تجاوزات حكايات اسما السيد ×5
الفصل العاشر
مرت الأسابيع الأخيرة من حملي ببطء شديد.
وكأن الزمن نفسه أصبح أثقل من المعتاد.
كانت حياتنا معلقة بين انتظارين.
انتظار ولادة طفلي.
وانتظار ظهور الحقيقة الأخيرة.
ورغم اختفاء سمر.
ورغم القبض على حسام.
وانكشاف دور سامح ونادر.
إلا أن شعورًا غامضًا ظل يرافق كريم.
شعور بأن هناك شيئًا ناقصًا.
قطعة أخيرة من الصورة لم تظهر بعد.
وفي كل مرة كان يقول ذلك كنت أظنه مجرد أثر من آثار الصدمة التي عاشها.
لكن الأيام أثبتت أنه كان محقًا.
في مساء أحد الأيام الممطرة كنت أجلس في غرفتي أرتب بعض الملابس الصغيرة الخاصة بالطفل.
أتأملها وأبتسم دون وعي.
كانت تلك أول لحظة هدوء حقيقية أشعر بها منذ سنوات.
لكنها لم تستمر طويلًا.
فجأة شعرت بألم حاد.
أقوى من أي ألم شعرت به من قبل.
سقطت قطعة الملابس من يدي.
وأمسكت بطرف السرير.
حاولت الوقوف.
لكن الألم ازداد.
صرخت دون أن أشعر.
فركضت أمي نحوي.
وبعد دقائق كان البيت كله في حالة ارتباك.
واتصلت أمي بكريم.
الذي وصل خلال وقت قياسي.
وعندما رآني أدرك فورًا أن لحظة الولادة قد بدأت.
في الطريق إلى المستشفى كان التوتر يملأ الجميع.
أما أنا فكنت أقاوم الألم بصعوبة.
وكان كريم يجلس بجانبي صامتًا.
لكنه لم يترك يدي للحظة واحدة.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أن الرجل الذي أحببته يومًا عاد للظهور من خلف كل الخراب.
وصلنا المستشفى.
ودخلت غرفة الولادة.
وبقي الجميع في الخارج.
مرت ساعات طويلة.
ساعات بدت كأنها عمر كامل.
وفي الخارج كان كريم يمشي ذهابًا وإيابًا كالمجنون.
أما أمه فكانت تبكي وتدعو.
وأبي يجلس صامتًا يقرأ القرآن.
ثم أخيرًا.
انفتح الباب.
وخرجت الطبيبة.
ابتسمت.
وقالت:
“مبروك.”
وفي اللحظة التالية امتلأ المكان بالدموع.
دموع راحة.
دموع فرح.
دموع نجاة.
رزقت بطفل جميل.
وحين حمله كريم بين ذراعيه للمرة الأولى بدا وكأنه يحمل العالم كله.
ظل ينظر إليه طويلًا.
ثم همس:
“سامحني.”
لم يكن يخاطب الطفل فقط.
بل نفسه أيضًا.
وكل الأخطاء التي ارتكبها.
لكن بينما كانت العائلة تحتفل بالمولود الجديد.
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
وصل إلى المستشفى رجل غريب.
طلب مقابلة كريم بشكل عاجل.
في البداية رفض الجميع.
لكن الرجل أصر.
وقال جملة جعلت كريم يوافق فورًا.
قال:
“الأمر يخص سمر.”
خرج كريم معه إلى غرفة جانبية.
وكان الرجل يحمل حقيبة جلدية قديمة.
جلس أمامه.
ووضع الحقيبة على الطاولة.
ثم قال:
“أنا محامي عادل.”
تجمد كريم مكانه.
وأكمل الرجل:
“قبل وفاة عادل سلمني أمانة.”
فتح الحقيبة.
وأخرج مجموعة ملفات ورسائل قديمة.
ثم وضع أمامه ظرفًا مغلقًا.
وقال:
“ده مكتوب عليه اسمك.”
فتح كريم الظرف ببطء.
وبدأ يقرأ.
وكانت الرسالة بخط يد عادل نفسه.
لكن محتواها هذه المرة مختلف تمامًا عن كل ما سمعه سابقًا.
اعترف الرجل في الرسالة أنه كذب على ابنته سنوات طويلة.
وأنه ملأ قلبها بالكراهية.
وأنه جعلها تعيش عمرها كله داخل قصة انتقام وهمية.
ثم كتب جملة أوقفت أنفاس كريم:
“سمر لم تكن تعرف الحقيقة كاملة.”
