تركني زوجي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

وصلت المحامية مروة بعد الظهر.

كانت تحمل ظرفًا بنيًا سميكًا.

ومن ملامح وجهها عرفت نور أن ما بداخله ليس أمرًا عاديًا.

وضعت مروة الظرف على الطاولة.

ثم نظرت إلى محمود وسارة.

وقالت بهدوء:

ـ قبل ما نفتحه… لازم تعرفوا إن اللي جواه ممكن يغيّر كل اللي فاكرين إنكم عارفينه.

شعرت نور بالتوتر.

ـ قولي على طول.

أخرجت مروة عدة أوراق وصور وتقارير.

ثم دفعت أول ورقة نحو نور.

ـ فاكرة لما قلتي إنك مش فاهمة إزاي كريم كان بيغطي خسائره كل مرة؟

ـ أيوة.

ـ التحقيق كشف إن فيه شخص كان بيموله سرًا.

رفعت نور حاجبيها.

ـ مين؟

صمتت مروة ثانية.

ثم قالت:

ـ شريك قديم لوالده.

نظر محمود فجأة إلى الأوراق.

واختفت الألوان من وجهه.

ـ مستحيل…

ـ تعرفه؟

همس محمود:

ـ طبعًا أعرفه.

ثم نطق الاسم بصعوبة:

ـ سامح الجندي.

ساد الصمت في الغرفة.

وكأن الاسم وحده يحمل وزن سنوات كاملة.

قبل خمسة عشر عامًا…

كان سامح الجندي أقرب أصدقاء محمود.

دخلا عالم التجارة معًا.

بنيا الشركة معًا.

وتقاسما الأرباح والخطط والأحلام.

لكن مع أول أزمة مالية كبيرة…

اختفى سامح فجأة.

واختفت معه مبالغ ضخمة من أموال الشركة.

في ذلك الوقت اتهم الجميع محمود بالتسبب في الانهيار.

وانتهى الأمر بانفصاله عن فايزة.

أما سامح…

فاختفى دون أثر.

على الأقل هذا ما كان يعتقده الجميع.

أخرجت مروة صورة حديثة.

وضعتها أمامهم.

ـ سامح ما اختفاش.

كان موجودًا طول الوقت.

حدق محمود في الصورة.

وشعر كأن السنوات انهارت فوق رأسه.

ـ لا…

ـ للأسف نعم.

ـ فين كان؟

ـ قريب جدًا منكم.

أشارت إلى عنوان شركة موجود أسفل الصورة.

ثم أضافت:

ـ الشركة اللي كانت بتحول الأموال لكريم خلال السنوات الأخيرة مملوكة له.

شعرت نور بصدمة حقيقية.

ـ يعني كريم كان يعرفه؟

ـ أكتر من كده.

فتح محمود الملف بسرعة.

وقلب الصفحات بعصبية.

ثم وجد شيئًا معينًا.

رسالة إلكترونية مطبوعة.

قرأها بصوت مرتجف:

“متقلقش… طول ما أمك مش عارفة الحقيقة كاملة، محدش هيقدر يلمسك.”

تجمدت نور.

ـ مين اللي بعت الرسالة؟

أجاب محمود بصوت خافت:

ـ سامح.

في نفس الوقت…

كانت فايزة جالسة وحدها في منزلها.

الهاتف بين يديها.

والرعب ينهشها ببطء.

كانت تعلم أن اسم سامح سيظهر عاجلًا أم آجلًا.

لكنها لم تتوقع أن يحدث بهذه السرعة.

رن هاتفها فجأة.

نظرت إلى الرقم.

ثم أغلقت الخط فورًا.

رن مرة ثانية.

ثم ثالثة.

ثم وصلت رسالة قصيرة.

“انتهى الوقت.”

ارتجفت أصابعها.

وأعادت قراءة الرسالة أكثر من مرة.

ثم همست:

ـ لا…

ـ مش دلوقتي.

لكن هاتفها رن مجددًا.

هذه المرة أجابت.

وجاءها صوت رجل مسن:

ـ قلت لك زمان إن الأسرار عمرها ما بتفضل مدفونة.

أغلقت الخط وهي ترتجف.

لأنها عرفت الصوت فورًا.

كان سامح نفسه.

في المساء…

جلست نور تقلب الأوراق من جديد.

حتى توقفت عند تقرير صغير في نهاية الملف.

كانت الصفحة الأخيرة تقريبًا.

وعليها عنوان واحد:

“تحليل الحمض النووي.”

عقدت حاجبيها.

ـ تحليل DNA؟

نظرت مروة إلى محمود.

ثم قالت:

ـ ده الجزء اللي ما كنتش عارفة إذا كان لازم أوريه لكم دلوقتي ولا لا.

شعرت نور بقلبها ينبض أسرع.

ـ ليه؟

فتحت مروة الصفحة.

ثم دفعتها نحوهم.

قرأ محمود السطور الأولى.

وفجأة نهض من مكانه.

الكرسي سقط خلفه بقوة.

واتسعت عيناه بشكل مرعب.

ـ مستحيل…

ـ إيه اللي حصل؟! ـ سألت نور.

لكن محمود لم يجب.

ظل يحدق في التقرير كأنه يرى شبحًا.

ثم رفع رأسه ببطء شديد.

وقال الجملة التي قلبت كل شيء:

ـ كريم… مش ابني.

ساد صمت ثقيل.

صمت جعل الجميع يسمعون دقات الساعة على الحائط.

حتى نور شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.

أما محمود فجلس ببطء.

وكأنه فقد القدرة على الوقوف.

وأضاف بصوت مكسور:

ـ والتحليل ده بيقول إن الأب الحقيقي شخص تاني تمامًا…

شخص أعرفه كويس جدًا.

شخص اسمه…

سامح الجندي.

وفي اللحظة نفسها تمامًا…

دوى جرس الباب.

نظر الجميع إليه.

تبادلوا النظرات.

ثم توجهت سارة لفتحه.

لكن ما إن فتحت الباب…

حتى شهقت بقوة.

لأن الرجل الواقف بالخارج لم يكن غريبًا.

بل كان سامح الجندي نفسه.

وقد جاء أخيرًا ليقول الحقيقة التي أخفاها أكثر من ثلاثين عامًا.

(يتبع…)الفصل السادس

تجمدت سارة في مكانها وهي تحدق في الرجل الواقف أمام الباب.

كان في أواخر الستينات من عمره.

شعره الأبيض مرتب بعناية.

ويرتدي بدلة داكنة أنيقة.

لكن أكثر ما لفت الانتباه لم يكن مظهره…

بل نظراته.

نظرات رجل يحمل فوق كتفيه سنوات طويلة من الأسرار والندم.

قال بهدوء:

ـ أعتقد إن الوقت حان للكلام.

في الداخل…

وقف محمود فورًا.

وعيناه مشتعلة بالغضب.

ـ اطلع بره.

تنهد سامح.

ـ كنت عارف إن ده أول رد فعل منك.

ـ بعد اللي عملته؟ مستني إيه يعني؟

تدخلت مروة بسرعة:

ـ لو سمحتوا… خلونا نسمع الأول.

دخل سامح ببطء.

وجلس على أقرب مقعد.

ثم نظر إلى نور.

ـ أنا آسف إنك اتسحبتي وسط كل ده.

لم ترد.

كانت تحاول فقط استيعاب ما يحدث.

قبل ساعات كانت تعتقد أن مشكلتها مع زوج أناني وأم متسلطة.

والآن أصبحت وسط قصة تمتد لعقود.

أخذ سامح نفسًا عميقًا.

ثم قال:

ـ نعم… كريم ابني البيولوجي.

لكن الحقيقة أعقد من كده بكتير.

صرخ محمود:

ـ أعقد إيه؟!

ـ لأن فايزة نفسها ما كانتش تعرف.

ساد الصمت.

حتى مروة رفعت رأسها بدهشة.

ـ يعني إيه ما كانتش تعرف؟

أجاب سامح:

ـ زمان… قبل جوازها من محمود بفترة قصيرة… كانت بيني وبينها علاقة.

شعرت نور بالذهول.

أما محمود فأغلق عينيه بقوة.

كأنه لا يريد سماع المزيد.

أكمل سامح:

ـ بعدها انفصلنا تمامًا.

وفايزة تزوجت محمود.

ولما عرفت إنها حامل…

افتكرت إن الطفل ابن جوزها.

لأن التوقيت كان متقارب جدًا.

ـ وإنت سكت؟

ـ كنت شاكك… لكن ماكانش عندي دليل.

نظر إلى تقرير الحمض النووي.

ـ لحد دلوقتي.

مرت دقائق طويلة من الصمت.

ثم سألت نور:

ـ طيب ليه ظهرت دلوقتي؟

خفض سامح رأسه.

ـ لأني ارتكبت أخطاء كتير.

وأكبر غلطة إني سمحت لكريم يعتمد عليّ من بعيد.

ـ تقصد إيه؟

ـ كل الفلوس اللي كانت بتوصله… كانت مني.

اتسعت عينا نور.

ـ ليه؟

ـ لأني كنت شايفه ابني.

ـ حتى وهو بيسرق؟

لم يجد سامح جوابًا سريعًا.

وهنا فهمت نور الحقيقة.

كان يعرف.

ربما ليس كل شيء.

لكنه كان يعرف ما يكفي ليسكت.

في مكان آخر…

كان كريم يجلس وحده في مكتب محاميه.

وجهه شاحب.

وأعصابه منهارة.

فجأة دخل المحامي وأغلق الباب.

ـ عندي أخبار سيئة.

ضحك كريم بسخرية.

ـ لسه فيه أسوأ من كده؟

ألقى المحامي ملفًا أمامه.

ـ فيه شهود.

ـ شهود على إيه؟

ـ على التوقيعات.

شعر كريم بقلبه يهبط.

ـ لا…

ـ فيه موظف سابق وافق يدلي بشهادته.

ـ مستحيل.

ـ والأصعب من كده…

فتح المحامي الصفحة الأخيرة.

ـ فيه تحقيق جديد بدأ في ملفات قديمة تخص والدتك.

رفع كريم رأسه فجأة.

ـ أمي؟

ـ أيوة.

ـ مالها؟

تنهد المحامي.

ـ يبدو إن بعض القصص اللي حصلت من عشرين سنة راجعة تتفتح من جديد.

ولأول مرة…

شعر كريم بالخوف الحقيقي على أمه.

في تلك الليلة…

بعد مغادرة الجميع…

جلست نور بجوار سرير ليان.

الطفلة كانت نائمة بسلام.

يدها الصغيرة مغلقة على إصبع أمها.

تأملتها طويلًا.

ثم ابتسمت بحزن.

كل ما كانت تريده في البداية…

زوجًا يحبها.

وعائلة مستقرة.

لكنها اكتشفت أن البيت الذي دخلته كان مبنيًا على الأكاذيب منذ البداية.

أكاذيب امتدت لجيل كامل.

وربما أكثر.

رن هاتفها فجأة.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحتها بحذر.

وفي اللحظة التالية شحب وجهها.

الرسالة احتوت على صورة واحدة فقط.

صورة التُقطت قبل ساعات.

لها…

وهي تحمل ليان أمام العمارة.

ومرفق معها سطر قصير:

“لو كنتِ فاكرة إن الموضوع انتهى… يبقى لسه ما عرفتيش الحقيقة.”

ارتجفت يدها.

ثم نظرت إلى النافذة بسرعة.

شخص ما كان يراقبها.

شخص يعرف مكانها.

ويعرف مكان طفلتها.

لكن الأخطر من ذلك…

أن الرقم الذي أرسل الصورة كان مسجلًا باسم شخص يفترض أنه مات منذ سبع سنوات كاملة.

(يتبع…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *