تخطر رجل في القاهره حكـايـات أسمـا ×5

الفصل الخامس: الرسالة الأخيرة

 

مرّت ستة أشهر.

 

هدأت العاصفة التي هزّت اسم الحديدي.

 

اختفت سيارات الحراسة الكثيفة.

 

وأغلقت الملفات القضائية الكبرى.

 

وبدأ الناس يتحدثون عن سليم الحديدي بطريقة مختلفة.

 

لكن في صباح بارد من شهر نوفمبر…

 

وصل ظرف أسود إلى القصر.

 

بدون مرسل.

 

وبدون طابع بريد.

 

وُضع فقط فوق مكتب سليم.

 

فتح موسى الباب وقال:

 

ـ الظرف ده لقيناه على البوابة يا فندم.

 

رفع سليم رأسه من الأوراق.

 

ـ من مين؟

 

ـ محدش شاف.

 

تناول الظرف.

 

وشعر فورًا أن شيئًا غير طبيعي فيه.

 

داخله كانت ورقة واحدة فقط.

 

وصورة قديمة.

 

الصورة أظهرت عمر الحديدي.

 

لكنها لم تكن صورة جديدة.

 

بل صورة التُقطت قبل خمسة عشر عامًا.

 

وكان يقف بجوار رجل مجهول.

 

أما الرسالة فكانت قصيرة جدًا:

 

“لو عايز تعرف مين خان عمر أول مرة…

 

اسأل عن نادر الشامي.”

 

تجمد سليم.

 

لأن هذا الاسم لم يسمعه منذ سنوات طويلة.

 

ولأن نادر الشامي…

 

كان الرجل الذي اختفى في نفس الليلة التي اختفى فيها عمر.

 

رفع الهاتف فورًا.

 

ـ موسى.

 

ـ نعم يا فندم؟

 

ـ هاتلي كل ملف قديم يخص نادر الشامي.

 

صمت موسى لثوانٍ.

 

ثم قال:

 

ـ حضرتك متأكد إنك عايز تفتح القصة دي تاني؟

 

نظر سليم إلى الصورة.

 

ثم إلى الحديقة حيث كانت ليان تلعب.

 

وقال بهدوء:

 

ـ الحقيقة لما تبدأ تظهر…

 

مبتقفش في نص الطريق.

 

لكن ما لم يكن يعرفه سليم…

 

أن الشخص الذي أرسل الرسالة كان يراقب القصر في تلك اللحظة.

 

ومن خلف منظار بعيد…

 

ابتسم رجل غامض وقال:

 

ـ أخيرًا اللعبة هتبدأ.

 

انتهى الفصل…الفصل السادس: اسم من الماضي

 

ظل سليم الحديدي ينظر إلى الصورة عدة دقائق.

 

نادر الشامي.

 

اسم ظن أنه اختفى إلى الأبد.

 

لكن بعض الأسماء لا تموت.

 

تختبئ فقط.

 

ثم تعود عندما يحين وقت الحساب.

 

دخل موسى المكتب يحمل صندوقًا قديمًا مغطى بالغبار.

 

وضعه فوق الطاولة.

 

ـ ده كل اللي فضل من ملفات سنة اختفاء عمر.

 

فتح سليم الصندوق.

 

أوراق صفراء.

 

عقود قديمة.

 

صور.

 

مستندات.

 

ثم وجد ملفًا بنيًا كُتب عليه:

 

“نادر الشامي”

 

فتح الملف بسرعة.

 

أول صفحة كانت بطاقة تعريف قديمة.

 

الاسم: نادر الشامي.

 

العمر وقتها: 34 سنة.

 

الوظيفة: المدير المالي لمجموعة الحديدي.

 

الصفة غير الرسمية: أقرب أصدقاء عمر الحديدي.

 

توقف سليم.

 

كان يتذكره جيدًا.

 

رجل هادئ.

 

دائم الابتسام.

 

كان يزور القصر باستمرار.

 

حتى أن عمر كان يثق به أكثر من أي شخص آخر.

 

ثم…

 

اختفى.

 

في نفس الأسبوع الذي اختفى فيه عمر.

 

وكأن الأرض ابتلعته.

 

قلب الصفحة التالية.

 

فوجد تقريرًا أمنيًا قديمًا.

 

“آخر ظهور مؤكد لنادر الشامي كان قبل 48 ساعة من حادث عمر الحديدي.”

 

ازدادت ضربات قلبه.

 

ثم وجد شيئًا أخطر.

 

صورة كاميرا مراقبة.

 

باهتة ومشوشة.

 

لكن واضحة بما يكفي.

 

عمر.

 

ونادر.

 

يدخلان مستودعًا قديمًا معًا.

 

قبل اختفاء عمر بيوم واحد فقط.

 

همس سليم:

 

ـ إنت كنت فين يا نادر؟

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كانت ليان تلعب في الحديقة.

 

أصبحت تضحك أكثر الآن.

 

وتخاف أقل.

 

لكن بعض الجروح لا تختفي بسرعة.

 

جلست ترسم على دفتر صغير.

 

اقترب منها عمر.

 

ـ بترسمي إيه؟

 

رفعت الورقة.

 

كان الرسم عبارة عن بيت.

 

وشجرة.

 

وأشخاص يمسكون أيدي بعضهم.

 

سألها مبتسمًا:

 

ـ ومين دول؟

 

أشارت بإصبعها.

 

ـ دي ماما.

 

ودي حضرتك.

 

وده عمو سليم.

 

ثم توقفت قليلًا.

 

وأضافت شخصًا رابعًا.

 

رجل طويل.

 

يقف بعيدًا عن البيت.

 

عقد عمر حاجبيه.

 

ـ وده مين؟

 

هزت كتفيها.

 

ـ معرفش.

 

ـ رسمتيه ليه؟

 

نظرت إلى الورقة.

 

ثم قالت شيئًا غريبًا:

 

ـ بحلم بيه كل يوم.

 

شعر عمر بانقباض مفاجئ.

 

ـ بيعمل إيه في الحلم؟

 

ـ واقف بعيد.

 

وبيحاول يوصل للبيت.

 

ساد الصمت.

 

ثم ابتسم عمر ليخفي قلقه.

 

لكن شيئًا داخله لم يعجبه ما سمعه.

 

—

 

بعد يومين…

 

وصل أول خيط.

 

كان أحد رجال سليم قد تتبع رقمًا مصرفيًا قديمًا مرتبطًا بنادر الشامي.

 

دخل نبيل المكتب بسرعة.

 

ـ لقيناه.

 

رفع سليم رأسه.

 

ـ فين؟

 

ـ أسوان.

 

تجمد الجميع.

 

ـ متأكد؟

 

ـ أيوه.

 

عايش باسم مختلف من عشر سنين.

 

نظر سليم إلى عمر.

 

فقال الأخير فورًا:

 

ـ نسافر.

 

—

 

بعد ساعات…

 

كانت طائرة خاصة تشق السماء نحو الجنوب.

 

جلس سليم بجوار النافذة.

 

بينما جلس عمر أمامه.

 

قال عمر بهدوء:

 

ـ لو نادر طلع خاين؟

 

ـ هعرف.

 

ـ ولو طلع ضحية؟

 

ـ هعرف برضه.

 

ابتسم عمر.

 

ـ لسه زي ما أنت.

 

ـ وأنت لسه بتختفي عشر سنين وترجع فجأة.

 

ضحك عمر لأول مرة.

 

ضحكة قصيرة.

 

لكنها كانت حقيقية.

 

—

 

وصلوا إلى أسوان قبل الغروب.

 

كانت المدينة هادئة.

 

مختلفة تمامًا عن القاهرة.

 

استأجر نادر بيتًا صغيرًا على أطراف النيل.