واصل القراءة.
واتضح أن عادل نفسه اكتشف قبل وفاته أن كثيرًا مما كان يعتقده عن عائلة كريم لم يكن صحيحًا.
لكنه كان قد تأخر كثيرًا.
وكان المرض قد أنهكه.
ولم يجد الشجاعة ليواجه ابنته بالحقيقة.
لذلك ترك الرسالة.
أما المفاجأة الأكبر فكانت في آخر صفحة.
حيث كشف عن مكان سمر.
وعنوان كانت تعيش فيه منذ أسابيع.
رفع كريم رأسه في صدمة.
وسأل المحامي:
“هي هناك دلوقتي؟”
هز الرجل رأسه.
وقال:
“أيوه.”
ظل كريم صامتًا للحظات.
ثم نظر من خلال زجاج الغرفة إلى المولود الصغير الذي كانت الممرضات يعتنين به.
وفكر طويلًا.
في الماضي.
وفي الحاضر.
وفي كل ما خسره.
ثم اتخذ قرارًا.
قرارًا لم يتوقعه أحد.
قرر أن يذهب لمقابلة سمر مرة أخيرة.
ليس للانتقام.
ولا للمحاسبة.
بل لإنهاء كل شيء.
ولمعرفة الحقيقة كاملة.
وفي صباح اليوم التالي.
ترك المستشفى لساعات قليلة.
وانطلق إلى العنوان المكتوب في الرسالة.
كان منزلًا صغيرًا على أطراف مدينة هادئة.
توقف أمام الباب.
ثم طرقه.
انتظر.
ثوانٍ.
ثم فُتح الباب ببطء.
وظهرت سمر.
لكنها لم تكن المرأة التي عرفها.
لم تكن المتكبرة.
ولا المخادعة.
ولا الباحثة عن الانتقام.
بدت مكسورة.
مرهقة.
وشاحبة بصورة صادمة.
وقفت تنظر إليه طويلًا.
ثم قالت بهدوء:
“عرفت الحقيقة؟”
لم يجب.
فابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
“أنا كمان عرفتها متأخر.”
وفي تلك اللحظة بدأت آخر مواجهة بين الماضي والحقيقة.
المواجهة التي ستكشف كل ما تبقى من الأسرار المدفونة منذ أكثر من عشرين عامًا.
يتبع…الفصل الحادي عشر والأخير
وقف كريم أمام الباب ينظر إلى سمر.
ولأول مرة منذ عرفها لم يرَ تلك الثقة المستفزة في عينيها.
لم يرَ المرأة التي كانت تتحكم في الجميع.
ولم يرَ الشخص الذي قلب حياته رأسًا على عقب.
بل رأى إنسانة منهكة.
تبدو وكأنها خسرت معركتها الأخيرة قبل أن تبدأ.
تنحّت جانبًا بصمت.
فدخل.
كان المنزل صغيرًا جدًا.
بسيطًا.
يكاد يخلو من الأثاث.
بعيدًا تمامًا عن الصورة التي رسمها لها في ذهنه طوال الشهور الماضية.
جلست سمر على مقعد خشبي قديم.
وبقيت تنظر إلى الأرض للحظات.
ثم قالت:
“عارف إيه أصعب حاجة؟”
لم يجب.
فأكملت:
“إنك تكتشف إن عمرك كله كان مبني على كذبة.”
ساد الصمت.
ثم رفعت رأسها.
وقالت:
“أنا كنت بصدق أبويا.”
وأخذت تحكي.
منذ طفولتها وهي تسمع قصة واحدة.
أن عائلة كريم دمرت والدها.
أنهم سرقوا مستقبله.
وأنهم السبب في كل ما حدث له.
كبرت وهي تحمل هذا الحقد.
حتى أصبح جزءًا من شخصيتها.
وحين عرض عليها والدها التقرب من كريم لم تتردد.
كانت ترى نفسها صاحبة حق.
وترى ما تفعله انتقامًا مشروعًا.
لكن قبل وفاة والدها بأشهر قليلة اكتشف الحقيقة.
اكتشف أنه كان مخطئًا.
وأن كثيرًا مما اعتقده لم يكن صحيحًا.
وأنه نقل لابنته كراهية لم يكن لها أساس.
لكن الوقت كان قد فات.
قالت سمر وهي تمسح دموعها:
“لما عرفت الحقيقة حسيت إني ضيعت عمري.”
نظر إليها كريم طويلًا.
لم يكن يبرر ما فعلته.
ولم يكن يعفو عنها.
لكنه لأول مرة فهم كيف وصلت إلى ما وصلت إليه.
قال بهدوء:
“كان عندك فرصة توقفي.”
هزت رأسها.
وقالت:
“عارفة.”
ثم أضافت:
“بس الكراهية لما تكبر جوه الإنسان بتعميه.”
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم أخرجت ملفًا صغيرًا من درج قريب.
ووضعته أمامه.
وقالت:
“ده كل اللي عندي.”
فتح الملف.
فوجد بداخله مستندات وأوراقًا وأدلة تكشف كل من شاركوا في المؤامرة منذ بدايتها.
حسام.
سامح.
نادر.
وأسماء أخرى أقل تأثيرًا.
ثم قالت:
“خدهم.”
رفع رأسه باستغراب.
فأكملت:
“أنا تعبت.”
وبدا لأول مرة أنها صادقة تمامًا.
غادر كريم المنزل بعد ساعات طويلة.
وحمل معه الملف.
ومع الملف حمل نهاية فصل كامل من حياته.
بعد ذلك بأسابيع بدأت الأمور تستقر تدريجيًا.
تمت محاسبة كل من تورط في الأذى والخداع وفق القانون.
وانقطعت آخر الخيوط التي ربطت العائلة بالماضي المؤلم.
أما سمر فاختارت الرحيل بعيدًا.
اختفت من حياتهم كما ظهرت فيها.
ولم يحاول أحد البحث عنها.
كان الجميع يريد إغلاق ذلك الباب إلى الأبد.
أما أم كريم فقد كرست ما بقي من عمرها لتعويض ما أفسدته.
لم تكن تمر أيام كثيرة دون أن تزور حفيدها.
كانت تحمله بين ذراعيها وتبكي أحيانًا حين تظن أن لا أحد يراها.
وكثيرًا ما كانت تقول:
“ربنا اداني فرصة أصلح غلطي قبل ما أموت.”
أما كريم فقد بدأ رحلة طويلة لاستعادة نفسه.
لم يكن الطريق سهلًا.
فبعض الخسائر لا تُعوض بسرعة.
والثقة إذا انكسرت تحتاج سنوات لتعود.
لكنه لم يتوقف.
كان يذهب إلى عمله.
ويهتم بابنه.
ويحاول أن يصبح رجلًا أفضل من الذي كان عليه.
أما أنا فقد كنت أراقب كل ذلك من بعيد.
لم أنسَ ما حدث.
ولم تختفِ الجروح فجأة.
لكنني رأيت التغيير الحقيقي.
رأيته في الأفعال لا الكلمات.
وفي المواقف لا الوعود.
مرت سنة كاملة.
ثم سنتان.
وكبر طفلنا.
وأصبح يملأ البيت ضحكًا وحياة.
وفي يوم من الأيام كان يلعب في الحديقة بينما كنت أراقبه من بعيد.
فجاء كريم وجلس إلى جواري.
ساد الصمت بيننا لبعض الوقت.
ثم قال:
“عارفة؟”
التفت نحوه.
فابتسم وقال:
“أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي إني ضيعت الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتحبني بصدق.”
لم أرد.
فأكمل:
“وأكتر حاجة اتعلمتها إن الإنسان ممكن يخسر كل حاجة لما يصدق أوهامه أكتر من الناس اللي بتحبه.”
نظرت إلى طفلنا وهو يركض في الحديقة.
ثم نظرت إليه.
كان مختلفًا.
حقًا مختلفًا.
ليس لأنه أصبح كاملًا.
فلا أحد كامل.
بل لأنه تعلم.
وتألم.
وفهم قيمة ما كان يملكه.
ابتسمت بهدوء.
فابتسم هو الآخر.
ولم نحتج إلى كلمات كثيرة بعدها.
لأن بعض النهايات لا تأتي بصوت مرتفع.
بل تأتي بهدوء.
بعد أن يمر الإنسان بكل ما ظن أنه لن ينجو منه.
وبعد أن يتعلم أن الحب وحده لا يكفي.
وأن الثقة كنز.
وأن الكراهية إذا سكنت قلبًا دمرت صاحبها قبل أن تدمر غيره.
وهكذا انتهت الحكاية.
حكاية بدأت بحب كبير.
ثم مرت بالخيانة والضياع والندم.
لكنها انتهت بالشيء الوحيد الذي كان الجميع يحتاجه منذ البداية.
الحقيقة.
تمت.
