الم الفراق حكايات اسما ×4
مرت الشهور التالية بهدوء لم تعتد عليه ياسمين.
هدوء غريب.
وكأن الحياة التي كانت تحاربها طوال السنوات الماضية قررت أخيرًا أن تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.
آدم لم يحاول استعجال شيء.
لم يطلب العودة إليها.
ولم يضغط عليها.
ولم يستغل حب عمر له.
كان فقط يفي بوعده.
كل أسبوع.
كل يوم تقريبًا.
كل اتصال.
كل مناسبة.
كان موجودًا.
وعمر بدأ يتعلق به أكثر فأكثر.
في صباح أحد الأيام.
كانت ياسمين تحضر الإفطار.
بينما كان عمر يجلس على الطاولة يرسم.
وفجأة قال:
“ماما.”
“نعم؟”
“لما اتولدت… بابا كان فين؟”
توقفت يدها فوق كوب الشاي.
ذلك السؤال الذي كانت تعرف أنه سيأتي يومًا.
لكنها لم تكن مستعدة له.
قبل أن تجيب دخل آدم من الباب.
كان قد أحضر بعض الحلوى لعمر قبل المدرسة.
وسمع السؤال.
فتجمد مكانه.
أما عمر فكرر:
“بابا كان فين؟”
ساد الصمت.
ثم تقدم آدم ببطء.
ووضع الحلوى على الطاولة.
وجلس أمام ابنه.
وقال:
“كنت بعيد.”
سأل عمر:
“ليه؟”
نظر آدم إلى ياسمين.
ثم عاد بعينيه إلى الطفل.
وأجاب بالحقيقة كاملة:
“لأني غلطت.”
“غلطت إزاي؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال:
“جرحت مامتك.”
صمت عمر.
“جامد؟”
أومأ آدم.
“جامد جدًا.”
“عشان كده مشيت؟”
هز رأسه.
“آه.”
ظل الطفل يفكر لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
“يعني ماما كانت زعلانة منك؟”
“آه.”
“وأنت زعلان دلوقتي؟”
ابتسم آدم بحزن.
“كل يوم.”
فكر عمر مرة أخرى.
ثم قال شيئًا لم يتوقعه أحد.
“يبقى لازم تعوضها.”
كادت ياسمين تضحك.
أما آدم فقال:
“بحاول.”
رد عمر بثقة:
“يبقى حاول أكتر.”
في تلك الليلة.
بعد أن نام عمر.
وقفت ياسمين في الشرفة.
وكان البحر هادئًا كعادته.
فخرج آدم ولحق بها.
وقف بجوارها.
دون أن يقترب أكثر من اللازم.
ودون أن يتكلم.
حتى قالت هي:
“شكراً.”
نظر إليها باستغراب.
“على إيه؟”
“إنك قلت الحقيقة.”
ابتسم بخفة.
“لأول مرة الحقيقة أسهل من الكذب.”
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
“أنا كنت متخيلة إني لما أشوفك تاني هكرهك.”
التفت إليها.
“وبعدين؟”
تنهدت.
“طلع الموضوع أعقد من كده.”
أخفض رأسه.
لأنه فهم.
بعض المشاعر لا تموت.
لكنها تتغير.
تتعب.
تتشوه.
ثم تعود بشكل مختلف.
بعد أسبوعين.
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
كانت عائلة المنصوري تقيم حفلاً كبيرًا في القاهرة.
احتفالًا بإطلاق مشروع جديد.
دعوات لرجال أعمال.
وشخصيات مهمة.
وصحافة.
كالعادة.
لكن هذه المرة حدث شيء مختلف.
لأول مرة منذ سنوات.
رفض آدم حضور الحفل.
حتى اتصلت به عمته نادية بنفسها.
نفس المرأة التي كانت سببًا في كل شيء.
قالت بغضب:
“يعني هتحرج العيلة كلها؟”
أجاب بهدوء:
“لا.”
“أمال؟”
“هحضر.”
تنفست براحة.
لكنها لم تكن تعرف ما سيأتي.
في مساء الحفل.
امتلأت القاعة بالضيوف.
والكاميرات.
والتصفيق.
وصعد آدم إلى المنصة.
وألقى كلمته المعتادة.
عن النجاح.
والاستثمار.
والمستقبل.
ثم توقف فجأة.
وقال:
“بس قبل ما أنهي كلامي…”
ساد الصمت.
وأكمل:
“في اعتذار لازم أقوله.”
بدأ الحضور يتبادل النظرات.
أما نادية فشعرت بالقلق.
ثم قال آدم أمام الجميع:
“من سنين طويلة ظلمت إنسانة كانت تستحق الاحترام أكتر من أي شخص موجود هنا.”
شحب وجه عمته.
وأكمل:
“وخسرت بسبب غروري أكبر نعمة ممكن ربنا يرزق بيها أي راجل.”
القاعة كلها كانت تنصت.
أما نادية فبدأت تفهم.
متأخرة جدًا.
ثم رفع آدم رأسه.
وقال بوضوح:
“ابني.”
تجمدت القاعة.
وسقطت الأكواب من أيدي بعض الحضور.
أما نادية فجلست مكانها كأن أحدهم صفعها.
وأكمل آدم:
“النهارده أنا فخور إني أب.”
ثم أضاف:
“وفخور أكتر بأم ابني.”
وفي الصفوف الخلفية.
كانت ياسمين واقفة.
لم تكن تنوي الحضور أصلًا.
لكنها جاءت في اللحظة الأخيرة.
وبجوارها عمر.
الذي كان يمسك يدها.
وينظر إلى المنصة بفخر.
ثم صرخ فجأة بأعلى صوته:
“ده بابا!”
انفجرت القاعة بالضحك.
وتحول التوتر إلى تصفيق.
أما آدم.
فابتسم لأول مرة دون خوف.
لأن ابنه لم يعد سرًا.
ولأن المرأة التي أحبها لم تعد شيئًا يخجل منه.
بل أصبحت الشيء الوحيد الذي يفتخر بأنه خسره يومًا…
ثم قضى سنوات عمره يحاول استعادته.
وكانت تلك بداية فصل جديد.
ليس لأن الماضي اختفى.
بل لأنهم أخيرًا توقفوا عن الهروب منه.
استمر التصفيق لثوانٍ طويلة.
لكن آدم لم يسمع شيئًا.
كل ما كان يراه هو ياسمين.
واقفة في آخر القاعة.
تمسك يد عمر.
تنظر إليه بعينين امتلأتا بالدموع.
ليست دموع حب.
وليست دموع حزن.
بل دموع شخص انتظر سنوات طويلة حتى يرى الحقيقة تُقال أمام الجميع.
دون خوف.
ودون خجل.
ودون أن يضطر لإخفاء نفسه.
بعد انتهاء الحفل.
كان عمر أول من ركض نحوه.
قفز بين ذراعيه وهو يضحك.
وقال بفخر:
“كل الناس عرفوا إني ابنك.”
ضحك آدم واحتضنه بقوة.
قوة جعلت عمر يصرخ:
“براحة يا بابا!”
توقفت أنفاس آدم للحظة.
بابا.
قالها بشكل طبيعي.
بسيط.
عفوي.
لكنها كانت أول مرة يسمعها منه.
أول مرة في حياته.
شعر بشيء ساخن يحرق عينيه.
فأخفى وجهه في شعر ابنه حتى لا يراه أحد يبكي.
أما نادية المنصوري فكانت تراقب المشهد من بعيد.
شاحبة.
صامتة.
لأول مرة منذ سنوات لم تجد كلمات تدافع بها عن نفسها.
لأنها رأت النتيجة بعينيها.
رأت الطفل.
ورأت تعلقه بأبيه.
ورأت كيف كانت ياسمين تقف بجوارهما.
هادئة.
قوية.
بعيدة عن الصورة التي رسمتها لها طوال تلك السنوات.
اقتربت ببطء.
حتى وقفت أمام ياسمين.
ساد الصمت بينهما.
ثقيلاً.
مؤلماً.
ثم قالت نادية أخيرًا:
“أنا آسفة.”
رفعت ياسمين عينيها إليها.
كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
لكنها لم تشعر بالانتصار.
فقط بالتعب.
قالت نادية بصوت مكسور:
“أنا ظلمتك.”
لم ترد ياسمين.
فأكملت:
“وكنت سبب في اللي حصل.”
أخذت نفسًا مرتجفًا.
“ولو الزمن رجع…”
قاطعتها ياسمين بهدوء:
“الزمن مش بيرجع.”
سكتت نادية.
ثم أومأت برأسها.
لأنها عرفت أن بعض الأخطاء لا يمحوها الاعتذار.
مرت ستة أشهر أخرى.
وأصبح وجود آدم في حياة عمر أمرًا طبيعيًا.
يوصله للمدرسة أحيانًا.
يحضر مبارياته.
يساعده في المشاريع المدرسية.
ويتلقى منه مئات الأسئلة الغريبة يوميًا.
وفي إحدى الليالي.
كانوا يجلسون جميعًا على العشاء.
حين قال عمر فجأة:
“أنا عندي مشكلة.”
تبادل آدم وياسمين النظرات.
وقالا معًا:
“إيه هي؟”
ابتسم الصغير.
“إنتوا محتاجين تتجوزوا.”
شرق آدم بالماء.
أما ياسمين فوضعت الشوكة ببطء.
وقالت:
“عمر!”
لكن الطفل أكمل وكأنه يناقش مسألة رياضيات.
“كل أصحابى أبوهم وأمهم عايشين مع بعض.”
قال آدم بحذر:
“الموضوع مش بالسهولة دي.”
رد عمر فورًا:
“ليه؟”
لم يجد أحد إجابة سهلة.
لأن الحقيقة كانت أعقد مما يمكن لطفل أن يفهمه.
سنوات من الألم.
وسنوات من الغياب.
وسنوات من فقدان الثقة.
لا تُحل بكلمة واحدة.
لكن تلك الليلة.
بعد أن نام عمر.
جلس آدم في الشرفة.
كعادته.
وكان البحر أمامه هادئًا.
فخرجت ياسمين وجلست على الكرسي المقابل.
وبقي الصمت بينهما دقائق طويلة.
حتى قال آدم:
“هو عنده حق.”
رفعت حاجبها.
“في إيه؟”
ابتسم.
“إننا بنهرب.”
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
“وأنت شايف إن كل حاجة بقت سهلة؟”
هز رأسه.
“لا.”
“الثقة بترجع بسهولة؟”
“لا.”
“والوجع بينسى؟”
“لا.”
سكتت.
فأكمل بهدوء:
“بس أنا بقيت شخص مختلف.”
نظرت إلى البحر.
ولم تجب.
فقال:
“وأنتِ كمان.”
مرت لحظات طويلة.
ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.
علبة قديمة.
مهترئة الأطراف.
نظر إليها وقال:
“فاكرة دي؟”
فتحتها ياسمين ببطء.
وتجمدت.
داخلها كان الحذاءان الصغيران.
الأصفران.
نفس الحذاءين.
الذين حملتهما يوم غادرت.
شهقت.
“إنت لقيتهم؟”
أومأ.
“بعد ما مشيتي بأيام.”
ارتجفت أصابعها فوق القطن القديم.
وسقطت دمعة على الحذاء.
أما آدم فقال بصوت منخفض:
“احتفظت بيهم كل السنين دي.”
رفعت رأسها نحوه.
وكانت هذه أول مرة منذ سنوات طويلة تنظر إليه دون غضب.
ودون دفاعات.
فقط تنظر.
كما كانت تفعل قديمًا.
في اليوم التالي.
استيقظ عمر مبكرًا.
وخرج من غرفته.
ثم توقف فجأة.
لأن المنظر أمامه كان غريبًا.
كانت أمه نائمة على الأريكة.
وآدم نائم على الكرسي المقابل.
وكلاهما غلبه النوم أثناء الحديث.
ابتسم عمر.
ابتسامة واسعة جدًا.
ثم عاد إلى غرفته.
وأخرج هاتفه الصغير.
وكتب رسالة إلى صديقه:
“أعتقد إن الخطة نجحت.”
ورد صديقه فورًا:
“أي خطة؟”
كتب عمر بفخر:
“خطة إصلاح الكبار.”
ثم أغلق الهاتف.
وعاد بهدوء.
وجلس بينهما.
ينتظر استيقاظهما.
وهو يشعر للمرة الأولى في حياته…
أن عائلته أصبحت كاملة أخيرًا.
يتبع
