بعد ٢٧ سنه جواز حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثاني

 

ساد الصمت في الصالة.

 

أنا كنت ببص لمحمود.

 

وهو كان باصص للرجل اللي واقف على الباب كأنه شاف شبح.

 

قال بصوت متقطع:

 

“عبد الرحمن سالم… مستحيل.”

 

ابتسم الرجل بهدوء.

 

“واضح إنك فاكره كويس.”

 

محمود ابتدى يتوتر بشكل ملحوظ.

 

لأول مرة من يوم عرفته…

 

شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

 

طلبت من الرجل يدخل.

 

دخل وقعد بهدوء، وفتح حقيبته الجلدية.

 

طلع منها ملف قديم جدًا.

 

كان لونه أصفر من الزمن.

 

وقال وهو بيحطه قدامي:

 

“قبل ما والد حضرتك يتوفى بشهور، طلب مني أحتفظ بالملف ده.”

 

بصيت باستغراب.

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“لأنه كان شاكك.”

 

قلبي دق بعنف.

 

“شاكك في إيه؟”

 

رد:

 

“كان شاكك إن محمود بيحاول يستولى على الشركة.”

 

لفيت ناحية محمود.

 

كان ساكت.

 

ولا اعترض.

 

ولا نفى.

 

فتح المحامي الملف.

 

طلع عقد تأسيس الشركة.

 

وأول صفحة كانت واضحة جدًا.

 

اسم والدي…

 

قبل اسم محمود.

 

ونسبة الملكية…

 

خمسين في المية لكل واحد.

 

قال المحامي:

 

“والدك هو اللي دفع أول رأس مال.”

 

طلع كشف تحويلات بنكية.

 

وشيكات.

 

وإيصالات.

 

كلها باسم أبويا.

 

قال:

 

“كل ده كان متوثق.”

 

أنا كنت ببص للأوراق ودموعي بتنزل.

 

أبويا طول عمره كان بيقول:

 

“خلي بالك من حقك.”

 

وأنا كنت بفتكر إنه بيقصد الذهب.

 

أو الشقة.

 

طلع يقصد الشركة.

 

بصيت لمحمود.

 

“ليه؟”

 

سكت.

 

كررت السؤال.

 

“ليه عملت كده؟”

 

أخيرًا اتكلم.

 

لكن مش بالإجابة اللي توقعتها.

 

قال:

 

“لأنها كانت هتضيع.”

 

استغربت.

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“أبوك كان طيب زيادة.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“فزوّرت توقيعه؟”

 

سكت.

 

وده كان اعتراف.

 

المحامي قال بهدوء:

 

“في حاجة لسه حضرتك ما تعرفيهاش.”

 

فتح ظرف صغير.

 

وسلمني مفتاحًا ذهبيًا.

 

استغربت.

 

“ده إيه؟”

 

قال:

 

“خزنة.”

 

“فين؟”

 

“في فرع البنك اللي والد حضرتك كان بيتعامل معاه.”

 

سألته:

 

“وجواها إيه؟”

 

قال:

 

“وصية.”

 

اتسعت عيني.

 

“وصية؟”

 

هز رأسه.

 

“وأمرني ما تتفتحش إلا لو حصل نزاع بينك وبين محمود.”

 

بصيت لمحمود.

 

كان واضح إنه يعرف بوجودها.

 

لأنه غمض عينه في استسلام.

 

بعد ساعة…

 

وصلنا البنك.

 

مدير الفرع بنفسه خرج يستقبلنا.

 

واضح إنه كان مستني اليوم ده من سنين.

 

فتح الخزنة.

 

طلع صندوق معدني صغير.

 

جواه ظرف أبيض.

 

وعليه بخط أبويا:

 

“لبنتي نادية.”

 

إيديا كانت بتترعش.

 

فتحت الظرف.

 

لقيت رسالة.

 

بدأت أقرأ بصوت عالي.

 

“يا بنتي…

 

لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى للأسف شكي طلع في مكانه.

 

أنا بثق في محمود كشخص…

 

لكن مبقتش بثق في طموحه.

 

ولو حاول يومًا ياخد حقك…

 

اعرفي إن الحقيقة كاملة مش هنا.

 

الحقيقة موجودة في الدفتر الأسود.”

 

رفعت عيني.

 

“دفتر أسود؟”

 

المحامي ابتسم.

 

وقال:

 

“كنت مستني الجملة دي.”

 

فتح الحقيبة.

 

وأخرج دفترًا جلديًا أسود قديم.

 

وقال:

 

“ده كان عندي بالأمانة.”

 

أول صفحة كانت مكتوب فيها بخط والدي:

 

“كل قرش دخل الشركة من أول يوم.”

 

قلبت الصفحات.

 

كل التحويلات.

 

كل العقود.

 

كل الشركاء.

 

كل حاجة.

 

لكن في آخر صفحة…

 

كان فيه سطر واحد فقط.

 

“لو محمود خانك يومًا…

 

بلغي الأستاذ عبد الرحمن فورًا.

 

لأن فيه مستند أخير…

 

هيغير كل حاجة.”

 

بصيت للمحامي بسرعة.

 

قلت:

 

“فين المستند؟”

 

ابتسم.

 

وأخرج مظروفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

 

وقال:

 

“معايا.”

 

لكن قبل ما يفتحه…

 

دخل موظف البنك مسرعًا وهو بيقول بقلق:

 

“يا فندم…

 

فيه لجنة من الرقابة المالية وصلت حالًا…

 

ومعاهم أمر قضائي بتجميد كل أسهم شركة الشاذلي.”

 

في اللحظة دي…

 

لفيت أبص لمحمود.

 

كان واقف مستند على الحائط.

 

وشه شاحب.

 

ولأول مرة…

 

الراجل اللي سابني لأنه شايفني “بقيت مهملة”…

 

كان هو اللي فقد كل حاجة في لحظة واحدة.

الفصل الثالث

 

فضل محمود واقف مكانه كأنه اتسحب منه الهواء.

 

أول مرة أشوف الراجل اللي كان دايمًا واثق من نفسه بالشكل ده.

 

مدير البنك بص للمحامي وقال:

 

“اللجنة مستنياكم فوق.”

 

المحامي قفل المظروف الأحمر وحطه في شنطته.

 

وبصلي.

 

وقال:

 

“تعالي معايا.”

 

أما محمود فحاول يمشي وراينا.

 

لكن أحد أفراد اللجنة وقفه.

 

وقال باحترام:

 

“حضرتك ممنوع تغادر لحد انتهاء المراجعة.”

 

بصلي محمود نظرة عمرها ما خرجت من دماغي.

 

نظرة كلها رجاء.

 

لكن بعد كل اللي عمله…

 

ماقدرتش أحس بأي شفقة.

 

طلعنا الدور الخامس.

 

دخلنا قاعة اجتماعات كبيرة.

 

كان فيها سبعة أشخاص.

 

محاسبين.

 

ومستشارين.

 

ورئيس اللجنة.

 

أول ما دخل المحامي، حط المظروف الأحمر على الترابيزة.

 

وقال:

 

“ده آخر مستند تركه الأستاذ حسن منصور.”

 

رئيس اللجنة فتح المظروف بحذر.

 

طلع عقد واحد فقط.

 

لكن أول ما قرأ أول سطر فيه…

 

رفع عينه بسرعة.

 

وقال:

 

“إزاي العقد ده ما اتسجلش؟”

 

المحامي رد بهدوء:

 

“لأن الأستاذ حسن قال إنه هيسجله لما بنته تستقر في حياتها.”

 

بصيت للعقد.

 

وكانت الصدمة.

 

العقد بينص على إن نصيب والدي في الشركة بعد وفاته…

 

ينتقل مباشرة ليا.

 

مش للورثة كلهم.

 

ومش لمحمود.

 

ولأن العقد كان موثق عند الشهر العقاري وممهور بتاريخ سابق على كل العقود اللي محمود استخدمها…

 

بقت كل التنازلات اللي بعده محل شك.

 

رئيس اللجنة بص للمحاسب.

 

وقال:

 

“ابدأوا المراجعة من أول يوم.”

 

—

 

المراجعة استمرت أسبوعين.

 

وأنا كل يوم كنت بروح.

 

كل يوم كانوا يكتشفوا حاجة جديدة.

 

تحويلات غريبة.

 

شركات بأسماء أقارب.

 

عقارات اتسجلت بعيد عن الدفاتر.

 

ومبالغ خرجت باعتبارها “مصروفات تشغيل.”

 

لكن الحقيقة…

 

كانت فلوس اشترى بيها فيلا.

 

وشاليه.

 

وعربيتين.

 

وفي نهاية الأسبوع التاني…

 

استدعوني.

 

دخلت المكتب.

 

لقيت رئيس اللجنة مبتسم.

 

وقال:

 

“مبروك.”

 

استغربت.

 

“على إيه؟”

 

ناولني تقريرًا سميكًا.

 

وقال:

 

“بعد الفحص… ثبت إن ليكي حقوق مالية في الشركة لم يتم صرفها من خمسة عشر سنة.”

 

بصيت في آخر الصفحة.

 

كان مكتوب رقم.

 

ولما قريته…

 

افتكرت إني بتهيألي.

 

أعدته تاني.

 

وتالت.

 

أكتر من ثمانية وأربعين مليون جنيه…

 

غير نصيبي الحالي في الشركة.

 

حسيت إني مش قادرة أتكلم.

 

أنا اللي خرجت من البيت بعد الطلاق ومعايا شنطة هدوم بس…

 

طلع حقي كان بالملايين.

 

—

 

في نفس اليوم…

 

رن تليفوني.

 

كان ابني.

 

قال بصوت متردد:

 

“ماما… بابا عايز يشوفك.”

 

قلت بهدوء:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“بيقول ضروري.”

 

وافقت.

 

مش علشانه.

 

لكن علشان أقفل آخر صفحة في الحكاية.

 

—

 

دخلت الكافيه.

 

لقيته قاعد لوحده.

 

أول ما شافني وقف.

 

كان شكله مختلف.

 

خس.

 

وشعره كله بقى أبيض تقريبًا.

 

قعدنا.

 

ولأول مرة…

 

هو اللي كسر الصمت.

 

قال:

 

“أنا غلطت.”

 

ما رديتش.

 

قال:

 

“سيبت أغلى إنسانة في حياتي.”

 

برضه ما اتكلمتش.

 

قال وهو بيبكي:

 

“الست التانية سابتني بعد شهر.”

 

ابتسمت ابتسامة هادئة.

 

مش شماتة.

 

لكن لأن القدر أحيانًا بيرد من غير ما حد يتكلم.

 

قال:

 

“أنا مستعد أرجع كل حاجة.”

 

بصيتله.

 

وقلت:

 

“اللي ضاع مش فلوس يا محمود.”

 

سكت.

 

“اللي ضاع سبعة وعشرين سنة من الثقة.”

 

دموعه نزلت.

 

قال:

 

“سامحيني.”

 

قلت بهدوء:

 

“أنا سامحتك من يوم ما خرجت من البيت.”

 

رفع رأسه بسرعة.

 

افتكر إن فيه أمل.

 

لكن كملت كلامي.

 

“سامحتك علشان أعرف أعيش… مش علشان أرجع.”

 

اتكسر تمامًا.

 

—

 

بعد ستة شهور…

 

صدر الحكم النهائي.

 

إلغاء كل العقود المزورة.

 

إعادة حقوقي كاملة.

 

وإلزام محمود برد الأموال المستحقة للشركة.

 

وخسر منصبه كرئيس لمجلس الإدارة.

 

أما أنا…

 

فدخلت أول اجتماع بصفتي المالكة الجديدة لأكبر حصة في الشركة.

 

وقفت قدام الموظفين.

 

الناس اللي كنت بدخل لهم زمان كزوجة صاحب الشركة.

 

دلوقتي دخلت كرئيسة لمجلس الإدارة.

 

قلت بابتسامة:

 

“أنا مش جاية أنتقم من حد.”

 

“أنا جاية أصلح اللي اتكسر.”

 

وقف الجميع يصفق.

 

وفي آخر القاعة…

 

كان فيه كرسي فاضي.

 

الكرسي اللي كان محمود بيقعد عليه طول السنين.

 

بصيتله ثانيتين.

 

وبعدين بدأت أول اجتماع في حياتي.

 

وفي اللحظة دي…

 

فهمت إن أسوأ يوم في حياتي…

 

يوم ما قال لي:

 

“إنتِ بقيتِ مهملة.”

 

كان في الحقيقة…

 

أول يوم في حياتي الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *