انقذت رجل فقير حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الثالث
تجمدت في مكاني.
وشعاع الكشاف راح يتحرك ببطء فوق أرضية الكوخ، يمر فوق أكوام القش، ويقترب منا سنتيمترًا بعد الآخر.
حبست أنفاسي.
حتى إياد لم يعد يتحرك.
سمعنا صوت الرجل يقول من الخارج:
“شايف حاجة؟”
رد الآخر وهو يسلط الكشاف في كل زاوية:
“لا… بس المكان ده لسه حد دخله.”
شعرت بقلبي يكاد يقفز من صدري.
كان الحذاء الملطخ بالطين قد ترك آثارًا واضحة على الأرض.
همس إياد:
“خلصت.”
لكنني لم أستسلم.
وقعت عيناي على باب صغير في آخر الكوخ، كنت أعرفه منذ طفولتي.
كان يؤدي إلى حفرة تخزين قديمة تحت الأرض، يستخدمها الفلاحون لحفظ البطاطس والبصل بعيدًا عن الشمس.
أشرت إليه بسرعة.
فهم قصدي.
ساعدته حتى نزلنا بصعوبة داخل الحفرة الضيقة، ثم سحبت فوقنا الغطاء الخشبي وألقيت فوقه بعض القش.
بعد ثوانٍ فقط…
دخل الرجلان الكوخ.
كانت خطواتهما فوق رؤوسنا مباشرة.
قال أحدهما:
“أكيد حد كان هنا.”
رد الآخر:
“دور تحت القش.”
بدأت عصا طويلة تقلب القش فوق الغطاء.
كل ضربة كانت تجعل التراب يتساقط فوق وجوهنا.
كنت أضع يدي على فمي حتى لا يسمعوا صوت أنفاسي.
أما إياد…
فكان يضغط على جرحه بكل قوته حتى لا يئن.
مرّت دقيقة…
ثم دقيقتان…
ثم قال أحد الرجال بضيق:
“مفيش حد.”
رد الآخر:
“يبقى خرج قبل ما نوصل.”
ابتعدت الخطوات أخيرًا.
ثم سمعنا صوت السيارة يغادر المكان.
انتظرت خمس دقائق كاملة قبل أن أرفع الغطاء بحذر.
خرجنا بصعوبة.
كان إياد شاحبًا أكثر من قبل.
وفجأة…
سقط على ركبتيه.
أسرعت إليه.
وجدت الدم قد اخترق الرباط الذي صنعته له.
قلت بقلق:
“لازم مستشفى.”
هز رأسه بعنف.
“مستحيل.”
“هيموتوك.”
ابتسم بصعوبة.
“أهون.”
صرخت فيه لأول مرة:
“وأنا هسيبك تموت قدامي؟”
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
“إنتِ عنيدة.”
قلت:
“كل اللي فقرا عنيدين.”
ساد الصمت للحظات.
ثم سألني فجأة:
“عمرك دخلتي القاهرة؟”
ضحكت رغم خوفي.
“ولا حتى ركبت القطر.”
ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية.
“الغريب إن حياتك كلها هتبدأ هناك.”
لم أفهم قصده.
لكن قبل أن أسأله…
أخرج من جيبه خاتمًا فضيًا بسيطًا، من الداخل كان منقوشًا عليه حرفا (إ . م).
وضعه في يدي.
وقال:
“لو حصل لي حاجة… احتفظي بيه.”
رفضت.
“لأ.”
أعاد الإمساك بيدي وأغلق أصابعي على الخاتم.
“اسمعيني.”
“الخاتم ده هيخلي ناس كتير تصدقك.”
قلت باستغراب:
“مين الناس دي؟”
تنهد.
“الناس اللي شغالة معايا.”
وقبل أن يكمل…
رن هاتف.
تجمدنا.
الصوت لم يكن من هاتفي.
بل من داخل جيب سترته.
نظرت إليه بدهشة.
“قولت إن مفيش موبايل.”
ابتسم بتعب.
“ده مش موبايلي.”
أخرج هاتفًا صغيرًا جدًا، كأنه جهاز قديم مخصص للطوارئ.
كانت الشاشة تعرض اسمًا واحدًا فقط.
ليلى.
ظل الهاتف يرن.
ثم انقطع.
وبعد ثوانٍ…
وصلت رسالة قصيرة.
فتحها بصعوبة.
قرأها.
وفجأة تغير لون وجهه.
سألته بقلق:
“في إيه؟”
رفع عينيه نحوي.
وكان الخوف هذه المرة أكبر من أي خوف رأيته في عينيه منذ التقينا.
وقال بصوت مبحوح:
“هما وصلوا لبنتي.”
ثم فقد وعيه بين ذراعي.
الجزء الرابع
“إياد!”
هززت كتفيه بكل قوتي.
لكن رأسه مال إلى الجانب دون أي استجابة.
وضعت يدي أمام أنفه.
تنفست الصعداء عندما شعرت بأنفاسه الضعيفة.
كان ما زال حيًا…
لكن الحرارة ارتفعت بشكل مخيف، وجرحه عاد ينزف من جديد.
وقفت في حيرة.
إذا بقي هنا…
قد يموت قبل طلوع الفجر.
وإذا أخذته إلى المستشفى…
ربما يجدونه هناك.
جلست بجواره وأنا أفكر بسرعة.
ثم تذكرت شخصًا واحدًا فقط يمكن أن يساعدني.
الحاج ربيع.
طبيب بيطري متقاعد كان يعيش على أطراف القرية، وكان الناس يلجأون إليه أحيانًا لإسعافات بسيطة عندما يتعذر الوصول إلى المستشفى.
لم يكن طبيبًا بشريًا، لكنه كان يعرف كيف يوقف النزيف ويخيط الجروح.
المشكلة الوحيدة…
أن بيته يبعد أكثر من كيلومترين.
ولا أستطيع ترك إياد وحده.
نظرت حولي.
ثم سحبت قطعة خشب كبيرة كانت ملقاة بجوار الكوخ.
وربطت بها بعض الحبال القديمة.
وصنعت منها عربة بدائية.
استغرق الأمر أكثر من عشر دقائق.
وبعدها بدأت أجره فوق التراب.
كل متر كان يبدو كأنه جبل.
وكان جسدي يصرخ من التعب.
لكنني لم أتوقف.
—
في الوقت نفسه…
كانت ثلاث سيارات سوداء تقف أمام فيلا ضخمة في القاهرة الجديدة.
داخل غرفة اجتماعات فاخرة…
وقف رجل في أوائل الستينيات يضرب الطاولة بعنف.
وقال بغضب:
“يعني إيه اختفى؟”
ساد الصمت.
ثم قال أحد الرجال:
“العربية لقيناها يا فندم.”
“بس هو مش فيها.”
ارتفعت نبرة الرجل أكثر.
“إياد منصور ما يختفيش.”
خفض الجميع رؤوسهم.
فأكمل:
“اقفلوا كل الطرق.”
“فتشوا المستشفيات.”
“الكمائن.”
“محطات القطر.”
“حتى المقابر لو لزم الأمر.”
ثم التفت إلى رجل ضخم يقف في آخر القاعة.
وقال ببرود:
“سامي…”
“لو إياد عاش…”
“كلنا هنندم.”
أومأ سامي بصمت.
ثم خرج ومعه أكثر من عشرين رجلًا مسلحًا.
—
أما في مكان آخر…
داخل فيلا فاخرة تطل على النيل…
كانت فتاة في الخامسة والعشرين تبكي وهي تمسك هاتفها.
كانت جميلة الملامح.
لكن الخوف محا كل شيء من وجهها.
قالت وهي تنظر إلى الرجل الجالس أمامها:
“بابا عمره ما يقفل تليفونه.”
رد الرجل بهدوء:
“هنلاقيه يا آنسة ليلى.”
هزت رأسها.
“لأ…”
“أنا حاسة إنه في خطر.”
اقترب منها الرجل وقال:
“الأستاذ إياد أقوى من أي حد.”
لكنها همست وكأنها تحدث نفسها:
“حتى الأقوياء… بيتعبوا.”
—
وصلت إلى بيت الحاج ربيع قبل الفجر بقليل.
طرقت الباب بعنف.
فتح الرجل وهو يفرك عينيه.
وما إن رأى الدم حتى اتسعت عيناه.
قال:
“يا ساتر.”
“مين ده؟”
قلت بسرعة:
“بلاش أسئلة.”
“بس أنقذه.”
نظر إلى إياد للحظات.
ثم قال:
“دخليه بسرعة.”
ساعدني في حمله إلى الداخل.
وبدأ يفحصه تحت ضوء مصباح قديم.
وبعد دقائق…
نظر إليّ بوجه شاحب.
وقال:
“الرصاصة لسه جوه كتفه.”
“ولو ما خرجتش خلال ساعات…”
“هيموت.”
ابتلعت ريقي.
“اعمل أي حاجة.”
هز رأسه بأسف.
“أنا مقدرش.”
“دي محتاجة جراح.”
شعرت بالأرض تميد بي.
لكن الحاج ربيع ظل ينظر إلى وجه إياد.
وفجأة…
تغيرت ملامحه.
اقترب أكثر.
ثم خلع نظارته.
وقال بدهشة شديدة:
“مستحيل…”
سألته بسرعة:
“في إيه؟”
رفع رأسه نحوي ببطء.
وقال:
“إنتِ تعرفي أن الراجل ده طلع في الأخبار من يومين؟”
اتسعت عيناي.
“أخبار إيه؟”
رد وهو ما زال مصدومًا:
“ده مش مجرد رجل أعمال…”
“ده إياد منصور…”
“واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر.”
وقبل أن أستوعب الصدمة…
ارتفع صوت محركات سيارات من خارج البيت.
ثم تبعها صوت مكبر:
“افتحوا الباب فورًا…”
“إحنا بندور على راجل مصاب.”
نظر الحاج ربيع من الشباك.
ثم التفت إليّ، وقد اختفى اللون من وجهه.
وقال هامسًا:
“يا بنتي…”
“دول وصلوا.”