الأم التي لم تذكر أسما السيد ×3 والأخير
الفصل الأخير: عندما توقف القصر عن البكاء
الساعة كانت 8:12 صباحًا لما إيثان دخل مكتبه لأول مرة من شهور وهو شايل صوفي بين إيديه.
الموظفين برا المكتب اتجمدوا مكانهم.
مش لأنهم شافوا رجل أعمال ماسك طفلته.
لكن لأنهم شافوا إيثان ويتمور… شكله إنسان.
دقنه لسه غير مرتبة. القميص متكرمش من النوم على الكرسي. وعينيه الحمراء ماكانتش مخفية ورا البرود المعتاد.
صوفي كانت نايمة على صدره بهدوء.
وهو لأول مرة… ماحاولش يخبّي ده.
سكرتيرته “مارغريت” قامت بسرعة: — “صباح الخير يا سيدي، عندك اجتماع مع مجلس الإدارة بعد—”
— “يتلغى.”
رمشت بدهشة. — “لكن الصفقة—”
— “قلت يتلغى.”
صوته ماكانش غاضب.
وده اللي خوّفها أكتر.
دخل مكتبه وقفله.
صوفي بدأت تتحرك بخفة، فإيثان هزها تلقائيًا.
ثم وقف فجأة.
لأنه استوعب إنه عملها بدون خوف.
بدون تعليمات.
بدون ما يبص حوالين نفسه يدور على خبيرة أو مربية.
هو اللي هداها.
هو.
قعد على الكرسي وبص للفلاشة الصغيرة اللي سابتها كلير.
إيده اتجمدت فوقها.
جزء منه كان عايز يفتحها فورًا. والجزء التاني كان مرعوب.
مرعوب يسمع صوتها أكتر. مرعوب يحب الذكرى زيادة. مرعوب يلاقي فيها حاجة تكسر آخر حتة واقفة جواه.
لكن في الآخر… وصل الفلاشة بالكمبيوتر.
ظهرت ملفات كثيرة.
فيديوهات.
عشرات الفيديوهات.
كل ملف عليه اسم.
“لنوح — أول يوم مدرسة.” “لليلي — لما قلبك يتكسر.” “لجاك — لما تحس إنك ضايع.” “لصوفي — لما تحتاجي تفتكري قد إيه أنا حبيتك.”
إيثان حس نفسه بيختنق.
كلير… كانت بتحضّر نفسها للموت وهو بيرفض حتى يتخيل الفكرة.
آخر ملف كان باسمه.
“لإيثان — لما تبطل الهروب.”
فتح الملف.
كلير ظهرت على الشاشة.
أضعف من آخر مرة شافها. لكنها جميلة بنفس الطريقة اللي كانت تخليه ينسى الكلام.
كانت لابسة روب المستشفى، شعرها مربوط بعشوائية، وعينيها مليانة تعب وحب.
ابتسمت أول ما شافته الكاميرا.
— “أنت أكيد متعصب دلوقتي.”
ضحك رغم دموعه.
— “ولو أعرفك صح… فأنت غالبًا ما نمتش من أيام، وشكلك عامل زي مدير جنازة غني.”
شهقة ضحك خرجت منه غصب.
كلير كملت: — “اسمعني للنهاية المرة دي. ماتقومش تجيب دكتور ولا تهرب للشغل.”
سكتت لحظة، ثم قالت بهدوء:
— “أنا عارفة إنك فاكر إنك لازم تنقذ كل الناس طول الوقت. وده السبب اللي خلاني أحبك أصلًا. بس يا إيثان… الأطفال مش محتاجين بطل خارق. محتاجين أبوهم.”
دموعه نزلت.
— “ولو في يوم دخل حياتك حد يقدر يحبهم من غير خوف… أوعى تعاقبه عشان أنت لسه موجوع.”
جملة جريس رجعت تدور في دماغه.
“إنت خايف تحبها وهي محتاجة حبك.”
كلير كملت: — “فيه ناس ربنا بيبعتهم بعد الكسر… مش عشان ياخدوا مكان اللي راح. لكن عشان يساعدوا اللي فضل يعيش.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة: — “ولو الشخص ده بيشرب قهوة وحشة ومابيعرفش يرتاح… حاول تسمعه.”
إيثان اتجمد.
القهوة.
الترمس المعدني.
جريس.
إزاي كلير عرفت؟
الفيديو انتهى قبل ما يفهم.
في اللحظة دي… الباب خبط.
دانيال دخل بدون انتظار.
كان شكله متوتر بشكل غريب.
أول ما شاف صوفي في حضن إيثان… سكت.
ثم قال بهدوء: — “إنت شكلك أحسن.”
إيثان قفل اللابتوب ببطء. — “قول اللي عندك.”
دانيال تردد.
وده ماكانش شبهه.
ثم حط ملف فوق المكتب.
— “أنا عملت حاجة هتكرهني عليها.”
إيثان عقد حواجبه.
— “بعد ما جريس دخلت حياتك… خفت.”
— “خفت من إيه؟”
— “إن حد يستغلك وإنت في أضعف حالاتك.”
إيثان بص للملف.
— “راقبتها؟”
— “أيوه.”
الغضب اشتعل في عينيه فورًا.
لكن دانيال رفع إيده بسرعة: — “اسمعني للنهاية.”
فتح الملف.
أول صورة كانت لكلير.
وهي واقفة جنب جريس.
إيثان حس قلبه وقف.
الصورة قديمة. قبل الولادة بشهور.
الاتنين كانوا واقفين قدام مركز صغير للأطفال المرضى.
كلير كانت بتضحك. وجريس ماسكة علبة تبرعات.
إيثان همس: — “إيه ده؟”
دانيال جلس ببطء. — “مراتك كانت تعرف جريس.”
الهواء اختفى من الغرفة.
— “إيه؟”
— “مش معرفة سطحية. كلير كانت بتروح المركز ده سرًا من سنة تقريبًا.”
إيثان رمش بعدم تصديق.
كلير ماقالتلوش أبدًا.
دانيال كمل: — “المركز كان للأطفال اللي فقدوا أهلهم أو أهاليهم مرضى نفسيًا ومدمنين. جريس كانت متطوعة هناك من سنين.”
صوت إيثان خرج حادًا: — “وليه كلير ماقالتليش؟”
دانيال سكت لحظة. — “لأنها كانت شايفة إنك عايش طول الوقت جوه عالم رجال الأعمال… وكانت محتاجة مكان تحس فيه إن الحب فيه بسيط.”
إيثان حس بالذنب يخبط صدره.
كم حاجة فاتته عنها؟
كم مرة كان مشغول في اجتماعات وهي بتعيش أجزاء كاملة من حياتها لوحدها؟
دانيال فتح ورقة أخيرة.
— “قبل وفاتها بأسبوعين… كلير كتبت اسم جريس كشخص طوارئ للأطفال.”
إيثان رفع رأسه بسرعة.
— “إيه؟”
— “المستشفى أكد ده. لو حصل أي حاجة… جريس كانت ضمن الأسماء المسموح لها تدخل الحضانة وتشوف الأطفال.”
الصدمة شلت تفكيره.
كلير… كانت تعرف.
تعرف إن جريس هتفهمهم.
تعرف إن يومًا ما… القصر هيبكي.
ودانيال قال بهدوء: — “مراتك اختارتها قبل ما أنت حتى تعرف اسمها.”
الصمت وقع ثقيل.
ثم سأل إيثان بصوت خافت: — “أنت قابلتها؟”
— “مرة.”
— “وقالتلك إيه؟”
ابتسم دانيال بحزن. — “قالت إنك بتحب بعنف لدرجة ممكن تأذي نفسك.”
إيثان نزل عينيه.
لأنها كانت محقة.
بعد ساعة…
كان واقف قدام شقة جريس الصغيرة في جنوب شيكاغو.
عمارة قديمة. السلالم ضيقة. ريحة قهوة ورطوبة.
بعيد تمامًا عن عالمه.
جريس فتحت الباب واتجمدت لما شافته.
— “إيثان؟”
ثم بصت لصوفي النائمة بين إيديه وابتسمت فورًا بدون ما تشعر.
إيثان لاحظ.
لاحظ إزاي وشها يهدى أول ما تشوف الأطفال.
لاحظ إنها ما عمرها بصت لفلوسه. ولا لقصره. ولا لاسمه.
بصت لهم هم.
قال بهدوء: — “كلير كانت تعرفك.”
الصمت ملأ المكان.
جريس أغمضت عينيها للحظة قصيرة.
ثم فتحت الباب أكتر. — “ادخل.”
شقتها كانت صغيرة جدًا.
كنبة قديمة. مطبخ مفتوح. كتب متكومة. وصور أطفال مرسومة بإيد صغيرة على التلاجة.
إيثان وقف في النص كأنه دخل عالم مختلف.
مافيش فخامة.
لكن فيه دفا.
جريس قالت بهدوء: — “اتقابلنا في المركز.”
— “ليه ماقولتيش؟”
— “لأن الموضوع ماكانش عني.”
— “كانت بتثق فيكي.”
نظرت لصوفي. — “وأنا وثقت فيها.”
قعد بصعوبة على الكنبة.
ثم سأل السؤال اللي كان بيحرقه: — “هي كانت تعرف إنها ممكن تموت؟”
جريس بلعت ريقها. — “أيوه.”
إيثان حس الضربة في قلبه.
— “والكل قالولي إنها كانت متفائلة.”
— “كانت متفائلة فعلًا… لكنها ماكنتش غبية.”
سكتت.
ثم قالت: — “كلير كانت خايفة عليك أكتر من خوفها على نفسها.”
دموعه نزلت فورًا.
جريس قربت بهدوء وجلست مقابله.
— “قالتلي مرة إنك لما بتحب حد… بتحاول تبني سور حواليه ضد العالم كله.”
ابتسم بمرارة. — “وفشلت.”
— “لأ.”
رفعت عينيها له.
— “إنت بنيت بيت مليان حب. بس بعد ما هي ماتت… قفلت الشبابيك كلها.”
صوفي بدأت تتحرك في حضنه.
إيثان هزها تلقائيًا.
جريس ابتسمت بخفة. — “أهو. اتعلمت.”
لأول مرة من شهور… ابتسم فعلًا.
صغير. متعب. لكن حقيقي.
وفجأة…
صوت ضحكة صغيرة طلع من الأرض.
الاتنين بصوا لتحت.
جاك.
واقف متسند على رجل الكنبة، بعينيه النعسانة، ولسانه الصغير طالع.
إيثان اتجمد. — “إزاي—؟”
جريس شهقت: — “الباب كان مفتوح؟!”
ورا جاك… ظهرت ليلي تزحف.
ثم نوح في كرسيه الصغير اللي كانت المربية دافعة بيه.
وأخيرًا… صوفي صحيت وبدأت تضحك.
الأربع أطفال… كانوا لأول مرة مجتمعين بدون عياط.
جاك بص لجريس ومد إيده الصغيرة: — “ما…ما…”
إيثان حس قلبه وقف.
جريس شهقت بخضة. — “لا يا حبيبي أنا—”
لكن جاك ضحك.
ولأول مرة من شهور…
ضحكة أطفال ملأت المكان بدل البكاء.
ضحكة حقيقية.
صغيرة. فوضوية. حية.
إيثان غطى عينيه بإيده للحظة.
مش قادر يستوعب.
القصر الفخم بكل أجهزته وخبرائه وثروته… ماعرفش يجيب الصوت ده.
لكن الشقة الصغيرة دي؟ قدرت.
بعد ساعات…
رجعوا القصر.
الأطفال نايمين بهدوء.
وإيثان وقف في غرفة المعيشة يبص للمكان اللي شاف فيه جريس أول مرة حاضناهم.
المطر بدأ ينزل برا تاني.
لكنه المرة دي… ماكانش حزين.
جريس كانت واقفة عند الباب تستعد تمشي.
إيثان ناداها: — “جريس.”
لفت.
قال بصوت هادي لأول مرة من شهور: — “ماتمشيش.”
سكتت.
ثم سألته: — “بأي صفة؟”
السؤال خبطه.
لأنه عرف إنها لا تريد شفقة. ولا وظيفة. ولا إنقاذ.
هي تريد الحقيقة.
فقال ببطء: — “كشخص… خلّى البيت يتنفس تاني.”
عينيها لمعت بالدموع.
وفي الطابق العلوي… صوت صغير خرج من جهاز المراقبة.
مش عياط.
ضحكة.
إيثان ابتسم وهو يرفع عينيه للسقف.
ثم همس: — “سمعتي يا كلير؟”
الريح حرّكت ستارة الشباك بخفة.
والمطر استمر ينزل على زجاج القصر…
لكن لأول مرة منذ 91 يومًا…
البيت لم يكن يبكي.
كان يتعافى.
تمت.
