حكايات روماني ×1

يوم فرحى بنتي شدت ديل فستان فرحي وقالتلي بصوت واطي ومخضوض: **”يا ماما، أنا شفت بابا عصام وخالي سيد بيعملوا حاجة وحشة أوي في الأوضة جوة.”** اللي عملته بعد الكلمتين دول، صدم الـ 200 معزوم اللي كانوا مالين قاعة الفرح.

 

بنتي “صابرين” كان عندها 5 سنين و8 شهور. كنت دايماً معلمها ومحبّرة عليها تنادي لجوزي الجديد باسمه “عصام” وبس.

“لا يا حبيبتي، متقوليلوش يا بابا.”

“بس هو هيبقى جوزك يا ماما وقاعد معانا في البيت.”

“برضه اسمه عمو عصام وبس.”

أبوها الغالي مات وسابها وهي عندها سنتين، ومكنتش عايزاها تحس ثانية واحدة إن في راجل غريب ممكن ياخد مكان أبوها في قلبها، لمجرد إني قررت ألبس فستان أبيض وأبدأ حياة جديدة عشان أستر نفسي وأربيها.

لكن في يوم فرحي، والـ 200 معزوم من الأهل والجيران في المنطقة بيصقفوا ويتفرجوا عليا وأنا زواقة ومبتسمة جنب الراجل اللي كنت فاكرة إنه جه يشيلنا ويعوضنا عن الأيام الصعبة، لقيت “صابرين” بتشد جيبونة الفستان الدانتيل من عند وسطي بكل قوتها.

همست وهي ركبها بتخبط في بعضها: **”يمّا..”**

وطيت ليها بسرعة على الرصيف وبقيت أعدل في الفستان وخايفة لتبهدل الطرحة أو تقع.

طوق الورد البلدي اللي على راسها كان مايل، وفردة جزمتها البيضا الصغيرة بتاعة الفرح كانت مخلوعة وضايعة وسط زحمة الناس.

قلتلها بخضة ولهفة: **”في إيه يا قلب أمك؟ مالك؟ حد زملك؟”**

### النظرة الخبيثة وسط الزفة

بصيت بعيني بعيد وسط القاعة..

“عصام” كان واقف جنب تورتة الفرح الكبيرة، بيضحك ويهزر بصوت عالي مع أخويا “سيد”.. الاتنين ماسكين كاسات الشربات بالورد في إيديهم وواقفين بنفخة كدابة، كأنهم خلاص ورثوا الدنيا وملكوا المكان باللي فيه.

“صابرين” غرزت صوابعها الصغيرة في قماش فستاني وقالت بصوت مخنوق بالدموع:

**”أنا شفت بابا الجديد وخالي سيد بيعملوا حاجة غلط أوي.. حاجة وحشة أوي يا ماما.”**

دي جي الفرح كان لسه مشغل أغاني شعبية عالية، والناس لسه بتاكل الجاتوه وتهيص وتزغرد..

جوزي الجديد رفع كاس الشربات لواحد صاحبه من المنطقة كان قاعد على التربيزة الكبيرة اللي قدام المنصة وبيضحك له بصفار.

حسيت بضحكتي اتجمدت على وشي، والدم هرب من عروقي وبقيت سسقعانة وسط الصهد.

قلتلها بصوت بيترعش: **”قصدك إيه يا صابرين؟ شفتيهم بيعملوا إيه يا بت؟”**

“صابرين” هزت راسها ودفنت وشها الصغير في حضني وهي متبهدلة:

**”هما زعقوا لي وقالولي لو نطقتي بكلمة هنرميكي في الشارع.. بس أنتِ يا ماما دايماً بتقوليلي متخافيش من حد وقوليلي على كل حاجة.”**

طمنتها وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني: **”صح يا روح وعمر أمك.. قوليلي ومتخافيش، كانوا بيعملوا إيه؟”**

### قلب الترابيزة.. المايك في إيدي والكل سامع

الكلام اللي “صابرين” قالهولي في ودني خلا دمي يتجمد في عروقي، وحسيت بنار قادت في قلبي. تلات ثواني بالعدد مكنتش سامعة فيهم زغروطة واحدة ولا دبة طبلة في القاعة، مكنتش سامعة غير صوت “تكة” كاميرا المصوراتي وهو بيلقط لنا صور واحنا واقفين كدة.

وفجأة.. لمحت أخويا “سيد” وهو عينه علينا ومراقبنا من بعيد. ملامح وشه اتغيرت فجأة وقلبت ألوان.. مكنتش نظرة أخ بيطمن على أخته، دي كانت نظرة تهديد ووعيد وكأنه بيقولي “إياكِ تتكلمي”!

“سيد” غمز “عصام” ولمس دراعه عشان ينبهه، فجوزي الجديد لف وشه وبصلي.. وبصلي بنفس الابتسامة الصفرا والملاوعة اللي بيلبسها دايماً قدام أهل الحتة عشان يقنع الناس إنه أجدع وأحن راجل في الدنيا وإنه شال عرض ولية يتيمة.

في اللحظة دي.. فقت.. فقت من الغفلة والوهم اللي كنت هرمي نفسي وبنتي فيه.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وقفت بطولي، وعدلت فستاني، ومشيت بخطوات تقيلة وثابتة هزت القاعة، وطلعت علطول على المسرح عند الدي جي، وسحبت الميكروفون من إيد الواد الـ DJ.. وعيني منزلتش من على “عصام” قدام الـ 200 معزوم اللي سكتوا فجأة ومستغربين.

وبعدين.. زعقت في المايك وبأعلى صوتي نطقت الجملة اللي خلت كاس الشربات يقع من إيد أخويا “سيد” ويتفرفش ميت حتة على بلاط القاعة!

 

## الجزء الثاني

الجملة اللي طلعت مني في المايك هزت جدران القاعة، وبترت صوت الضحك والزغاريد في ثانية واحدة، كأن سكين حامية قطعت حبل الفرح: **”الفرح ده مش هيكمل.. والراجل اللي واقف ملو هدومه ده، هو وأخويا، ميلزمونيش، وكل واحد يلم نقطته وياخد بعضه ويمشي من هنا!”**

الـ 200 معزوم اتسمروا في مكانهم، اللقمة وقفت في زور اللي بياكل، والهمهمات بدأت تعلى وتتردد في الصالة زي وش الدبابير. عيني كانت متبتة في عين “عصام” اللي وشه قلب ألوان، الشياطين بدأت تنط من عينيه، وأخويا “سيد” كاس الشربات وقع من إيده اتقسم ميت حتة، والشرار طلع من عينه وهو بيتحرك ناحية المسرح بخطوات سريعة وعروق رقبة نافرة.

“سيد” وصل عندي على المنصة، شد المايك من إيدي بعنف لدرجة إن صوابعي اتلوت، وزعق بصوت واطي ومكتوم وهو بيجز على سنانه:

“أنتِ اتجننتي يا بت؟ فضحتinternal وعملتي لينا فضيحة بجلاجل وسط أهل المنطقة! انزلي لمي الدور قبل ما أدفنكِ مكانك هنا!”

في اللحظة دي، “عصام” طلع وراه، ملامحه الإنسانية كانت اختفت تماماً، وبان الوش الحقيقي اللي كان مخبيه ورا قناع الجدعنة والشهامة. قرب مني ومسكني من دراعي بغل، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي:

“بقى أنا، عصام اللي الحتة كلها بتعمله ألف حساب، تبهدليه بالمنظر ده قدام الغريب والقريب؟ أنتِ باين عليكِ مبقتيش لازمة ليكي عيشة، انزلي قدامي على العربية!”

بصيت لـ “صابرين” اللي كانت واقفة بعيد، مرعوبة ودموعها مغرقة وشها وهي ماسكة في ديل الفستان المبهدل. النظرة دي خلت قلبي يتحول لحجر، والخوف اللي كان جوايا اتمحى تماماً ليحل محله غضب أم مستعدة تأكل الدنيا بأسناناها عشان تحمي ضناها.

نترت دراعي من إيد “عصام” بكل قوتي، وصرخت في وشهم والمايك لسه لقط صدى صوتي:

“مش هتحرك من هنا، والناس دي كلها لازم تعرف حقيقتكم! بنتي شافتكم.. شافتكم وأنتوا بتسرقوا! شافتكم جوة الأوضة وأنتوا بتفتحوا شنطة الدهب والفلوس اللي خالي سابهالي أمانة وبتخبوها في هدومكم! مش بس كدة.. ديتوا إيدكم عليها وهددتوها بالرمي في الشارع لو نطقت!”

القاعة كلها مقلبتش صمت، دي مقلبتش بركان. الناس بدأت تقف على الكراسي، والمعازيم من أهل المنطقة بدأوا يبصوا لبعض بذهول. “سيد” أخويا، السند اللي كان المفروض يحميني بعد موت جوزي، ظهر على حقيقته.. كان متفق مع “عصام” يجرجروني للجوازة دي عشان يحطوا إيدهم على الورث والقرشين اللي طالعة بيهم من شقى عمري ومؤخر الصداق اللي عمي شايلهولي.

“عصام” لما لقى المستور انكشف والناس بدأت تتوشوش وتتحرك ناحية المنصة، وشه بقى أصفر زي الليمونة. حاول يلعب لُعبة الشرف والكدب، فزعق في الناس:

” متصدقوش الكلام ده! الست دي عقلك طار منها من الصدمة، وبنتها عيلة صغيرة مش دريانة بحاجة! أنا سيد الناس ومخدش حاجة مش بتاعتي!”

لكن أخويا “سيد”، من خفته ورعشته، حط إيده على جيبه الداخلي للجاكيت من غير ما يحس عشان يتطمن على الفلوس والدهب. الحركة دي لمحتها عيون أعمامي وولاد حتتي اللي كانوا قاعدين. في ثواني، نزل عمي الكبير “الحاج مصطفى” من على التربيزة الكبيرة، ومشى بخطوات زي الرعد، ووراه ثلاثة من رجالة العيلة.

عمي وقف بيني وبينهم، وبص لـ “سيد” بنظرة تقطع النفس، وقال بصوت جهوري:

“حط إيدك في جيبك يا سيد.. طلع اللي جوة الجاكيت ده حالاً قدامنا كلنا، لو طلعت البت الصغيرة كدابة، حسابنا هيبقى بعدين، ولو طلعت صادقة.. يبقى ليلتكم مش فايتة.”

“عصام” حاول ينسحب لورا ويتحرك ناحية باب الخروج بتاع القاعة، لكن شباب المنطقة كانوا قفلوا الأبواب ووقفوا سادين السكة. الحصار قفل عليهم، والـ 200 معزوم اللي كانوا جايين يجاملوا، بقوا شهود على ليلة سقوط الأقنعة.

“سيد” بدأ يعرق ويرتعش، وبص لـ “عصام” يستنجد بيه، لكن “عصام” باع في ثانية وقال:

“أنا ماليش دعوة.. أخوها هو اللي فتح الأوضة وقالي تعالي نقسم!”

الجملة دي كانت الاعتراف الفاضح اللي نهى كل حاجة. عمي مد إيده ومسك “سيد” من رقبته، وطلّع من جيبه كيس القماش الأسود اللي فيه دهبي وفلوس بنتي اليتيمة. الصدمة كانت فوق احتمال أي حد؛ الأخ بيسرق أخته اليتيمة يوم فرحها مع الراجل اللي كان المفروض هيبقى سكن وأمان ليها!

وسط الزيطة وصريخ الستات وهجوم الرجالة عليهم عشان يلقنوهم درس مش هينسوه، أنا مابصيتش ورايا. نزلت من على المسرح، ولميت جيبونة فستاني الأبيض اللي اتمزق واصطبغ بتراب الأرض، ووطيت على الرصيف الداخلي للقاعة.. وشلت “صابرين” في حضني.

طوقت وشها الصغير بإيديا ودموعي بتنزل تغسل وشها، وقلتلها بصوت مخنوق بس قوي:

“مفيش خوف بعد النهاردة يا قلب أمك.. أنتِ سيدي وسيدهم كلهم، والبيت اللي هندخله مش هيكون فيه راجل غريب، أنا سندك وأنا ضهرك.”

خرجت من باب القاعة والناس مشغولة بالخناقة وتأديب الحرامية. مشيت في الشارع بفستان الفرح المبهدل، وفردة جزمتي مخلوعة، وشايلة بنتي على كتفي وسط نظرات المارة في الشارع.. مكنتش حاسة بالكسرة، كنت حاسة بنصر عظيم، لأن ربنا نجاني ونجى بنتي من وسط النار قبل ما نقفل علينا باب واحد.

تابع في الجزء الثالث والأخير…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *