويا قاعد بيشرب الشاي وعلامات الهم والضيق على وشه من زيارة عصام وقرايبه. قربت منه وقعدت جنبه، بلعت ريقي وقلت بصوت هادي:
* “يا بابا.. أنا عاوزة أقولك على حاجة.”
بصلي وقال بنبرة حنينة:
* “قولي يا بنتي، عصام مضايقك بحاجة تاني؟”
* “لا يا بابا.. الموضوع مش عصام. الموضوع إن فيه بشمهندس زميلي من أيام الجامعة، لسه شايفاه وشغال بره مصر، وعرف بظروفي وإني منفصلة بقالي سنة ونص.. وهو طالب إيدي منك، وجاي بكره هو وعمه بعد العصر يقابلوك.”
أبويا سكت، وبصلي بنظرة فاحصة وطويلة، كأنه بيقرأ اللي جوايا، وقال:
* “زميلك من الجامعة يا رانيا؟ والموضوع جه فجأة كده؟ ولا دا مخرج عشان تخلصي من ضغط عصام وموضوع المحلل اللي قرفونا بيه؟”
دموعي نزلت وقلت:
* “والله يا بابا جواز حقيقي وعلى سنة الله ورسوله، وهو رافض فكرة المحلل دي تماماً وقال إنها إهانة ليا ولقيمتي. هو عاوزني كزوجة، وبيقول إنه شاريني وشاري ولادي.”
أبويا ملامحه ارتاحت شوية، وطبطب على إيدي وقال:
* “الراجل اللي يدخل من الباب ويصون عرضك يا بنتي على راسي من فوق. بكره يقابلني ونشوف معدنه، ولو فيه الخير ربنا يقدمه.”
تاني يوم، الشقة كانت ريحتها بخور هادي، وأنا واقفة ورا شيش البلكونة مستنية. على الميعاد بالظبط، عربية شيك وقفت ونزل منها ياسر ومعاه راجل كبير في السن، باين عليه الهيبة والوقار. استقبلهم أبويا ترحيب كبير، وقعدوا في الصالون. كنت واقفة ورا الباب بسمع دقات قلبي مع كل كلمة بتتقال.
ياسر اتكلم بكل أدب، حكى لأبويا عن شغله في الخليج، وعن ظروفه، ودخل في الموضوع دغري:
* “يا عمي، أنا شاري رانيا من أيام الجامعة، بس النصيب ساقنا لبعيد. ودلوقتي لما عرفت إنها منفصلة، جيتلك من الباب، وأنا متكفل بيها وبولادها، وولادها هيبقوا في مقام أولادي بالظبط، والشرع محلل والوضع قانوني تماماً.”
أبويا كان معجب جداً بأسلوبه ووضوحه، والكلام مخدش وقت طويل، واتفقوا إن ياسر هيجيب أهله الأسبوع اللي جاي عشان يكتبوا الكتاب قبل ما إجازته تخلص، ويسافروا سوا.
لكن الفرحة مكنتش كاملة.. الخبر مشي في المنطقة زي النار في الهشيم، ووصل لعصام!
في نفس اليوم بالليل، لقيت الموبايل بيرن برقم عصام، كنسلت عليه، رجع رن تاني وتالت، لحد ما أبويا خد مني التليفون وفتح السبيكر وسأله بحسم:
* “عاوز إيه يا عصام؟ مش قلتلك مفيش رجوع، وبنتي مش هتتمشى في سكة المحلل دي؟”
جانا صوت عصام من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش صوت عياط وتوسل.. كان صوت كله غل وتهديد، وصوته عالي ومجنون:
* “محلااااال؟! محلل إيه يا عمي! بنتك صايعة وبتلعب بيا وبيك! بنتك رايحة تتجوز واحد زميلها من الجامعة وتعملها جوازة بجد عشان تكسر عيني! أنا عرفت كل حاجة.. وعليَّ الطلاق بالتلاتة التالتة، لو الجوازة دي تمت، لا هتشوف عيالها تاني، وهقلب الدنيا عليها وعلى اللي متقدملها، ومش هسيب حتة فيكوا سليمة! رانيا دي بتاعتي أنا، ومحدش هيلمسها غيري!”
أبويا زعق فيه وقفل السكة في وشه، بس أنا جسمي كله كان بيرتعش من الرعب.. عصام مجنون وممكن يعمل أي حاجة عشان ينتقم، والعيال في إيده لأنهم كانوا بايتين عند أمه الويك إيند ده!
بصيت لأبويا وأنا بصرخ: “العيال يا بابا.. عصام هيحرم دمي منهم ويأذيهم!”
وفي نفس اللحظة، الموبايل نور برسالة من ياسر كاتب فيها: “أنا عرفت إن عصام بدأ يهدد.. متخافيش يا رانيا، أنا مستني بره البيت وعصام جاي في الطريق ومعاه أصحابه.. والمواجهة هتبدأ دلوقتي.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
كلام ياسر في الرسالة خلّى الدم يتجمد في عروقي. عصام جاي ومعاه أصحابه وياسر واقفله تحت؟ نزلت جري على السلم وأبويا ورايا بيزعق وبيحاول يمسكني: “ارجعي يا رانيا متنزليش!”، بس أنا مكنتش سامعة، فكرة إن ولادي بعيد عني وعصام ممكن يعمل جناية تضيع المستقبل اللي حلمت بيه كانت مخلياني زي المجنونة.
أول ما فتحت باب العمارة، لقيت الشارع هادي هدوء غريب يسبق العاصفة. ياسر كان واقف ساند على عربيتو بكل ثبات، وعينه على أول الشارع. وفجأة، ظهرت عربية عصام، وفرملت بصوت عالي كسر السكون، ونزل منها عصام ومعاه تلاتة من أصحابه، باين في عينيهم الشر والبلطجة.
عصام أول ما شاف ياسر، عينه احمرت والغل ملى وشه، قرب عليه وهو بيشاور بإيده وبيزعق بأعلى صوته عشان يلم الشارع علينا:
* “هو ده بقى الباشمهندس؟ هو ده اللي جاي ياخد مراتي وعيالي؟ جاي تعمل فيها بطل وتصلح غلطات غيرك يا قمع؟”
ياسر متحركش من مكانه، فضل واقف بكل برود وهيبة، حط إيده في جيبه وقال بنبرة هادية بس ترعب من قوتها:
* “صوتك ميعلاش هنا يا عصام.. رانيا مبقتش مراتك، أنت رميت عليها اليمين تلت مرات، والشرع والقانون بيقولوا إنها أجنبية عنك. وأنا داخل البيوت من أبوابها، مش زيك برمي ولادي وبيتي في لحظة طيش.”
كلمة ياسر نزلت على عصام زي السكينة، حس بالإهانة قدام أصحابه والناس اللي بدأت تفتح الشبابيك وتتفرج. عصام رفع صوته أكتر وقرب من ياسر وهو بيمد إيده:
* “أنا هوريك الطيش على أصوله بقا.. الجوازة دي مش هتم، ولو ملمتش نفسك ومشيت من هنا، مش ه تخرج من الشارع ده على رجلك!”
واحد من أصحاب عصام قرب عشان يزق ياسر، في اللحظة دي أبويا نزل ووقف في النص وزعق: “جرى إيه يا عصام؟ أنت جاي تتبلطج في منطقتنا وعلينا؟ الباشمهندس ضيفنا وجاي في حمايتنا، والملام ملوش مكان هنا!”
عصام بص لأبويا وقال بغل: “بنتك ضحكت عليك يا عمي، دي بتنتقم مني، ومش هسيبها.. والعيال أهم معايا في العربية، ومش هتشوف ضفر واحد فيهم لو الجوازة دي تمت!”
قلبي اتخلع من مكانه لما سمعت إن العيال في العربية. جريت على عربية عصام وبصيت من الإزاز، لقيت ولادي قاعدين ورا، مكسورين وخايفين ودموعهم على خدهم ومش فاهمين حاجة من الخناق بره. عيطت وصرخت: “هات العيال يا عصام! حرام عليك متدخلهمش في مشاكلنا!”
عصام ساب ياسر وجري عليا، مسكني من دراعي جامد وهو بيبرقلي: “ارجعي بيتك يا رانيا.. المحلل اللي أنتِ عاوزاه أنا هجيبه ومستعد أعمل أي حاجة، بس غريب مش هيدخل بيتي!”
وقبل ما عصام يكمل جملته، لقيت إيد قوية زي الحديد مسكت إيد عصام ولفتها وراه في ثانية.. كان ياسر. ياسر زق عصام لورا وبقى واقف بيني وبينه كأنه سد منيع، وقال بصوت حاسم خلى الشارع كله يسكت:
* “إيدك متتمدش عليها تاني.. أنت خلاص بره حياتها. وبالنسبة للعيال، أهم عندك في العربية، وأنا مش هعمل زيك وأتخانق قدامهم وأكسر هيبتك قدام ولادك.. بس اسمعني كويس يا عصام، بكره الصبح، المحامي بتاعي هيكون في النيابة بيقدم بلاغ بضم الحضانة لرانيا، والشرع والقانون معانا، والمشاكل اللي أنت ناوي تعملها دي هتثبت عليك إنك أب غير أمين على عياله.. فكر كويس قبل ما تخسر كل حاجة.”
عصام كان بينهج من الغيظ، بص لياسر ولبابا، ولقى إن أهل المنطقة بدأوا يتجمعوا حوالين بابا وياسر، وأصحابه بدأوا ينسحبوا لورا لما لقوا إن الموضوع هيقلب خناقة كبيرة مع الشارع كله. عصام رجع لورا وبصلي بنظرة كلها توعد وقال:
* “ماشي يا رانيا.. ماشي يا باشمهندس.. افتكروا إنكم اللي بدأتم، والعيال مش هتشوفوهم تاني.”
ركب عصام عربيته وطلع بأقصى سرعة، والعيال بيبصوا عليا من الإزاز وبيعيطوا. انهرت في الأرض وبكيت بحرقة، وياسر قرب مني ووطى لمستوايا وقال بنبرة حنينة كلها أمان:
* “قومي يا رانيا.. متعيطيش دموعك دي غالية. أنا وعدتك إن ولادك هيبقوا في حضنك، وأنا قد وعدي. عصام بيحارب بآخر كارت في إيده لأنه عارف إنه خسر خلاص.”
طلعنا الشقة، وياسر قعد مع أبويا وبدأوا يرتبوا للخطوات اللي جاية. ياسر طلب من محاميه يبدأ إجراءات مستعجلة، وفي نفس الوقت صمم إن كتب الكتاب يكون بعد يومين بالظبط عشان يقطع أي طريق على عصام يخليه يضغط علينا أو يبتزنا بالعيال.
مر اليومين دول وأنا عايشة في رعب، عيني منمتش، وتليفوني مقفول عشان رسايل التهديد من عصام وأهله متبطلش.
وجيه يوم كتب الكتاب.. لبست فستان أبيض بسيط، والبيت كان فيه أهلي وأهل ياسر اللي ليتهم ناس طيبين جداً ومرحبين بيا وبظروفي. المأذون قعد، وياسر كان قاعد جنبي، وعينه عليا بتطمني طول الوقت. أبويا حط إيده في إيد ياسر، والمأذون بدأ يقول كلمته الشهيرة..
وقبل ما المأذون يقول “بارك الله لكما وبارك عليكما”، الباب خبط خبط قوي ومجنون، خلى القلم يقع من إيد المأذون، والكل يتلفت ورا بذهول وخوف.. يا ترى مين اللي على الباب؟ وهل عصام نفذ تهديده وقرر ينهي الحكاية بدم؟
#الكاتب_رومانى_مكرم
