توام مثالي حكايات اسما×5
الفصل الثامن
انفجرت الرصاصة الأولى في زجاج سيارة الإسعاف خلفنا.
صوتها كان أقرب إلى انفجار صغير.
تناثرت الشظايا في الهواء.
وتحول الشارع بالكامل إلى فوضى.
صرخ رجال الشرطة.
واندفع الناس نحو الأرض.
أما ريتشارد فكان قد طرحني أرضًا قبل أجزاء من الثانية فقط.
ولو تأخر لحظة واحدة…
ربما كانت الرصاصة قد اخترقت رأسي.
احتضنت الطفلتين بقوة.
حتى شعرت أن قلبي سيتوقف من الخوف.
ثم جاءت الرصاصة الثانية.
واصطدمت بعمود إنارة قريب.
صرخ أحد الضباط:
“الجميع اختبئوا!”
لكن المشكلة كانت واضحة.
القناص لم يكن يطلق النار عشوائيًا.
كان يستهدف شخصًا محددًا.
يوسف.
لأن الرصاصتين مرتا بالقرب منه تحديدًا.
نظر يوسف حوله بسرعة.
ثم صاح:
“لقاني.”
أمسكه ريتشارد من ذراعه.
وقال:
“انزل!”
لكن يوسف كان ينظر إلى المبنى المقابل.
كأنه يعرف بالضبط من يوجد هناك.
ثم همس:
“هو.”
—
بعد دقائق وصلت وحدات خاصة.
وأُغلق الشارع بالكامل.
لكن القناص كان قد اختفى.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
أما نحن فنُقلنا إلى مكان آمن تابع للشركة.
مبنى قديم خارج المدينة.
لا يحمل أي لافتة.
ولا يظهر في سجلات الشركة الرسمية.
جلسنا داخل غرفة اجتماعات صغيرة.
وأمامنا يوسف.
الذي بدا وكأنه اتخذ قرارًا أخيرًا.
قرارًا انتظره سنوات.
قال:
“أنا تعبت.”
ثم نظر إلي.
وأضاف:
“ومرات أختي ماتت بسبب السر ده.”
شعرت بغصة في حلقي.
وأكمل:
“وانتهى وقت السكوت.”
ساد الصمت.
حتى ريتشارد لم يقاطعه.
قال يوسف:
“الشخص اللي كانت تقصده أختي…”
“والشخص اللي كان بيدير كل حاجة…”
“والشخص اللي استخدم كريم ناصر وماهر وغيرهم…”
أخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال الاسم أخيرًا.
“فيليب مورجان.”
نظرت إليه.
الاسم لم يكن مألوفًا بالنسبة لي.
لكن ردة فعل ريتشارد كانت كافية.
لأن وجهه فقد لونه بالكامل.
أما سامر فجلس كأن أحدهم ضربه في صدره.
قلت:
“مين ده؟”
أجاب ريتشارد بصوت منخفض:
“المفروض إنه مات.”
—
بدأت الحقيقة تظهر قطعة قطعة.
قبل خمسة وعشرين عامًا.
كان فيليب مورجان شريكًا سريًا لوالد ريتشارد.
رجلًا عبقريًا في المال والاستثمارات.
لكن أيضًا…
شديد الخطورة.
كان يؤمن أن البشر مجرد أدوات.
وأن المال أهم من أي شيء.
ومع الوقت بنى شبكة ضخمة.
شركات.
حسابات.
رجال نفوذ.
سياسيين.
ومجرمين.
كلهم يعملون لصالحه دون أن يعرف معظمهم حتى اسمه الحقيقي.
ثم حدث خلاف ضخم بينه وبين والد ريتشارد.
اختفى بعدها فيليب فجأة.
وأُعلن موته رسميًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قال ريتشارد:
“ما ماتش.”
“اختفى بس.”
ثم نظر إلى يوسف.
وأضاف:
“وأختك اكتشفت ده.”
هز يوسف رأسه.
وقال:
“بالصدفة.”
—
قبل سنوات.
وأثناء نقل ملفات مالية سرية.
عثرت زوجتي على تحويلات مصرفية ضخمة.
كلها تحمل توقيع شخص ميت.
فيليب مورجان.
في البداية ظنت أن الأمر خطأ.
لكن كلما بحثت أكثر…
اكتشفت أنه لا يزال حيًا.
وأن كل الجرائم تعود إليه.
حتى كريم ناصر نفسه.
كان مجرد موظف عنده.
مجرد واجهة.
مجرد اسم يستخدمه في العلن.
أما الرجل الحقيقي…
فلم يكن يظهر أبدًا.
قلت:
“لكن لماذا يطاردنا الآن؟”
أجاب يوسف:
“لأن أختي سرقت منه حاجة أهم من الفلوس.”
عقدت حاجبي.
فأكمل:
“الهوية الحقيقية.”
ساد الصمت.
وقال:
“هي الوحيدة اللي عرفت شكله الحقيقي.”
“واسمه الحقيقي.”
“ومكانه الحقيقي.”
شعرت بقشعريرة.
ثم أضاف:
“وسجلت كل ده.”
—
في تلك اللحظة أخرج يوسف مفتاحًا صغيرًا.
مفتاح خزنة.
ووضعه فوق الطاولة.
نظر إليه ريتشارد فورًا.
وقال:
“إنت لقيته؟”
هز يوسف رأسه.
ثم قال:
“قبل الحريق بدقائق.”
نظرت إليه باستغراب.
فقال:
“كان مخبّي جوه لعبة من ألعاب البنات.”
شعرت بالذهول.
زوجتي كانت تعرف.
كانت تعرف أنهم سيبحثون في كل مكان.
لذلك أخفته قرب الشيء الوحيد الذي لن يشك فيه أحد.
ألعاب الطفلتين.
قال يوسف:
“الخزنة دي موجودة في بنك خاص.”
“وفيها النسخة الأخيرة.”
سألته:
“نسخة إيه؟”
نظر إلي مباشرة.
وقال:
“الفيديو الكامل.”
الفيديو الذي يكشف كل شيء.
كل شيء.
—
في صباح اليوم التالي.
تحركنا بسرية تامة.
أنا.
ريتشارد.
يوسف.
وسامر.
حتى الطفلتان كانتا معنا.
وصلنا إلى البنك.
كان مبنى قديمًا محصنًا.
وبعد إجراءات طويلة.
فتح الموظف الخزنة أخيرًا.
سحب صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
ووضعه أمامنا.
شعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.
لأنني كنت أعرف أن كل شيء سيتغير بعد لحظات.
فتح يوسف الصندوق.
وفي داخله وجدنا:
قرص تخزين صغير.
رسالة مغلقة.
وصورة.
أما الصورة…
فجعلت الجميع يتجمد.
لأنها كانت صورة حديثة.
التُقطت قبل أقل من سنة.
وتظهر فيها زوجتي.
تقف بجوار رجل مسن.
يرتدي قبعة سوداء.
وينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وعلى ظهر الصورة كان مكتوب بخط يد زوجتي:
“هذا هو فيليب مورجان.”
شعرت بأنفاسي تتوقف.
لأنني عرفت الوجه فورًا.
عرفته قبل الجميع.
بل إنني رأيته عشرات المرات.
رأيته بعد وفاة زوجتي.
ورأيته يحمل إحدى طفلتي.
ورأيته يبتسم لها.
ورأيته داخل منزلي.
كان شخصًا قريبًا جدًا منا.
قريبًا بطريقة لم تخطر على بال أحد.
رفعت الصورة بيد مرتجفة.
ثم همست:
“مستحيل…”
أما يوسف فشهق.
وسامر تراجع للخلف.
أما ريتشارد فأغلق عينيه وكأنه كان يخشى هذه اللحظة منذ سنوات.
لأن الرجل الموجود في الصورة…
لم يكن غريبًا.
بل كان والد زوجتي الذي اعتقد الجميع أنه مات منذ عشرين عامًا.
نهاية الفصل الثامن…
الفصل التاسع
لم ينطق أحد بكلمة.
ظلت الصورة فوق الطاولة.
وظللنا جميعًا ننظر إليها وكأن عقولنا ترفض تصديق ما تراه أعيننا.
أنا بالذات.
لأن الرجل الموجود في الصورة كان من المفترض أن يكون ميتًا.
هذه ليست مجرد قصة سمعناها من العائلة.
ولا مجرد إشاعة قديمة.
بل حقيقة عشنا عليها سنوات.
زوجتي نفسها كانت تؤمن أن والدها مات.
كانت تبكي كل عام في ذكرى وفاته.
كانت تزور قبره.
كانت تتحدث عنه وكأنه ذكرى بعيدة انتهت منذ زمن.
فكيف يمكن أن يكون حيًا؟
وكيف يمكن أن يكون هو نفسه فيليب مورجان؟
شعرت بأن رأسي يكاد ينفجر.
نظرت إلى يوسف.
فوجدته أكثر صدمة مني.
قال بصوت مرتجف:
“أنا دفنت أبويا بإيدي.”
أجاب ريتشارد بهدوء:
“لا.”
“أنت دفنت شخصًا آخر.”
ساد الصمت.
ثم فتح الرسالة التي كانت داخل الصندوق.
كانت مغلقة منذ سنوات.
ومكتوب عليها بخط زوجتي:
إلى زوجي… إذا وصلت إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أن الحقيقة خرجت أخيرًا من الظلام.
شعرت بانقباض في صدري.
وأكمل القراءة.
أعرف أن ما ستكتشفه الآن سيبدو مستحيلًا.
لكن صدقني…
استغرقت سنوات حتى أصدقه أنا أيضًا.
والدي لم يمت.
وعندما اكتشفت ذلك لأول مرة ظننت أنني فقدت عقلي.
لكن الحقيقة كانت أسوأ بكثير.
لأن الرجل الذي عرفته كأب…
لم يعد ذلك الرجل منذ زمن طويل.
—
بدأت الرسالة تكشف ما لم يتخيله أحد.
قبل أكثر من عشرين عامًا.
كان والدها رجل أعمال عاديًا.
ناجحًا.
محبوبًا.
ومتزوجًا من أمها.
لكن مع الوقت دخل في شراكة مالية ضخمة مع رجال نافذين.
أموال كثيرة.
نفوذ أكبر.
وأسرار أخطر.
ثم حدث شيء غيّر حياته.
شيء جعله يختفي.
ليس خوفًا.
بل طمعًا.
وجد طريقة لبناء ثروة لا يمكن تعقبها.
ثروة تتجاوز المليارات.
لكن تنفيذ الخطة كان يتطلب شيئًا واحدًا.
أن يموت رسميًا.
أن يختفي من السجلات.
ومن الضرائب.
ومن أعين الجميع.
وهكذا…
صنع جنازته بنفسه.
واختفى.
وبدأ حياة جديدة باسم جديد.
فيليب مورجان.
—
شعرت بالغثيان وأنا أقرأ.
لأن زوجتي أكملت:
في البداية ظننت أنه ضحية.
ثم اكتشفت أنه كان العقل المدبر من البداية.
كل شيء بدأ منه.
كل شيء.
كريم ناصر.
ماهر.
الحريق.
الاختفاءات.
غسيل الأموال.
الابتزاز.
كل الخيوط كانت تعود إليه.
كان يدير الجميع من الظل.
حتى الذين ظنوا أنفسهم شركاء له.
كانوا مجرد أدوات.
—
رفع ريتشارد رأسه ببطء.
وقال:
“إذن كنا نطارد الرجل الخطأ طوال هذه السنوات.”
هز يوسف رأسه.
غير قادر على الكلام.
أما أنا فواصلت القراءة.
في آخر مرة رأيته…
حاول إقناعي بالانضمام إليه.
قال إن العالم يحكمه المال.
وأن الأخلاق مجرد وهم.
وعندما رفضت…
عرف أنني أصبحت خطرًا عليه.
ومنذ تلك اللحظة بدأ يراقبني.
—
شعرت بقشعريرة.
ثم قرأت السطر التالي.
وهو السطر الذي جعلني أتوقف تمامًا.
إذا مت أثناء الولادة…
فلا تصدق أنها كانت صدفة.
لأنني أخبرت الطبيب قبل أسبوع أن هناك شخصًا يحاول قتلي.
ساد الصمت في الغرفة.
وتجمد الجميع.
حتى ريتشارد.
حتى يوسف.
حتى سامر.
زوجتي كانت تعلم.
كانت تعلم أن الخطر اقترب.
وكانت تحاول تحذير الجميع.
لكن لم يصدقها أحد.
—
ثم وصلنا إلى الصفحة الأخيرة.
وكانت أقصر صفحة في الرسالة كلها.
لكنها كانت الأخطر.
إذا كنت تقرأ هذا الآن…
فمعناه أن أبي يعرف مكان التوأم.
ومعناه أنه سيتحرك قريبًا.
لأنه لا يريد الأدلة فقط.
ولا يريد المال فقط.
بل يريد شيئًا آخر.
شيئًا لا يعرفه أحد غيره.
شيئًا يتعلق بالبنتين.
وعندما قرأت السطر الأخير…
شعرت وكأن قلبي توقف.
لأن زوجتي كتبت:
“الحقيقة الكاملة ليست في الماضي…”
“الحقيقة الكاملة في ابنتينا.”
—
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إلى الجميع.
قلت:
“ماذا تقصد؟”
لكن لم يجب أحد.
لأن أحدًا لم يكن يعرف.
وفجأة…
رن الهاتف الموجود على الطاولة.
رقم مجهول.
نظرنا جميعًا إليه.
ثم ضغط ريتشارد زر التشغيل.
وانتشر الصوت في الغرفة.
صوت رجل مسن.
هادئ.
وواثق.
قال:
“مساء الخير.”
تجمد الدم في عروقي.
لأنني عرفت الصوت فورًا.
سمعته مرات كثيرة في تسجيلات الفيديو العائلية القديمة.
سمعته في أشرطة كانت زوجتي تحتفظ بها.
كان صوت والدها.
صوت الرجل الذي يفترض أنه مات منذ عشرين عامًا.
قال بهدوء:
“أرى أنكم فتحتم الصندوق أخيرًا.”
لم يتكلم أحد.
أما هو فأكمل:
“للأسف…”
“كنتم أبطأ مما توقعت.”
ثم ضحك.
ضحكة باردة جعلت القشعريرة تسري في أجسادنا جميعًا.
وقال:
“لكن هذا لا يهم.”
“لأن اللعبة انتهت.”
نهض ريتشارد واقفًا.
وقال بحدة:
“أين أنت؟”
جاء الرد فورًا:
“قريب جدًا.”
ثم ساد الصمت لثوانٍ.
قبل أن يقول الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“في الحقيقة…”
“…أنا أنظر الآن مباشرة إلى حفيدتيّ.”
قفزنا جميعًا من أماكننا.
ونظرنا نحو الغرفة المجاورة.
حيث كانت الطفلتان نائمتين.
لكن باب الغرفة كان مفتوحًا.
والممر المؤدي إليها كان فارغًا.
أما الحارس الذي كان يقف هناك قبل دقائق…
فقد اختفى.
نهاية الفصل التاسع…
