في الشهر السادس حكـايـات أسمـا ×4

الفصل السابع

 

توقف الزمن.

 

هكذا شعرت بالضبط.

 

كأن العالم كله تجمد للحظة.

 

الهواء.

 

الأصوات.

 

حتى نبضات قلبي.

 

كل شيء توقف وأنا أحدق في وجه الرجل الواقف أمامنا.

 

فؤاد السعدني.

 

الرجل الذي أعلنت القنوات خبر وفاته.

 

الرجل الذي أقيمت له جنازة.

 

والرجل الذي بُنيت كل هذه الكارثة على فكرة أنه مات.

 

لكنه كان حيًا.

 

حيًا جدًا.

 

وأخطر مما تخيل أي شخص.

 

ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى وجوهنا المصدومة.

 

ثم قال بهدوء:

 

“بصراحة… توقعت استقبال أحسن من كده.”

 

لم يرد أحد.

 

أما كريم فكان يحدق فيه وكأنه يرى شبحًا.

 

ثم قال أخيرًا:

 

“إنت مستحيل.”

 

ضحك فؤاد.

 

“أنا كمان قلت كده لما حاولوا يقتلوني.”

 

اقترب خطوة للأمام.

 

وقال:

 

“لكن يبدو إن ربنا كان عنده رأي تاني.”

 

ظل رجال السلاح يحيطون بنا من كل اتجاه.

 

وأصبح الهروب مستحيلًا.

 

قال المحامي عمر:

 

“لو إنت عايش…”

 

“مين اللي مات؟”

 

تنهد فؤاد.

 

ونظر إلى السماء للحظة.

 

ثم قال:

 

“واحد من رجالي.”

 

“واحد وافق يموت مكاني.”

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

“لأننا عرفنا إنهم هيحاولوا يخلصوا مني.”

 

نظر مباشرة إلى كريم.

 

وقال:

 

“لكن اللي ما كنتش أعرفه…”

 

“إن أقرب شخص ليا هو اللي باعني.”

 

اشتدت ملامح كريم.

 

“أنا ما بعتكش.”

 

“لأ؟”

 

ابتسم فؤاد بسخرية.

 

“يبقى قولي مين اللي سرب الملفات؟”

 

أجاب كريم بسرعة:

 

“مش أنا.”

 

لكن فؤاد لم يقتنع.

 

ولم يبدُ أنه جاء ليستمع للتبريرات أصلًا.

 

ثم حدث شيء غريب.

 

رفع يده.

 

فأنزل الرجال أسلحتهم.

 

نظر إلينا جميعًا.

 

وقال:

 

“أنا مش جاي أقتلكم.”

 

اتسعت عيناي.

 

“إيه؟”

 

أكمل:

 

“لو كنت عايز أقتلكم…”

 

“كنت عملتها من زمان.”

 

ثم نظر إليّ مباشرة.

 

وقال:

 

“خصوصًا إنتِ.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

أما هو فتابع:

 

“أنا جاي أحذركم.”

 

هذه المرة حتى المحامي بدا مرتبكًا.

 

“تحذرنا من مين؟”

 

اختفت الابتسامة من وجه فؤاد.

 

لأول مرة.

 

وقال اسمًا لم أسمعه من قبل.

 

“نادر الرفاعي.”

 

تبادل الجميع النظرات.

 

لكن كريم وحده شحب وجهه فورًا.

 

همست:

 

“مين ده؟”

 

أجاب كريم بصوت منخفض:

 

“الرجل اللي أسس الشبكة كلها.”

 

تجمدت ملامحي.

 

وفؤاد أكمل:

 

“أنا وكريم كنا مجرد واجهة.”

 

“مجرد أسماء في الصورة.”

 

“لكن نادر…”

 

أشار بإصبعه للأسفل.

 

“هو الجذر الحقيقي.”

 

ثم أخرج ملفًا من سيارته.

 

وألقاه أمامنا.

 

فتحه المحامي بسرعة.

 

وبدأت عيناه تتسعان صفحة بعد صفحة.

 

ثم همس:

 

“يا إلهي.”

 

اقترب أبي.

 

“في إيه؟”

 

رد المحامي:

 

“دي مش شبكة فساد.”

 

“دي إمبراطورية كاملة.”

 

عقارات.

 

بنوك.

 

شركات استثمار.

 

سياسيون.

 

إعلاميون.

 

أسماء ضخمة.

 

أسماء لو ظهرت للعلن قد تهز البلد كلها.

 

شعرت بالدوار.

 

كلما اكتشفت جزءًا من الحقيقة ظهرت حقيقة أكبر.

 

ثم فجأة سمعنا صوت هاتف.

 

نظر فؤاد إلى جيبه.

 

وأخرج جهازًا صغيرًا.

 

قرأ الرسالة.

 

وتغير وجهه.

 

قال بصوت حاد:

 

“إحنا اتأخرنا.”

 

سأل كريم:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

رفع فؤاد عينيه نحوه.

 

وقال:

 

“خدوا ياسمين من المكان اللي كنت مخبيها فيه.”

 

تجمد الجميع.

 

أما أنا فشعرت بقبضة حول قلبي.

 

رغم كل شيء…

 

لم أتمنَّ لها الأذى.

 

قال كريم بسرعة:

 

“إحنا لازم نلاقيها.”

 

لكن فؤاد هز رأسه.

 

“الموضوع أكبر من ياسمين دلوقتي.”

 

ثم التفت نحوي مباشرة.

 

ولأول مرة رأيت القلق الحقيقي في عينيه.

 

وقال:

 

“هم عرفوا حاجة مهمة.”

 

“إيه؟”

 

أجاب:

 

“إن ليلى مش مجرد زوجة كريم.”

 

عقدت حاجبي.

 

“يعني إيه؟”

 

تردد للحظة.

 

ثم قال:

 

“في حاجة كان أبوكي مخبيها عنك طول عمرك.”

 

نظرت إلى أبي.

 

فوجدت وجهه قد فقد لونه تمامًا.

 

همست:

 

“بابا؟”

 

لم يجب.

 

“بابا؟”

 

أغلق عينيه.

 

وكأنه يحمل سرًا ثقيلًا منذ سنوات طويلة.

 

ثم جلس ببطء.

 

وقال الجملة التي قلبت حياتي للمرة الثانية:

 

“أنا مش أبوكي الحقيقي يا ليلى.”

 

شعرت وكأن الأرض اختفت من تحتي.

 

أمي بدأت تبكي.

 

أما أنا فلم أستطع الكلام.

 

فقط أحدق فيه.

 

غير قادرة على الفهم.

 

غير قادرة على الاستيعاب.

 

أكمل بصوت مكسور:

 

“أنا اللي ربيتك.”

 

“وأحببتك.”

 

“لكن دمك…”

 

توقف للحظة.

 

ثم قال:

 

“مش من دمي.”

 

سقطت الدموع من عيني دون إرادة.

 

همست:

 

“مين أبويا؟”

 

ساد الصمت.

 

ثوانٍ طويلة.

 

ثقيلة.

 

مرعبة.

 

ثم جاء الرد من فؤاد نفسه.

 

“نادر الرفاعي.”

 

توقفت أنفاسي.

 

وشعرت أن العالم كله يدور حولي.

 

الرجل الذي يطاردنا.

 

الرجل الذي يدير الشبكة.

 

الرجل الذي يريد قتلي.

 

هو والدي الحقيقي.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصلت رسالة إلى هاتف فؤاد.

 

فتحها.

 

ونظر إليها.

 

ثم رفع رأسه نحونا ببطء.

 

وقال:

 

“نادر بعت صورة.”

 

“صورة إيه؟”

 

ابتلع ريقه.

 

ثم أدار الهاتف نحونا.

 

فشهقت أمي.

 

وتجمد كريم.

 

أما أنا…

 

فشعرت أن قلبي توقف.

 

لأن الصورة كانت لياسمين.

 

مقيدة.

 

وخلفها شاشة إلكترونية كبيرة.

 

وعليها عد تنازلي.

 

47 ساعة… و12 دقيقة.

 

وفي أسفل الصورة كانت هناك رسالة قصيرة:

 

“هاتوا لي بنتي… وخدوا ياسمين.”

 

انتهى الفصل السابع.

 

الفصل الأخير

 

لم أعد أشعر بشيء.

 

لا خوف.

 

لا صدمة.

 

لا حتى غضب.

 

كأن عقلي وصل إلى مرحلة لم يعد قادرًا فيها على استقبال المزيد.

 

طوال أسبوع واحد فقط اكتشفت أن زوجي كان يخفي أسرارًا مرعبة.

 

وأن رجلًا ميتًا ما زال حيًا.

 

وأن حياتي كلها كانت قائمة على نصف حقيقة.

 

والآن…

 

أكتشف أن الرجل الذي يطاردني ويحاول قتلي هو أبي الحقيقي.

 

نظرت إلى أبي…

 

أو الرجل الذي رباني.

 

الرجل الذي حملني وأنا طفلة.

 

والذي كان يحضر حفلات مدرستي.

 

والذي سهر بجواري عندما كنت أمرض.

 

والذي بكى يوم زفافي.

 

بالنسبة لي…

 

كان هو أبي.

 

وسيظل كذلك مهما حدث.

 

جلست بجواره.

 

وأمسكت يده.

 

ثم قلت بهدوء:

 

“إنت أبويا.”

 

وانفجر الرجل بالبكاء.

 

لأول مرة في حياتي أراه يبكي بهذه الطريقة.

 

أما أمي فاحتضنتني بقوة.

 

وقالت:

 

“إحنا كنا خايفين نخسرك.”

 

بعد ساعات طويلة من الكلام…

 

عرفت الحقيقة كاملة.

 

قبل أكثر من ثلاثين سنة كانت أمي تعمل مترجمة في إحدى الشركات الدولية.

 

وهناك تعرفت على نادر الرفاعي.

 

رجل وسيم.

 

ذكي.

 

وغني.

 

لكنها لم تكن تعرف أنه مجرم.

 

وعندما اكتشفت حقيقته حاولت الهرب.

 

كانت حاملًا بي وقتها.

 

ساعدها الرجل الذي رباني على الاختفاء.

 

وتزوجها رسميًا.

 

ورباني كابنته.

 

وظن الجميع أن نادر فقد أثرها للأبد.

 

حتى عاد الآن.

 

لكن السؤال الأهم كان:

 

لماذا؟

 

لماذا بعد كل هذه السنوات؟

 

أجاب فؤاد السعدني بنفسه.

 

لأن نادر مريض.

 

مرض نادر وخطير.

 

ولم يعد أمامه وقت طويل.

 

وكان يبحث عن وريث.

 

شخص يحمل اسمه.

 

ويستطيع السيطرة على الثروة الهائلة التي أخفاها لعقود.

 

لكن المفاجأة كانت أن كل أبنائه الآخرين ماتوا.

 

أو اختفوا.

 

أو خانوه.

 

ولم يتبقَّ غيري أنا.

 

وابنتي التي لم تولد بعد.

 

لهذا أصبحت هدفًا.

 

ولهذا اختُطفت ياسمين.

 

ولهذا طاردونا.

 

ولهذا دُمّرت حياتي.

 

بعد ساعات قليلة…

 

اتخذنا القرار.

 

لن نهرب بعد اليوم.

 

سنواجهه.

 

في صباح اليوم التالي…

 

أُرسلت جميع الملفات.

 

كل الأدلة.

 

كل العقود.

 

كل التسجيلات.

 

إلى الصحافة.

 

والنيابة.

 

والجهات المختصة.

 

وإلى عشرات الأشخاص في الوقت نفسه.

 

بحيث يستحيل إخفاؤها.

 

وبعدها بساعتين فقط…

 

بدأت العاصفة.

 

القنوات تتحدث.

 

المواقع تنشر.

 

الأسماء الكبرى تتساقط.

 

وشبكة كاملة بدأت تنهار.

 

أما نادر…

 

ففقد السيطرة لأول مرة منذ عقود.

 

وعند غروب الشمس…

 

وصلت الرسالة الأخيرة.

 

عنوان لمخزن مهجور خارج القاهرة.

 

وجملة واحدة.

 

“تعالي لو عايزة تشوفي ياسمين.”

 

رفض الجميع ذهابي.

 

لكنني ذهبت.

 

برفقة كريم.

 

وفؤاد.

 

وقوات الأمن التي كانت تراقب المكان من بعيد.

 

دخلنا المخزن.

 

وكان الظلام يملأه.

 

ثم خرج نادر من بين الظلال.

 

رأيته لأول مرة.

 

والدي الحقيقي.

 

رجل في أواخر الستينات.

 

ملامحه قوية.

 

لكن المرض كان واضحًا عليه.

 

نظر إليّ طويلًا.

 

طويلًا جدًا.

 

ثم ابتسم.

 

وقال:

 

“كبرتي.”

 

لم أجب.

 

اقترب خطوة.

 

“شبه أمك.”

 

ظللت صامتة.

 

ثم قلت:

 

“فين ياسمين؟”

 

ضحك بخفة.

 

وأشار إلى الخلف.

 

كانت موجودة.

 

حية.

 

مرهقة.

 

لكنها حية.

 

تنفست للمرة الأولى منذ ساعات.

 

ثم عاد ينظر إليّ.

 

وقال:

 

“أنا كنت هديكي كل حاجة.”

 

“المليارات.”

 

“الشركات.”

 

“الإمبراطورية كلها.”

 

نظرت إليه.

 

وقلت:

 

“وأنت فاكر إن دي حاجة أتمناها؟”

 

اختفت ابتسامته.

 

وأضافت:

 

“أنا طول عمري كنت محتاجة أب.”

 

“مش إمبراطورية.”

 

ساد الصمت.

 

صمت طويل.

 

ثم لأول مرة…

 

انكسرت ملامحه.

 

كأن الكلمات أصابته في مكان لم يستطع المال حمايته.

 

نظر إلى الأرض.

 

وقال بصوت خافت:

 

“تأخرت.”

 

أجبته:

 

“أيوه.”

 

“تأخرت جدًا.”

 

في الخارج بدأت أصوات سيارات الأمن تقترب.

 

وعرف نادر أن النهاية وصلت.

 

رفع رأسه نحوي للمرة الأخيرة.

 

ثم قال:

 

“احمي بنتك.”

 

“ومتخليهاش تدفع تمن أخطائك زي ما حصل معايا.”

 

وبعد دقائق…

 

انتهى كل شيء.

 

تم القبض على من تبقى من أفراد الشبكة.

 

وانهارت الإمبراطورية التي بُنيت على الخوف والفساد.

 

أما نادر…

 

فلم يقاوم.

 

كأنه كان متعبًا من الهروب أصلًا.

 

بعد ثلاثة أشهر…

 

كنت في غرفة الولادة.

 

أمسك يد أمي.

 

وأبي الذي رباني يقف بجواري.

 

وكريم يقف على الجانب الآخر.

 

وعندما سمعت صرخة طفلتي لأول مرة…

 

بكيت.

 

ليس من الألم.

 

بل من الراحة.

 

بعد كل ما حدث.

 

وصلت أخيرًا إلى هذه اللحظة.

 

أحضرتها الممرضة.

 

وضعتها بين ذراعي.

 

كانت صغيرة.

 

دافئة.

 

جميلة.

 

نظرت إليها.

 

وهمست:

 

“أهلاً يا حبيبتي.”

 

اقترب أبي الذي رباني.

 

وحملها برفق.

 

وكانت الدموع تملأ عينيه.

 

ثم سألته الممرضة مبتسمة:

 

“حضرتك جد البيبي؟”

 

ابتسم.

 

ونظر إليّ.

 

فابتسمت أنا أيضًا.

 

وأجبنا في اللحظة نفسها:

 

“أيوه.”

 

لأنه في النهاية…

 

الدم قد يصنع قرابة.

 

لكن الحب وحده هو الذي يصنع عائلة.

 

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *