جوزي بعتلي حكـايـات أسمـا ×2
لكن الحقيقة…
الحكاية ما انتهتش عند باب البيت.
بعد ما محمود خرج، افتكرت إنه هيختفي شوية ويراجع نفسه.
افتكرت إنه يمكن أخيرًا يفهم حجم الخراب اللي سابه وراه.
لكن بعد أسبوع واحد بس…
وصلني أول إنذار قضائي.
كنت قاعدة أشرب القهوة الصبح لما الجرس رن.
فتحت الباب.
المحضر سلمني ظرف أصفر كبير.
ولما قريت المكتوب فوقه…
ضحكت.
ضحكة غريبة حتى أنا استغربتها.
أحمد خطف الورقة من إيدي.
وقرأ بصوت عالي:
ــ دعوى مطالبة مالية.
ليان فتحت عينيها بصدمة.
ــ لسه عايز الفلوس؟
أيوة.
محمود كان مصمم.
بعد كل اللي حصل.
بعد كل اللي اتكشف.
لسه عايز ياخد مني مليون ومية ألف دولار.
وكأنه عايش في عالم تاني.
المحامي بتاعي لما شاف الأوراق ضحك هو كمان.
وقال:
ــ سيبيه يكمل.
قلت باستغراب:
ــ يعني إيه؟
ابتسم وقال:
ــ أحيانًا الناس وهي بتحاول تنتقم… بتدفن نفسها بنفسها.
وفعلًا.
أول جلسة كانت بعد شهر.
دخل محمود المحكمة متأنق كعادته.
بدلة غالية.
ساعة فاخرة.
ونظرة استعلاء قديمة كان فاكر إنها لسه بتأثر في الناس.
لكن المرة دي محدش كان منبهر.
القاضي طلب منه يشرح دعواه.
فوقف بكل ثقة.
وقال إنه أنفق عليّ طوال عشرين سنة.
وإن من حقي أرد له كل المصاريف بعد طلب الطلاق.
القاضي سكت ثواني.
ثم قال:
ــ حضرتك بتطالب زوجتك السابقة بمصاريف الزواج الشرعي؟
ــ أيوة.
ــ ومصاريف أولادك؟
ــ أيوة.
ــ ومصاريف البيت؟
ــ أيوة.
ــ وحتى مصاريف الولادة؟
ــ أيوة.
القاضي خلع النظارة وبصله باستغراب.
وأنا لأول مرة شفت ابتسامة صغيرة على وشه.
ثم قال:
ــ يعني حضرتك بتعتبر إنك كنت بتقدم قروض مش بتصرف على أسرتك؟
محمود اتلخبط.
ــ لا… يعني…
ــ لأن القانون بيعتبر الإنفاق على الزوجة والأبناء واجبًا وليس دينًا.
ساعتها بدأت ثقته تهتز.
لكن الكارثة الحقيقية حصلت بعدها بدقائق.
محاميّ وقف.
وقال:
ــ بما إن المدعي فتح الملف المالي للأسرة بالكامل… عندنا طلب مضاد.
محمود اتجمد مكانه.
وأنا عرفت من نظرة المحامي إن فيه حاجة كبيرة جاية.
قدم للقاضي ملفات الحسابات.
تقارير المحاسب.
التحويلات.
الفواتير.
السفريات.
كل حاجة.
ثم قال بهدوء:
ــ نطالب بإجراء مراجعة مالية كاملة للأموال التي خرجت من الحسابات المشتركة دون علم الأسرة.
وش محمود بقى رمادي.
لأن المراجعة دي معناها حاجة واحدة.
إن كل الأسرار هتطلع رسميًا.
وبعد ثلاثة شهور من التحقيقات…
طلعت النتائج.
وماحدش كان متخيل حجمها.
المبلغ اللي محمود صرفه على علاقاته السرية وسفرياته ومغامراته؟
لم يكن مليونًا ونصف كما توقعنا.
كان أكثر من ثلاثة ملايين دولار.
ثلاثة ملايين كاملة.
اختفت من أموال الأسرة خلال عشرين سنة.
القاضي سأل سؤالًا واحدًا فقط:
ــ هل لديك تفسير؟
محمود فتح فمه.
ثم قفله.
لأن مافيش تفسير.
وفي اليوم اللي صدر فيه الحكم…
كنا كلنا موجودين.
أنا.
ليان.
أحمد.
وأمي.
القاضي رفض دعواه بالكامل.
ثم أمره بتحمل تكاليف القضية.
وأثبت رسميًا أن الأموال التي سحبها من الأصول المشتركة ستؤخذ في الاعتبار في تسوية الممتلكات.
خرج محمود من القاعة محطمًا.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت برة المحكمة.
لأن رانيا كانت واقفة مستنياه.
نفس المرأة اللي ضحى بعيلته كلها عشانها.
جريت عليه أول ما شافته.
وفي لحظة افتكرنا إنها جاية تواسيه.
لكنها صرخت فيه قدام الجميع:
ــ إنت كدبت عليا أنا كمان!
محمود اتصدم.
ــ رانيا اسمعيني…
ــ كنت بتقول إن مراتك بتسرقك وإنك ضحية!
ورمت في وشه ظرف أوراق.
ثم قالت بصوت سمعه كل الموجودين:
ــ والمحامي بتاعي هيتواصل معاك بخصوص الشقة اللي سجلتها باسمي وبعدها حاولت ترجع فيها!
ومشت.
سابته واقف لوحده.
مرة تانية.
وأدرك لأول مرة إن الشخص اللي خسر كل حاجة مش أنا.
كان هو.
أما أنا…
فبعد سنة كاملة.
كنت قاعدة في جنينة البيت.
بشرب الشاي وقت الغروب.
ليان خلصت أول سنة جامعة بتفوق.
وأحمد بدأ مشروعه الخاص.
وأمي كانت قاعدة تضحك وهي بتعلم حفيدتها الصغيرة بنت أحمد تمسك الملعقة.
بصيت حواليا.
وحسيت بشعور غريب.
راحة.
راحة ما حسيتش بيها من عشرين سنة.
وفهمت أخيرًا إن بعض الناس لما يخرجوا من حياتك…
مش بيسيبوا فراغ.
بيسيبوا مساحة للنور يدخل. ❤️
تمت.
