حمايا العزيز روماني مكرم
حمايا قال ليا هو انت تحبل مراتك وانا اولدها على حسابى
حصل مشكله بيني وبين مراتي وهي حامل وراحت عند اهلها وبعد ٣ شهور ولدت المهم بعد ما ولدت ب ٤ شهور حصل ان ناس اتدخلت في الصلح وكده بس اهلها مصممين اني ادفع فلوس الولاده وانا رفضت لانها والده في بيتهم يبقي هما يتحملو المصاريف
يوم ما رن تليفوني بعد أربع شهور كاملة من ولادة ابني، كنت قاعد في الورشة لوحدي، والهدوء خانق المكان بشكل يخوف.
بصّيت للاسم اللي ظهر على الشاشة… “عم حسام”.
الراجل اللي كان شاهد على كتب كتابي.
ردّيت ببرود: — أيوه يا عم حسام.
صوته كان متردد: — خير يا ابني… إنت فاضي الليلة؟ عايزين نقعد قعدة صلح.
ضحكت بسخرية وأنا ماسك المفك بإيدي: — صلح؟ بعد إيه؟ بعد ما خدوا مراتي وهي حامل واستخبوا بيها كأني مجرم؟
سكت ثواني وقال: — البنت ولدت يا كريم… والولد كبر أربع شهور. مينفعش الحال يفضل كده.
جسمي كله شدّ أول ما سمعت كلمة “الولد”. رغم إني كنت بشوف صوره بالعافية من بعيد… لكن عمري ما شلته. ولا حتى سمعت صوته.
أمه كانت مانعاني أشوفه.
قفلت مع عم حسام وأنا الدم بيغلي في عروقي.
من يوم المشكلة وأنا عايش لوحدي. شقتي بقت ساقعة. الهدوم مكانها زي ما هي. ريحة مراتي لسه في الأوضة. حتى خناقتنا الأخيرة كانت لسه بتتكرر في دماغي كل ليلة.
يومها كانت حامل في آخر الشهر الخامس.
اتخانقنا بسبب إني اتأخرت برا البيت ورجعت معصب من الشغل. هي ردت عليا بعند، وأنا صوتي علي. وفجأة لقيتها بتلم هدومها وبتقول: — أنا رايحة بيت أبويا.
افتكرتها زي كل مرة… هتزعل يومين وترجع.
لكن اللي حصل بعدها كان بداية الخراب.
أبوها بنفسه نزل خدها. ولما حاولت أتكلم معاه، بصلي من فوق لتحت وقال الجملة اللي فضلت مولعة جوايا لحد النهارده: — هو انت تحبّل مراتك وأنا أولّدها على حسابي؟
وقتها الدم ضرب في دماغي.
قولتله: — بنتك مراتي… ولو خرجت من بيتي بمزاجها يبقى تتحملوا اللي جاي.
رد عليا بمنتهى البرود: — وإنت اتحمل نتيجة لسانك.
ومن يومها الباب اتقفل.
كل مرة كنت أروح أشوفها، كانوا يذلوني. مرة يقولوا نايمة. مرة عند الدكتور. مرة مش عايزة تشوفك.
لحد ما في يوم عرفت إنها ولدت.
ابني جه الدنيا… وأنا آخر واحد يعرف.
وقتها لأول مرة حسيت إن في حاجة اتكسرت جوايا بجد.
لكن كبريائي كان أكبر من إني أروح أترجاهم.
عدّت الشهور… لحد ليلة الصلح.
حكايات رومانى مكرم
دخلت بيت عم حسام لقيت القعدة متجهزة. رجالة كبار. أكواب شاي. والتوتر مالي المكان.
أول ما دخلت، شفت حمايا قاعد متربع وكأنه مستني معركة.
مراتي كانت قاعدة بعيد… شايلة ابني.
أول مرة أشوفه بعيني.
قلبي دق بعنف.
كان صغير أوي… وشبهّي بطريقة خلت نفسي يتقطع.
لكن قبل حتى ما أقرب، صوت حمايا قطع اللحظة: — قبل أي كلام… في حساب لازم يتصفى.
رفعت عيني عليه: — حساب إيه؟
قال وهو بيرمي ورقة قدامي: — دي مصاريف الولادة والمستشفى والأدوية. اتنين وسبعين ألف جنيه.
القعدة كلها سكتت.
بصّيت للورقة… وبعدين بصّيتله.
وقلت بهدوء مخيف: — وأنا أدفع ليه؟
اتغير وشه فورًا: — عشان دي مراتك وابنك.
ضحكت ضحكة قصيرة باردة: — مراتى اللي خرجت من بيتي ومحدش خلاني أشوفها؟ ولا ابني اللي اتولدت بعد ما الناس كلها عرفت إلا أنا؟
واحد من الكبار حاول يهدي الجو: — يا جماعة إحنا جايين نصلح…
لكن حمايا ضرب بإيده على الترابيزة: — لا يا حاج، الراجل ده فاكر نفسه مش مسؤول. بنتي اتبهدلت في الحمل والولادة وهو ولا سأل!
قومت واقف مرة واحدة.
— وأنا كنت كل ما أجي تتعاملوا معايا كأني شحات!
مراتي لأول مرة رفعت صوتها: — لأنك سيبتني يا كريم!
لفّيت ناحيتها مصدوم: — أنا سيبتك؟! إنتِ اللي مشيتي!
الطفل بدأ يعيط. وصوت العياط وسط الخناقة كان عامل زي سكينة بتقطع أعصابي.
أمها قامت تشيله منها وهي بتقول: — الواد بعيد عن العصبية دي.
لكن وأنا ببص على ابني… حسيت بحاجة غلط.
الكاتب_رومانى_مكرم
حاجة صغيرة جدًا… لكنها خلت بطني تقبض.
ملامحه.
لون عينيه الفاتح.
طريقة شعره الناعم.
حاجة جوايا همست: “الولد مش شبهك بالكامل…”
وو سيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه هنا حكايات رومانى مكرم
@أبرز المعجبين
تجمدت عيني على ابني لحظة أطول من اللازم، وكنت حاسس إن كل اللي حواليا اتسحب من الصوت والحركة، كأن القعدة كلها بقت بعيدة وأنا لوحدي قدام وش طفل صغير ملوش ذنب في أي حاجة. الولد كان بيعيط بصوت رفيع، ومراتي قاعدة مكسورة، وحمايا واقف نافخ صدره، والرجالة الكبار بيحاولوا يلموا الكلام قبل ما النار تولع أكتر، لكن أنا كنت واقف مكاني مش قادر أتحرك. مش علشان الورقة اللي فيها اتنين وسبعين ألف، ولا علشان الإهانة، ولا حتى علشان جملة حمايا اللي فضلت محفورة في دماغي من يوم ما خد بنته من بيتي. لا… المرادي كان في حاجة أعمق بتقرص قلبي. بصيت للولد تاني، ولقيت ملامحه هادية لما أمه أخدته من أمها وحاولت تسكته، عينيه لونهم فاتح قوي، وشعره ناعم بطريقة غريبة، ووشه فيه شبه من حد مش قادر أحدده. قلت لنفسي يمكن ده من أهلها، يمكن كل الأطفال في السن ده ملامحهم بتتغير، يمكن أنا اللي اتجننت من الوجع والبعد والحرمان. لكن الشيطان لما يدخل من باب الشك، ما بيطلعش بسهولة. حمايا كان لسه بيتكلم وبيقول إن الراجل الجدع هو اللي يشيل، وإن بنتهم ماكانتش في فسحة، دي كانت حامل وولدت وتعبت، وإن أنا لو عندي نخوة كنت جيت دفعت من غير ما حد يطلب. ساعتها بصيتله وقلت بهدوء: — وأنا لو جيت كنتوا دخلتوني؟ لو كنتوا قولتولي إنها داخلة تولد كنت هسيبها؟ لو كنتوا فتحتوا الباب مرة واحدة بدل ما تهينوني كنت هبقى واقف هنا النهارده؟ مراتي رفعت عينيها عليا، وكان فيهم دموع محبوسة. قالت بصوت مخنوق: — إنت ماحاولتش كفاية يا كريم. الكلمة دي ضربتني أكتر من أي شتيمة. ماحاولتش كفاية؟ أنا اللي وقفت تحت بيت أبوها بالساعات؟ أنا اللي اتصلت لحد ما رقمي اتعمله بلوك؟ أنا اللي بعتت مع ناس واتردوا؟ أنا اللي كنت بصحى بالليل على خيال صوتها وهي بتتوجع وأنا مش جنبها؟ لكن بدل ما أقول كل ده، خرج مني سؤال واحد: — هو أنا كنت أعرف ميعاد الولادة؟ سكتت. وسكوتها كان اعتراف. بصيت لحمايا وقلت: — عايز فلوس الولادة؟ هتتحاسب عليها، بس الأول هتحاسبني على الأربع شهور اللي اتسرقوا مني من عمر ابني. القعدة اتقلبت. واحد من الرجالة قال: — يا كريم، الكلام ده ماينفعش. الطفل قدامنا والصلح لازم يبدأ بتنازل من الطرفين. قلت وأنا عيني على ابني: — أنا مش بتكلم في تنازل. أنا بتكلم في حق. حقي أشوف ابني، أشيله، أعرف اتولد امتى، اسمه إيه، دخل حضانة ولا لأ، تعب ولا لأ. حقي أعرف ليه بقيت غريب في حياة ابني. حمايا ضحك بسخرية وقال: — حقك؟ طب وحق بنتي لما زعقتلها وهي حامل؟ حقها لما خوفتها وخليتها تسيب البيت؟ حقها لما قعدت شهور ماصرفتوش عليها؟ حسيت إن الدم طلع لعيني. قلت: — ماصرفتوش عليها؟ مين اللي كان بيبعت مع عم حسام كل شهر؟ مين اللي رجعتوا فلوسه وقولتوا مش عايزين صدقة؟ عم حسام اتحرج وبص في الأرض. كل العيون راحت عليه. حمايا بصله بسرعة وقال: — كلام فارغ. لكن عم حسام، الراجل اللي كان طول عمره ساكت، رفع وشه وقال بهدوء: — لا يا حاج، كريم بعت فعلاً مرتين، وإنت رفضت. القعدة سكتت سكوت تقيل. مراتي بصت لأبوها كأنها أول مرة تسمع الكلام ده. وشها اتغير، والدموع وقفت في عينيها من الصدمة. قالت: — بابا… هو بعت فلوس؟ حمايا اتلخبط وقال: — كنت بحافظ على كرامتك. ماكنتش عايزك تعيشي على مزاج راجل يهينك وبعدين يرمي فلوس. صرخت هي لأول مرة: — بس إنت قلتلي إنه ماسألش! قلبي اتقبض. بصيت لها، وهي بصتلي، وبيننا شهور كاملة من الكذب والعند وسوء الفهم. لحظة واحدة كانت كفاية تفتح شرخ في الحيطة اللي اتبنت بيني وبينها. لكن حمايا ماكانش هيسيب اللحظة تعدي. قال بقسوة: — حتى لو بعت ملاليم، ده لا يمنع إن المصاريف عليه. قلت: — مش ههرب من مسؤولية تخص ابني. بس مش هادفع فلوس كأنها غرامة إذلال. أنا هراجع الفواتير، واللي يثبت إنه صرف على الولادة هيتدفع. لكن قبل ده، ابني يرجع بيته. مراتي شهقت. أمها قالت: — يرجع بيته إزاي؟ البنت لسه زعلانة ومش ضامنة تعيش معاك. قلت وأنا بحاول أمسك أعصابي: — يبقى نتفق على زيارة ورؤية ومصاريف واضحة. إنما مش هاخد ورقة بمبلغ مرمي في وشي وأتقال لي ادفع وإنت ساكت. حمايا قرب مني وقال بصوت واطي لكنه مسموع: — إنت فاكر نفسك تقدر تاخد الولد؟ ده أنا أخليك ما تعرفش تشوفه تاني. الكلمة دي كانت آخر خيط. لقيت نفسي بقول جملة ماكنتش ناوي أقولها قدام الناس: — هو أنا متأكد إنه ابني أصلًا؟ الدنيا وقفت. حرفيًا، حتى الطفل كأنه سكت فجأة. مراتي بصتلي بعين واسعة، وشها ابيض، وإيدها شدت على الولد كأني هخطفه منها. حمايا اندفع ناحيتي، والرجالة مسكوه. صرخ: — يا قليل الأصل! بتطعن في شرف بنتي؟ مراتي قامت واقفة وهي بتترعش: — إنت قلت إيه؟ كررت؟ قولها تاني يا كريم. حسيت إني وقعت في حفرة بإيدي. الوجع والشك والغضب خرجوا من غير عقل. حاولت أبلع ريقي وقلت: — أنا… أنا مش قصدي… لكنها قاطعتني بصوت مبحوح: — لا، قصدك. إنت بصيت لابنك وشكيت فيه. بعد كل ده، بعد ما اتوجعت لوحدي، وبعد ما كنت بموت من الخوف في الولادة وإنت مش موجود، جاي النهارده تشك فيا؟ قلت بعصبية: — وأنا كنت فين؟ كنت مستخبي؟ محدش قال لي! صرخت: — لأن أبويا قال إنك مش عايز تسمع اسمي! ساعتها بصيت لحمايا، وهو لأول مرة ماعرفش يرد بسرعة. عينيه هربت مني، ومن بنته، ومن كل الناس. الحقيقة بدأت تبان زي خيط رفيع في ضلمة. عم حسام قال: — استنوا… واضح إن في كلام كتير اتنقل غلط. لكن الغلط ماكانش مجرد كلام اتنقل. الغلط كان بيت اتكسر، وولد اتولد بعيد عن أبوه، وست اتكسرت لوحدها، وراجل اتحرق من جوه وهو فاكر نفسه مرفوض. مراتي قعدت تاني وهي منهارة. الطفل رجع يعيط، وهي بتحاول ترضعه بإيدين بتترعش. أنا قلبي اتقطع وأنا شايفها بالشكل ده، لكن كبريائي كان لسه واقف بيني وبين أي اعتذار. حمايا قال وهو بيعدل جلابيته: — القعدة خلصت. مفيش صلح مع راجل يطعن في مراته. قلت بحدة: — لا، القعدة لسه مخلصتش. أنا عايز أعرف إنت قلتلها إيه عني، وقلتلي إيه عنها، وليه كل مرة كنت أجي تمنعني. حمايا ضحك: — عشان أنا أبوها، ومن حقي أحميها. قلت: — تحميها مني ولا تحمي كدبك؟ وشه اتحول. الراجل الكبير اللي على يميني قال: — يا حاج، جاوب. البنت واضح إنها ماكنتش تعرف إنه بعت فلوس. وأنت واضح إنك ماقولتلوش على الولادة. أم مراتي دخلت في الكلام لأول مرة بصوت ضعيف: — حسام… كفاية. كلنا غلطنا. حمايا لف لها بعنف: — إنتِ كمان هتتكلمي؟ سكتت فورًا، لكن سكوتها قال أكتر من الكلام. فهمت إن البيت ده كله كان ماشي بخوفه هو. مراتي بصت لأمها وقالت: — ماما… هو كريم كان بييجي؟ الأم دمعت. حاولت تتكلم، لكن حمايا زعق: — محدش هيفتح سيرة قديمة. مراتي صرخت: — أنا بسأل أمي! حصل؟ كان بييجي؟ أمها حطت إيدها على صدرها وقالت بخفوت: — آه… جه كذا مرة. وساعات أبوكي كان يقولك نايمة أو تعبانة. مراتي غطت وشها بإيدها. وأنا حسيت إن الأرض بتميد بيا. يعني هي كمان كانت محبوسة جوه رواية مزيفة. لا أنا خنتها، ولا هي منعتني بإرادتها زي ما كنت فاكر. إحنا الاتنين اتسابنا نكره بعض على نار هادية. لكن جملة الشك اللي قلتها ماكانتش سهلة تتلم. مراتي رفعت وشها وقالتلي ببرود موجع: — حتى لو أبويا غلط، إنت كسرت آخر حاجة بيني وبينك. شكيت في ابني. ابنك يا كريم. ابنك اللي كنت طول حملي بتحط إيدك على بطني وتكلمه. ابنك اللي أول ما اتحرك جريت تجيبلي عصير مانجا عشان قولتلك نفسي فيه. ابنك اللي كنت مختارله اسم ياسين. اتخنقت. ياسين. الاسم اللي كنت كاتبه على ورقة وحاطه في درج الكومود. الاسم اللي محدش يعرفه غيرنا. سألت بصوت مكسور: — هو اسمه ياسين؟ دموعها نزلت وقالت: — أيوه. سميته ياسين. رغم كل حاجة. ساعتها ماقدرتش أقف. قعدت على الكرسي ووشي بين إيديا. كل الغضب وقع مرة واحدة، وفضل مكانه وجع تقيل. يا ترى كنت غبي للدرجة دي؟ يا ترى الكرامة اللي كنت ماسك فيها كانت مجرد ستارة أخبي وراها خوفي؟ رفعت عيني عليها وقلت: — أنا آسف. الكلمة طلعت صغيرة وسط الخراب الكبير. مراتي بصتلي من غير رد. حمايا قال بسخرية: — آسف؟ بعد ما شكيت في نسب الولد؟ قلت وأنا ببصله: — وأنا آسف لها هي، مش لك. إنت بالذات بيني وبينك كلام تاني. قام من مكانه وهددني، لكن الرجالة وقفوا بينا. القعدة انتهت من غير صلح، لكن الحقيقة كانت بدأت تتحرك. قبل ما أمشي، وقفت عند الباب وبصيت لمراتي. قلت بهدوء: — أنا غلطت لما شكيت. وغلطت لما سكت أربع شهور. وغلطت لما خليت كبريائي أكبر من ابني. بس أنا مش همشي من حياة ياسين تاني. لا هخطفه، ولا هظلمك، ولا هسيب حد يتحكم فينا تاني. بكرة هبعت حد يتفق على مصاريفه ورؤيته باحترام. ولو إنتِ عايزة نبدأ من الأول، أنا موجود. ولو مش قادرة، هفضل أبوه. خرجت من البيت وأنا مش نفس الراجل اللي دخل. الشارع كان بارد، والليل ساكت، لكن جوايا عاصفة. ركبت عربيتي وفضلت قاعد فترة طويلة مش قادر أدور. صورة ياسين وهو بيعيط ماكانتس بتفارقنيش. وصوتها وهي بتقول “سميته ياسين” كان بيكسرني كل دقيقة. لأول مرة فهمت إن الرجولة مش إنك تكسب الخناقة، ولا إنك ترد الإهانة بإهانة، ولا إنك تفضل واقف جامد وأنت من جوه بتنهار. الرجولة إنك تعرف تصلح اللي اتكسر حتى لو بإيديك. تاني يوم الصبح، رحت البنك وسحبت مبلغ. مش اتنين وسبعين ألف زي ما حمايا طلب، لكن مبلغ محترم، وحطيت معاه جواب. كتبت فيه: “دي مش فلوس ولادة، دي أول مسؤولية مني تجاه ياسين. أما مصاريف الولادة فتتبعتلي فواتيرها وأنا هدفع نصيبي كامل. ودي نفقة شهرية ثابتة لابني من غير ما حد يطلب. أما أنتِ يا مريم… أنا ظلمتك بجملة مش هعرف أمسحها بسهولة. بس لو جواكي ذرة أمل، خلينا نتكلم بعيد عن كل الناس.” بعت الجواب مع عم حسام. وبعد ساعات، جالي رد منها. رسالة قصيرة جدًا: “أنا مش قادرة أسامحك. بس ياسين ملوش ذنب. تعال شوفه يوم الجمعة.” قعدت أبص للرسالة كأني ماسك نجاة من الغرق. يوم الجمعة لبست قميص جديد، وجبت لبن وحفاضات ولعب صغيرة، وروحت. المرة دي الباب اتفتح من غير إهانة. أمها هي اللي فتحت، ووشها كان مليان خجل. قالت: — اتفضل يا كريم. دخلت الصالة، لقيت مريم قاعدة وياسين في حضنها. مافيش حمايا. عرفت بعدين إنه رفض يقعد لما عرف إني جاي، وقال كرامته ماتسمحش. بس الحقيقة إن كرامته كانت خايفة تواجه اللي عملته. قربت من مريم بهدوء. هي ماابتسمتش، بس ما منعتنيش. قالت: — اغسل إيدك قبل ما تشيله. جريت على الحمام كأني طفل بيتعلم أول درس في الأبوة. رجعت، ومدتلي ياسين. أول ما اتحط في حضني، جسمي كله اتلخبط. كان أخف من خوفي، وأدفى من كل السنين اللي عشتها، وأجمل من كل حاجة اتمنيتها. بصلي بعينيه الفاتحين، وبعدين مسك صباعي بإيده الصغيرة. في اللحظة دي، كل الشك اتكسف من نفسه. قلت وأنا صوتي بيترعش: — سامحني يا ياسين. مريم بصت بعيد، لكني شفت دمعتها. قعدت معاه ساعة كاملة. غيرتله الحفاضة بطريقة فاشلة خلت مريم تضحك غصب عنها لأول مرة. الضحكة كانت قصيرة، لكنها رجعتلي نفس كنت فاكر إني فقدته. قبل ما أمشي، قلت لها: — ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق؟ هزت راسها. قعدنا في البلكونة. قلت: — أنا مش هبرر اللي قلته. الشك فيكي كان ذنب. بس أنا كنت متكسر. مش عذر، بس حقيقة. هي قالت بهدوء: — وأنا كمان كنت متكسرة. كنت مستنياك تيجي تاخدني. كل يوم كنت أقول يمكن النهارده. وأبويا كان يقوللي إنك قلت مش عايزها ترجع غير لما تتربى. شهقت من الصدمة. قلت: — أنا عمري ما قلت كده. قالت: — عارفة دلوقتي. بس وقتها صدقته. لأنه كان أبويا، ولأني كنت موجوعة منك. سكتنا. كان بينا جبل، بس على الأقل بقينا شايفين شكله. سألتها: — وإنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ قالت: — عايزة أمان. مش عايزة أرجع بيت أتهان فيه ولا أعيش عند أهل يتحكموا فيا. عايزة أحس إن ليا رأي. قلت: — يبقى نبدأ من هنا. لا أبوكي يحكمنا، ولا كبريائي يحكمنا. نروح لمستشار أسري، نقعد مع حد كبير عاقل، نكتب اتفاق واضح. مصاريف، زيارة، كلام محترم، ولو رجعتي البيت ترجعي بإرادتك مش بضغط. بصتلي طويلًا وقالت: — وأول شرط؟ قلت: — قولي. قالت: — عمرك ما تجيب سيرة نسب ياسين تاني. حتى لو اتخانقنا، حتى لو كرهتني. بلعت ريقي وقلت: — أوعدك. قالت: — وتعتذر قدام نفس الناس اللي قلت الكلام قدامهم. الشرط كان صعب على كبريائي القديم، لكنه كان سهل على الأب اللي اتولد فيا وأنا شايل ياسين. قلت: — أعملها. وبعد أسبوع، اتجمعت نفس القعدة في بيت عم حسام. المرة دي دخلت وأنا شايل ياسين بنفسي. حمايا كان موجود، وشايفني ووشه حجر. مريم قاعدة جنب أمها، وعم حسام والرجالة حوالينا. وقفت في نص القعدة وقلت: — أنا قلت كلمة غلط في حق مراتي وابني قدامكم. شكيت في نسب ابني وأنا كنت غضبان وموجوع، وده لا يبرر. أنا بعتذر لمريم، وبعتذر لياسين، وبعتذر قدامكم زي ما غلطت قدامكم. القعدة كلها سكتت. مريم دمعت، لكن عينيها كان فيهم شيء أهدى. حمايا حاول يتكلم، فقاطعته لأول مرة من غير زعيق: — ودلوقتي الدور عليك يا عمي. زي ما أنا اعتذرت عن غلطي، إنت لازم تعترف إنك منعتني عنها، ومنعتها تعرف إني جيت وبعت وسألت. وشه احمر. قال: — أنا عملت كده لمصلحتها. عم حسام قال: — المصلحة ما بتتبنيش على كذب. مريم بصت لأبوها وقالت: — أنا مش هرجع أعيش هنا بنفس الطريقة. لو رجعت لكريم، ده قراري. ولو ما رجعتش، برده قراري. بس محدش هيكلمني تاني بدل لساني. كانت دي أول مرة أشوفها قوية بالشكل ده. حمايا اتصدم، وكأنه اكتشف إن بنته اللي كان فاكرها محتاجة وصاية بقت أم وعندها صوت. بعد كلام كتير، اتفقنا على خطوات. أنا هدفع مصاريف الولادة بعد مراجعة الفواتير، مش كخضوع لحمايا، لكن كمسؤولية تجاه مراتي وقت ولادة ابني. وهبدأ نفقة شهرية لياسين. ومريم هتقعد أسبوعين تفكر، وأنا هزورها مرتين في الأسبوع، وبعدها نقرر نرجع تدريجيًا ولا نكمل منفصلين باحترام. لكن اللي حصل بعدها ماكنش في الحسبان. بعد القعدة بيومين، مريم اتصلت بيا بالليل. صوتها كان مخضوض. قالت: — كريم… بابا وقع من شوية. نقلناه المستشفى. رغم كل اللي بيني وبينه، جريت. في المستشفى، لقيته على السرير، ضعيف لأول مرة. الراجل اللي كان صوته يهز البيت، نايم ساكت وخايف. الدكتور قال جلطة بسيطة وعدت على خير، بس لازم راحة وبعد عن العصبية. مريم كانت منهارة. وقفت جنبها، مش علشان حمايا يستاهل، لكن علشان هي تستاهل حد يسندها. بعد ما اطمنت عليه، لقيته بيشاورلي أدخل. دخلت لوحدي. بصلي وقال بصوت مكسور: — أنا غلطت. ماكنتش متوقع أسمعها. سكت. قال: — أنا كنت خايف بنتي تترمي. شوفتها راجعة حامل وبتعيط، افتكرت إني لازم أكسر ضهرك قبل ما تكسر ضهرها. بس وأنا بحميها… حبستها. وحبستك بره. دموعي كانت قريبة، لكني مسكت نفسي. قال: — سامحني لو تقدر. قلت: — مش بسهولة. بس علشان مريم وياسين… هنحاول. مد إيده، فمسكتها. المصافحة ماصلحتش كل حاجة، لكنها كسرت باب العناد. بعد أسبوعين، مريم رجعت الشقة. مش رجوع فرح وزغاريد. رجوع هادي، حذر، مليان شروط واحترام جديد. دخلت وهي شايلة ياسين، وبصت حوالينها. الأوضة كانت مترتبة، سرير الطفل جاهز، وصورة صغيرة ليها وهي حامل كنت مطبعها وحاططها على الكومود. سألتني: — لسه محتفظ بيها؟ قلت: — عمري ما رميتك من قلبي، حتى وأنا كنت بقول العكس. عيونها لمعت. قالت: — أنا هرجع نجرب يا كريم. مش هرجع كأني نسيت. قلت: — وأنا مش طالب تنسي. أنا طالب فرصة أثبتلك إن البيت ده بيتك، مش سجنك. الأيام الأولى كانت صعبة. أي كلمة عالية كانت تخوفها، وأي سكوت منها كان يخوفني. كنا بنتعلم نتكلم من غير سلاح. لما أتعصب، أسكت وأخرج البلكونة. لما تزعل، تقول بدل ما تلم هدومها. لما أهلها يتدخلوا، تقول: “هتكلم مع جوزي الأول.” ولما أهلي يسألوا بفضول، أقول: “بيتي مالوش قعدة غير بيني وبين مراتي.” أما ياسين، فكان هو الصلح الحقيقي. أول مرة ضحكلي، مريم لقتني بعيط. قالت وهي بتضحك: — هو إنت بتعيط؟ قلت: — ده بيضحكلي كأنه مسامحني. قالت بهدوء: — الأطفال قلبهم أنضف مننا. بعد شهور، كنا قاعدين في نفس الورشة اللي جالي فيها اتصال عم حسام أول مرة. مريم كانت جاية تزورني ومعاها ياسين. قعدت على الكرسي الخشب، وهو على رجلها، وأنا بصلح موتور قديم. قالت: — فاكر يوم ما قولت لأبويا “وأنا أدفع ليه؟” ابتسمت بمرارة: — ياريتني كنت قلت “إزاي أساعد؟” قالت: — وأنا ياريتني ما مشيتش من غير ما نهدى. قلت: — وإحنا الاتنين ياريتنا ما سبناش حد يحكي لنا عن بعض. سكتت شوية، وبعدين قالت: — بس يمكن لو ده كله ماحصلش، ماكناش هنعرف قيمة البيت. بصيت ليها ولياسين، وحسيت إن كلامها صح. أحيانًا الخراب بيكشفلك مين بيحبك ومين بيتحكم فيك، ومين بيغلط علشان خايف، ومين بيغلط علشان أناني. حمايا بقى أهدى بعدها. لسه صعب، لسه عنده طبع السيطرة، لكنه بقى يفكر قبل ما يتكلم. وفي أول عيد ميلاد لياسين، جه بيتنا، وقف عند الباب وقاللي بنبرة مكسوفة: — جبتله هدية. فتحتله، ودخل. مريم بصتلي كأنها بتسألني بعينيها: هتقدر؟ هزيت راسي. مش علشانه، علشانها. لما الحفلة خلصت، حمايا قرب مني وقال: — على فكرة… الولد شبهك. ضحكت لأول مرة من قلبي وقلت: — عارف. قال: — وشبه أمه كمان. بصيت لمريم، كانت شايلة ياسين وبتضحك له. قلت: — أحسن حاجة فيه إنه شبهها. في الليلة دي، بعد ما الناس مشيت، مريم نامت من التعب، وياسين نام في سريره. وقفت قدامه طويلًا. افتكرت أول مرة شفته فيها، وافتكرت الشك اللي وسخ قلبي لحظة، وافتكرت الاعتذار، والرجوع، وكل خطوة موجعة وصلتنا لهنا. همست له: — أنا مش هبقى أب كامل، بس هحاول أبقى أب موجود. ودي كانت أول مرة أفهم إن الأبوة مش فلوس ولادة، ولا ورقة مصاريف، ولا خناقة مين يدفع ومين يشيل. الأبوة إنك تبقى حاضر. والزوج الحقيقي مش اللي يكسب على مراته، ولا اللي يخلي أهلها يخافوا منه، لكن اللي يحمي بيته من كبريائه قبل ما يحميه من الناس. أما الجملة اللي قالها حمايا زمان: “هو انت تحبل مراتك وأنا أولدها على حسابي؟” فضلت في ذاكرتي، بس معناها اتغير. بقيت كل ما أفتكرها أقول لنفسي: لا، المسؤولية مش على حساب حد. المسؤولية على قلب اللي اختار يبقى زوج وأب. وأنا اتأخرت… لكني وصلت قبل ما الباب يتقفل للأبد.
