تحدي الكرامه حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع
لم يكن هناك شخص واحد داخل القصر لا يتحدث عن الفضيحة.
لكن بينما كان الضيوف يتبادلون الشائعات في الحديقة وقاعات الاستقبال، كانت معركة مختلفة تمامًا تبدأ في الطابق العلوي.
داخل مكتب نادية المنصوري.
المكتب نفسه الذي طالما أدارت منه صفقات العائلة وحروبها.
جلست نادية خلف المكتب الخشبي الضخم.
بينما وقف سيف أمامها.
ووقفت أنا بالقرب من النافذة.
أما الأطفال الثلاثة فكانوا في غرفة مجاورة مع المربية الخاصة بالقصر.
أغلق سيف الباب بعنف.
ثم استدار نحو والدته.
وقال بصوت لم تسمعه منه منذ سنوات:
“عايز الحقيقة.”
نظرت إليه نادية بصمت.
“حالًا.”
أضافها هذه المرة بغضب.
لكنها لم تتحدث.
فالتفت نحوي.
“قوليلي إن ده كذب.”
نظرت إليه بهدوء.
“هل الأطفال شبهك؟”
خفض رأسه.
“لا.”
“هل أعمارهم توافق وقت زواجنا؟”
لم يجب.
“هل تحتاج تحليل DNA عشان تعرف الحقيقة؟”
ساد الصمت.
لأنه كان يعرف الإجابة.
رفع عينيه ببطء.
وكان الألم واضحًا داخله.
“ليه مخبيتيش بس الأطفال؟”
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
“أنا مخبيتهمش منك.”
ثم نظرت مباشرة نحو نادية.
“أنا هربت منهم.”
التفت سيف إلى والدته.
وتجمد وجهه.
لأنها لم تعترض.
لم تنفِ.
لم تغضب.
فقط ظلت صامتة.
وهنا فهم.
بدأ قلبه ينبض بعنف.
“ماما…”
لم ترد.
“قولي إنها كذابة.”
صمت.
“قولي!”
ارتجفت يد نادية للمرة الأولى.
ثم قالت أخيرًا:
“كنت بحاول أحمي العيلة.”
ساد الصمت.
أما سيف…
فشعر وكأن الأرض انسحبت من تحته.
“إيه؟”
تنهدت نادية ببطء.
“وقت ما قالت إنها حامل… الشركة كانت بتمر بأسوأ أزمة مالية في تاريخها.”
قطب حاجبيه.
لم يفهم.
فأكملت:
“كان فيه شركاء مستعدين يسحبوا استثماراتهم.”
“وده إيه علاقته بأطفالي؟”
رفعت رأسها.
وقالت الجملة التي غيرت كل شيء.
“علاقة كبيرة.”
ثم أخرجت ملفًا قديمًا من الدرج.
ووضعته أمامه.
فتح سيف الملف.
وبدأ يقرأ.
وكلما قلب صفحة…
ازداد وجهه شحوبًا.
كانت تقارير مالية.
ديون.
رهونات.
قروض مخفية.
مستندات لم يرها من قبل.
ثم ظهرت ورقة أخيرة.
تقرير طبي.
رفع رأسه نحوي باستغراب.
ثم عاد يقرأ.
وفجأة…
توقف.
نظر إلى والدته.
ثم إلى الورقة مرة أخرى.
ثم صرخ:
“إنتِ عملتي إيه؟!”
انفجرت الدموع من عيني نادية.
لأول مرة.
وقالت:
“ما كانش عندي اختيار.”
خطف سيف التقرير بيده.
ثم رماه فوق المكتب.
التقطته بسرعة.
وحين قرأت محتواه…
تجمد الدم في عروقي.
كان تقريرًا طبيًا مزورًا.
يحمل اسمي.
ومختومًا بختم مستشفى خاص.
وفيه جملة واحدة.
“المريضة تعرضت لإجهاض كامل.”
شعرت بالصدمة.
لم أستطع الكلام.
أما سيف…
فكان ينظر إلى والدته وكأنه يراها لأول مرة.
قال بصوت مخنوق:
“إنتِ بلغتيني إنها فقدت الطفل.”
انهارت نادية على الكرسي.
وأخفضت رأسها.
“كنت خايفة.”
“خايفة من إيه؟”
“من انهيار الشركة.”
لم يفهم.
لكنها أكملت.
“الوريث كان هيغير توزيع الأسهم.”
اتسعت عيناه.
“إيه؟”
قالت بصوت مرتجف:
“جدك قبل وفاته كتب بندًا سريًا.”
ثم أغلقت عينيها.
“أي حفيد مباشر من دم المنصوري يحصل تلقائيًا على نسبة ضخمة من أسهم العائلة داخل صندوق ائتماني.”
ساد الصمت.
أما أنا…
فبدأت أفهم.
ولهذا كانت تريد أطفالي.
ولهذا كانت تخاف منهم.
ولهذا هربت.
قالت نادية:
“لو عرف المستثمرون إن فيه ورثة جدد… السيطرة على الشركة كانت هتضيع من إيدي.”
رفع سيف يده فوق رأسه.
وكأنه يحاول استيعاب حجم الكارثة.
طوال خمس سنوات…
كان يعتقد أنني تركته.
وأن الطفل الذي حلم به مات.
بينما الحقيقة…
أن والدته سرقت منه أبناءه.
وسرقت من الأطفال أباهم.
وفجأة…
رن هاتف المكتب.
كان المحامي الرئيسي للعائلة.
ردت نادية بيد مرتجفة.
استمعت لثوانٍ.
ثم شحب وجهها أكثر.
“إزاي؟!”
صرخت بها.
سمعنا الصوت من الطرف الآخر رغم بعد الهاتف.
وبعد لحظة…
سقط الهاتف من يدها.
نظرت إلينا بذهول.
ثم همست:
“الموضوع خلص.”
سأل سيف:
“إيه اللي خلص؟”
نظرت نحوي مباشرة.
وقالت:
“الصندوق الائتماني اتفعل.”
لم أفهم.
لكن المحامي كان قد أرسل المستندات رسميًا.
وبسبب ظهور الأطفال وإثبات نسبهم الأولي…
انتقلت ملكية نسبة ضخمة من أسهم العائلة قانونيًا إلى الورثة الثلاثة.
ياسين.
وآدم.
وعمر.
وفي أقل من ساعة…
أصبح الأطفال الثلاثة أغنى من معظم رجال الأعمال الموجودين في حفل الزفاف.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن ذلك.
لأن المحامي أضاف جملة أخيرة جعلت الجميع يصمت.
جملة واحدة فقط.
جعلت وجه نادية يتحول إلى اللون الأبيض بالكامل.
قال:
“وهناك وصية ثانية من الجد الراحل لم تُفتح إلا اليوم…”
وصية كانت قادرة على قلب اسم المنصوري كله رأسًا على عقب.
الفصل الخامس
لم يكن أحد يتنفس داخل المكتب.
حتى عقارب الساعة المعلقة على الحائط بدت وكأنها توقفت.
نظر سيف إلى المحامي عبر شاشة الهاتف.
وقال ببطء:
“اقرأ الوصية.”
تردد الرجل للحظة.
ثم فتح الملف الإلكتروني.
وأخذ نفسًا عميقًا.
“هذه الوصية مؤرخة قبل وفاة الحاج محمود المنصوري بثلاثة أشهر.”
ساد الصمت.
الحاج محمود.
مؤسس إمبراطورية المنصوري.
الرجل الذي بنى المليارات من لا شيء.
والرجل الوحيد الذي كانت نادية تخشاه فعلًا.
بدأ المحامي القراءة.
“في حال وجود أحفاد مباشرين من نسل ابني سيف المنصوري…”
توقفت أنفاس الجميع.
“…يتم تحويل السيطرة الإدارية الكاملة لصندوق العائلة إلى الوصي الذي يختاره مجلس الأمناء.”
قطبت نادية حاجبيها.
وقالت بسرعة:
“وأنا رئيسة مجلس الأمناء.”
لكن المحامي لم يرد.
وأكمل القراءة.
“…ولا يحق لأي عضو من عائلة المنصوري تولي منصب الوصي.”
اختفى اللون من وجه نادية.
أما سيف فحدق في الشاشة.
“مين الوصي؟”
فتح المحامي الصفحة الأخيرة.
ثم قال:
“اسم الوصي محدد بالفعل داخل الوصية.”
أمسك سيف حافة المكتب بقوة.
بينما بدأت نادية ترتجف.
قال المحامي:
“الوصي القانوني الوحيد على أموال وأسهم الأحفاد الثلاثة هو…”
وصمت لثانية.
“…والدتهم.”
ساد الصمت.
صمت كامل.
ثم التفت الجميع نحوي.
أنا.
ابتسم المحامي بحرج.
وأعاد الجملة مرة أخرى.
“الوصي القانوني المعتمد من الجد الراحل هي السيدة ليلى.”
شعرت أن الأرض توقفت.
أنا نفسي لم أتوقع ذلك.
أما نادية…
فكانت تنظر إليّ وكأنها رأت شبحًا.
قالت بصوت مبحوح:
“مستحيل.”
لكن المحامي أكمل.
“يوجد خطاب مرفق بخط يد الحاج محمود.”
ثم بدأ القراءة.
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أن أحفادي وُجدوا أخيرًا.”
ارتجفت يد سيف.
وأغمض عينيه.
بينما تابع المحامي:
“تعلمت خلال حياتي أن المال قد يبني إمبراطورية، لكنه لا يصنع إنسانًا صالحًا.”
ثم جاءت الجملة التي ضربت نادية في قلبها.
“أما ليلى… فهي المرأة الوحيدة التي رأيتها قادرة على الوقوف أمام عائلتنا دون أن تبيع نفسها أو مبادئها.”
أخفضت رأسي بصدمة.
لأن الجد لم يخبرني يومًا بهذا الكلام.
أكمل المحامي:
“إذا أنجبت ليلى أبناءً من سيف يومًا ما، فأنا أثق بها أكثر من أي شخص آخر لحماية مستقبلهم.”
كانت نادية تبكي الآن.
لكن أحدًا لم يشعر بالشفقة.
لأن الجميع بدأوا يدركون حجم ما فعلته.
سرقت خمس سنوات.
ودمرت أسرة كاملة.
وأخفت الحقيقة عن ابنها.
فجأة…
ضُرب الباب بقوة.
ثم فُتح دون استئذان.
دخل أحد رجال الأمن.
وكان وجهه متوترًا.
“آسف يا فندم.”
نظر إليه سيف بغضب.
“في إيه؟”
ابتلع الرجل ريقه.
وقال:
“في مشكلة تحت.”
“أي مشكلة؟”
“العروسة.”
ساد الصمت.
ثم أكمل الرجل:
“مدام سارة جمعت أهلها وطلبت إلغاء مراسم الزفاف.”
أغمض سيف عينيه.
وكأنه كان يتوقع ذلك.
لكن رجل الأمن لم ينتهِ.
قال:
“وفيه صحفيين بدأوا يوصلوا قدام القصر.”
تنهد المحامي عبر الهاتف.
أما نادية فأمسكت رأسها بيديها.
لأنها فهمت ما سيحدث.
غدًا…
كل الصحف.
كل البرامج.
كل مواقع الأخبار.
ستتحدث عن شيء واحد فقط.
فضيحة المنصوري.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ذلك بلحظات.
حين سمعنا طرقًا خفيفًا على باب المكتب.
ثم دخل ياسين.
خلفه آدم وعمر.
ركضوا مباشرة نحوي.
ثم احتضنوني.
ابتسمت رغم كل شيء.
لكن ياسين رفع رأسه فجأة.
ونظر إلى سيف.
ثم سأله بسذاجة الأطفال:
“حضرتك بابانا فعلًا؟”
تجمد سيف.
ولم يجد أي كلمة يقولها.
اقترب ياسين أكثر.
وقال:
“يعني هتيجي تلعب معانا؟”
هنا فقط…
انهار سيف.
وسقطت دموعه لأول مرة أمام الجميع.
ركع على ركبتيه.
ثم فتح ذراعيه ببطء.
ولثوانٍ طويلة…
لم يتحرك الأطفال.
كانوا لا يعرفون هذا الرجل.
لا يعرفون صوته.
ولا حضنه.
ولا قصصه.
ولا حتى رائحته.
كان غريبًا.
رجلًا ظهر فجأة في حياتهم.
لكن عمر كان أول من اقترب.
ثم آدم.
ثم ياسين.
وبعد لحظة…
احتضن الثلاثة أباهم.
وأجهش سيف بالبكاء.
بكاء رجل أدرك متأخرًا حجم ما سُرق منه.
لكن بينما كان الجميع منشغلين بالمشهد…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف المحامي.
قرأها.
ثم شحب وجهه.
وقال ببطء:
“فيه مشكلة أكبر.”
رفع سيف رأسه.
“إيه تاني؟”
رد المحامي:
“أثناء مراجعة ملفات الجد القديمة… اكتشفنا تحويلات مالية سرية بمئات الملايين.”
قطبت حاجبي.
أما نادية فرفعت رأسها فجأة.
وكان الرعب يملأ عينيها.
تابع المحامي:
“والتحويلات دي تمت على مدار عشر سنين…”
ثم صمت.
وأضاف:
“وكلها خرجت من حسابات المنصوري إلى حساب شخص مجهول.”
عندها فقط…
عرفت نادية أن السر الأخطر الذي أخفته طوال عمرها قد خرج أخيرًا إلى النور.
وأن سقوطها الحقيقي لم يبدأ بعد.
يتبع