 

مكان بسيط.

 

بعيد عن كل شيء.

 

اقتربت السيارات ببطء.

 

ثم نزل سليم.

 

وطرق الباب.

 

مرة.

 

مرتين.

 

ثلاث مرات.

 

ثم فُتح الباب.

 

وظهر رجل في أوائل الستينات.

 

شعره أبيض.

 

وجهه مرهق.

 

لكن عينيه اتسعتا فورًا.

 

ـ عمر؟

 

همسها وكأنه رأى شبحًا.

 

ثم نظر إلى سليم.

 

وتحول وجهه إلى اللون الأبيض.

 

ـ لا…

 

قالها بصوت مرتجف.

 

ـ مستحيل تكونوا هنا.

 

—

 

دخلوا المنزل.

 

جلس نادر أمامهم.

 

ويداه ترتجفان.

 

سأله سليم مباشرة:

 

ـ مين اللي بعت الرسالة؟

 

صمت.

 

ـ نادر.

 

مين بعتها؟

 

رفع الرجل عينيه.

 

وقال:

 

ـ أنا.

 

ساد الصمت.

 

ثم أكمل:

 

ـ لأن الوقت خلص.

 

ـ وقت إيه؟

 

نظر إلى عمر.

 

ثم قال:

 

ـ وقت الهروب.

 

—

 

مرت لحظات طويلة قبل أن يتكلم مجددًا.

 

ثم قال:

 

ـ في حاجة ما تعرفوهاش.

 

ـ إيه؟

 

ـ أبوكم ما كانش أخطر شخص في القصة.

 

تجمد سليم.

 

ـ تقصد إيه؟

 

أخرج نادر صورة قديمة من درج قريب.

 

ووضعها أمامهما.

 

كانت الصورة تضم أربعة رجال.

 

جلال الحديدي.

 

ونادر الشامي.

 

ورجلين آخرين.

 

توقف عمر فجأة.

 

ـ ده…

 

وأشار إلى أحد الوجوه.

 

ـ سامي الكيلاني.

 

هز نادر رأسه.

 

ـ أيوه.

 

ـ مات من زمان.

 

ـ لا.

 

قالها نادر بحزم.

 

ـ سامي الكيلاني حي.

 

وشبكة الفساد كلها كانت شغالة تحت إدارته.

 

جلال كان واجهة.

 

لكن سامي كان العقل.

 

شعر سليم أن الأرض بدأت تتحرك تحت قدميه مرة أخرى.

 

قال ببطء:

 

ـ يعني بعد كل اللي حصل…

 

لسه في حد فوق جلال؟

 

ـ أيوه.

 

رد نادر.

 

ـ ولسه بيدور على حاجة واحدة.

 

ـ إيه؟

 

نظر نادر إلى عمر.

 

ثم إلى سليم.

 

وقال:

 

ـ ليان.

 

ساد الصمت.

 

هذه المرة كان الصمت أثقل من كل ما سبقه.

 

—

 

في تلك اللحظة…

 

في القاهرة…

 

كانت ليان نائمة في غرفتها.

 

تحتضن الدمية التي اشتراها لها سليم.

 

والقصر هادئ.

 

والحراس منتشرون.

 

وكل شيء يبدو آمنًا.

 

لكن خارج الأسوار…

 

كانت سيارة سوداء متوقفة منذ ساعات.

 

بداخلها رجل يراقب النوافذ.

 

أخرج صورة قديمة.

 

صورة ليان.

 

ثم همس:

 

ـ أخيرًا لقيتك.

 

رفع هاتفه.

 

وقال للطرف الآخر:

 

ـ الهدف مؤكد.

 

ثم أغلق الخط.

 

وابتسم.

 

بينما كانت أضواء القصر تلمع في الظلام.

 

غير مدركة أن الخطر عاد من جديد.

 

وأنه هذه المرة…

 

أقرب بكثير مما يتخيل الجميع.

الفصل الأخير: البيت الذي نجا

 

ظل سليم وعمر في أسوان حتى الفجر.

 

لم ينم أحد.

 

كان نادر الشامي يفرغ كل الأسرار التي حملها فوق كتفيه لعشر سنوات.

 

أسماء.

 

حسابات.

 

مخازن.

 

شركات وهمية.

 

وشخص واحد يتكرر في كل ملف.

 

سامي الكيلاني.

 

الرجل الذي اختفى خلف الستار بينما كان الجميع يطاردون جلال الحديدي.

 

وعندما انتهى نادر من الكلام…

 

قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:

 

ـ سامي مش عايز فلوس.

 

ـ أمال عايز إيه؟

 

سأل سليم.

 

تنهد نادر.

 

ثم قال:

 

ـ عايز ينتقم.

 

ـ من مين؟

 

ـ من عيلة الحديدي كلها.

 

—

 

قبل ثلاثين سنة…

 

كان سامي الكيلاني شريكًا مؤسسًا لجلال الحديدي.

 

بدأ الرجلان من الصفر.

 

عملا معًا.

 

وحلما معًا.

 

وبنيا أول شركة معًا.

 

لكن عندما بدأت الملايين تتدفق…

 

خان جلال شريكه.

 

زوّر العقود.

 

واستولى على الحصص.

 

ودفع سامي إلى السجن بتهمة ملفقة.

 

خرج سامي بعد سنوات.

 

خسر زوجته.

 

وخسر ابنه.

 

وخسر حياته.

 

لكنه لم ينسَ.

 

أبدًا.

 

وبدأ يبني انتقامه ببطء.

 

سنوات طويلة من التخطيط.

 

حتى أصبح أخطر من الرجل الذي خانه.

 

قال نادر:

 

ـ كان عايز يدمر جلال.

 

لكن بعد ما مات جلال…

 

بقي عايز يدمر الاسم نفسه.

 

اسم الحديدي.

 

—

 

قفز سليم واقفًا.

 

ـ لازم نرجع القاهرة حالًا.

 

هز عمر رأسه.

 

ـ ليان.

 

ـ أيوه.

 

ـ هو رايح ليان.

 

—

 

بعد ساعات…

 

كانت الطائرة الخاصة تهبط في القاهرة.

 

أما في القصر…

 

فكانت ليان تجلس في الحديقة مع هالة.

 

ترسم.

 

وتضحك.

 

وتعيش لأول مرة طفولة حقيقية.

 

قالت هالة مبتسمة:

 

ـ عارفة إنك بقيتي مشهورة؟

 

ضحكت ليان.

 

ـ ليه؟

 

ـ عشان خلتِ كل الرجالة دول يجروا وراكي.

 

ابتسمت الصغيرة.

 

ثم توقفت فجأة.

 

ونظرت إلى البوابة.

 

شعرت بشيء غريب.

 

كما لو أن أحدًا يراقبها.

 

لكنها لم تر شيئًا.

 

—

 

في نفس اللحظة…

 

كان سامي الكيلاني يقف داخل منزل مهجور يطل على القصر من بعيد.

 

أمامه عشرات الشاشات.

 

وصور قديمة.

 

وصورة كبيرة لجلال الحديدي.

 

مطعون فيها بسكين.

 

نظر إلى صورة ليان.

 

وقال بهدوء:

 

ـ لو كانت اتولدت في أي عيلة تانية… كانت عاشت سعيدة.

 

ثم أغلق الملف.

 

واستعد للتحرك.

 

—

 

وصل سليم إلى القصر قبل الغروب.

 

ركض مباشرة نحو الحديقة.

 

وحين رأى ليان بخير…

 

تنفس لأول مرة منذ ساعات.

 

ركضت نحوه الصغيرة.

 

ـ عمو سليم!

 

حملها بين ذراعيه.

 

وضمها بقوة.

 

فضحكت:

 

ـ إنت بتخنقني.

 

ضحك رغم كل شيء.

 

لكن عينيه بقيتا تبحثان حوله.

 

الخطر ما زال قريبًا.

 

وكان يشعر بذلك.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

اجتمع الجميع داخل القصر.

 

سليم.

 

عمر.

 

هالة.

 

موسى.

 

ونادر.

 

كانت الخريطة الكبيرة أمامهم.

 

والصور موزعة على الطاولة.

 

قال نادر:

 

ـ سامي هيهاجم خلال 48 ساعة.

 

ـ متأكد؟

 

ـ أكتر من متأكد.

 

ـ ليه؟

 

ـ لأنه مريض.

 

ولما المريض يوصل للنهاية… بيستعجل.

 

ساد الصمت.

 

ثم قال عمر:

 

ـ يبقى نستناه.

 

ابتسم سليم.

 

ـ وأنا تعبت من الجري أصلًا.

 

—

 

جاءت الليلة التالية.

 

هادئة بشكل مخيف.

 

أكثر هدوءًا من اللازم.

 

وذلك وحده كان إنذارًا.

 

في الساعة الثانية بعد منتصف الليل…

 

انطفأت الأنوار.

 

كلها.

 

مرة واحدة.

 

وقف الحراس في أماكنهم.

 

وانطلقت أجهزة الإنذار.

 

ثم بدأ الهجوم.

 

—

 

سيارات سوداء اقتحمت البوابات.

 

رجال مسلحون.

 

دخان.

 

رصاص.

 

وأصوات انفجارات.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن القصر نائمًا.

 

كان مستعدًا.

 

تحولت الحدائق إلى ساحة معركة.

 

وتحرك رجال سليم بسرعة.

 

بينما تم نقل ليان وهالة إلى غرفة آمنة.

 

لكن ليان كانت تبكي.

 

ـ عايزة بابا.

 

ـ بابا بخير.

 

قالت هالة.

 

ـ وعمو سليم؟

 

ـ بخير.

 

لكن الحقيقة أن أحدًا لم يكن يعرف ماذا سيحدث.

 

—

 

في الخارج…

 

كان سليم يقاتل بجوار عمر.

 

ظهرًا لظهر.

 

كما كانا يفعلان وهما طفلان عندما يتشاجران مع أولاد الحي.

 

صرخ عمر:

 

ـ فاكر لما كسرنا عربية عم عبدو؟

 

ضحك سليم وسط الرصاص.

 

ـ ده وقت ذكريات؟

 

ـ يمكن آخر فرصة.

 

ـ اسكت وخليك مركز.

 

—

 

ثم…

 

توقف إطلاق النار فجأة.

 

بشكل مفاجئ.

 

مرعب.

 

وخرج سامي الكيلاني من الظلام.

 

وحيدًا.

 

دون حراس.

 

دون سلاح ظاهر.

 

تقدم ببطء نحو القصر.

 

حتى أصبح أمام سليم مباشرة.

 

نظر إليه طويلًا.

 

ثم قال:

 

ـ شبه أبوك.

 

رد سليم:

 

ـ وأنا بكره ده.

 

ابتسم سامي.

 

ـ أول حاجة عجبتني فيك.

 

—

 

ساد الصمت.

 

ثم قال سامي:

 

ـ تعرف إيه الفرق بيني وبين أبوك؟

 

ـ إيه؟

 

ـ هو سرق حياتي عشان يعيش.

 

وأنا ضيعت حياتي كلها عشان أنتقم.

 

ضحك بمرارة.

 

ـ وفي الآخر الاتنين خسرنا.

 

نظر إلى عمر.

 

ثم إلى سليم.

 

ثم إلى القصر.

 

وسأل:

 

ـ تستاهل؟

 

لم يرد أحد.

 

لأن السؤال لم يكن عن القصر.

 

كان عن كل السنوات التي ضاعت.

 

—

 

أخرج سامي مسدسًا ببطء.

 

فاستعد الجميع.

 

لكن المفاجأة…

 

أنه وجهه نحو نفسه.

 

اتسعت عينا سليم.

 

ـ سامي!

 

ابتسم الرجل العجوز.

 

ـ خلاص.

 

انتهت.

 

ـ ارمي السلاح.

 

ـ تعبت.

 

ـ لسه في محاكمة.

 

ضحك سامي.

 

ـ أنا اتحاكمت كل يوم من تلاتين سنة.

 

ثم نظر إلى السماء.

 

وهمس:

 

ـ آسف يا ابني.

 

وضغط الزناد.

 

—

 

ساد الصمت.

 

سقط سامي على الأرض.

 

وانتهت الحرب.

 

ليس بانتصار أحد.

 

بل بانتهاء آخر رجل كان يحملها داخله.

 

—

 

مرت الشهور.

 

ثم السنوات.

 

وتغيرت أشياء كثيرة.

 

اختفت قضايا.

 

وأغلقت ملفات.

 

وبدأت حياة جديدة.

 

—

 

أصبح عمر مديرًا لمؤسسة خيرية كبيرة تحمل اسم والدته.

 

وتفرغ لمساعدة الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم.

 

أما هالة…

 

فعادت للدراسة.

 

وأكملت تعليمها الذي حرمها منه الخوف.

 

أما موسى…

 

فبقي في القصر.

 

لكنه قضى بقية عمره يحاول إصلاح أخطائه القديمة.

 

وقد سامحه عمر في النهاية.

 

—

 

أما سليم الحديدي…

 

فلم يعد أخطر رجل أعمال في القاهرة.

 

ولم يعد يريد أن يكون.

 

باع معظم إمبراطوريته.

 

وحوّل جزءًا كبيرًا منها إلى مدارس ومستشفيات ومشروعات خيرية.

 

عندما سأله أحد الصحفيين يومًا:

 

ـ نادم؟

 

ابتسم وقال:

 

ـ على حاجات كتير.

 

ـ وأكبر ندم؟

 

نظر بعيدًا.

 

ثم أجاب:

 

ـ إني استنيت كل السنين دي عشان أتعلم إن القوة مش أهم حاجة.

 

—

 

وفي صباح مشمس بعد ثلاث سنوات…

 

كانت ليان تركض في حديقة القصر.

 

لم تعد تلك الطفلة الخائفة التي جاءت بمريلة أمها تطلب وظيفة.

 

كبرت.

 

وصارت تضحك كثيرًا.

 

وتحلم أكثر.

 

وكانت تحمل في يدها شهادة تفوق مدرسية.

 

تركض وهي تصرخ:

 

ـ عمو سليم!

 

خرج سليم من البيت.

 

فلوحت له بالشهادة.

 

ـ طلعت الأولى!

 

حملها بين ذراعيه.

 

ودار بها وسط الحديقة.

 

فضحكت بصوت عالٍ.

 

ثم سألت فجأة:

 

ـ عمو؟

 

ـ نعم؟

 

ـ لو أنا ما كنتش جيت القصر اليوم ده… كان إيه اللي حصل؟

 

نظر سليم إلى عمر.

 

ثم إلى هالة.

 

ثم إلى البيت الذي نجا بعد كل العواصف.

 

وقال مبتسمًا:

 

ـ كان زماننا كلنا تايهين.

 

ابتسمت ليان.

 

ثم احتضنته.

 

وفي تلك اللحظة…

 

عرف سليم الحديدي أن أعظم شيء كسبه في حياته كلها…

 

لم يكن شركة.

 

ولا مالًا.

 

ولا سلطة.

 

بل طفلة صغيرة دخلت قصره يومًا وقالت:

 

“ماما ما قدرتش تيجي النهارده.”

 

ومن يومها…

 

تغير كل شيء.

 

تمت النهاية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *